حماة الدين. الجزء
الثالث.
مصطفى الهادي.
الإسلام.
فيما تقدم بيّنا أسباب انحراف
الأديان السابقة. وأن نسبة الانحراف بلغت 99% بسبب غياب حماة الدين
بعد
رحيل الأنبياء وضياع الكتب
المقدسة. وأما في الإسلام فقد أرسل الله تعالى نبيا ومعهُ كتابا، ثم
وقبل رحيله أنباهم النبي (ص) بأن بعده اثنا عشر إماما ثم أشار إلى
الإمام علي وولديه الحسن والحسين عليهم السلام وقال : (وصيي وخليفتي
من بعدي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة من
صلب الحسين أئمة أبرار).(1) وورد مثله عن طريق أهل السنّة عن رسول
الله (ص): (لا يزال هذا الدين قائما حتى تقوم الساعة ويكون عليكم
اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش).(2) وفي رواية : (كلّهم من بني
هاشم).(3)
هؤلاء الإثناء عشر لم يأتوا في
فترة واحدة كما حصل في الأديان السابقة ، بل فرّقهم تعالى على
الأزمان. فالدين لا يزال قائم بوجودهم وهم حماة الدين. وقد أشار
النبي إلى أن الكتاب والعترة لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض ، في
الحديث المشهور : (إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا:
كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي؛ فإنَّهما لن يفترقَا حتى يرِدَا عليَّ
الحوضَ).(4) قوله (ص) لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يدل دلالة
واضحة أن حماة الدين سائرون مع القرآن حتى يردا على رسول الله (ص)
ويُسلّماه القرآن. ولربما هذا يشير إلى قوله تعالى : (إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا لهُ لحافظون).(5)
فهذه أحد أهم وسائل حفظ القرآن
والدين كله.لا بل أن رسول الله (ص) أمر أمته أن لا تتقدم عليهم ولا
تتأخر لأن في ذلك التفرق والهلاك كما ورد في الحديث : (لا تسبقوهم
فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم
منكم).(6) ومن هنا ورد في الأحاديث أن أهل الذكر هم رسول الله وآل
بيته عليهم السلام وقد روى ذلك أهل السنة والشيعة ومن ذلك في قوله
تعالى : (وإنهُ لذكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون). قال ألإمام : (إيانا
عنى، ونحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون).وقد ورد بطرق مختلفة عن أئمة
آل البيت عليهم السلام. ولكن البعض حاول أن يحرف الحديث عن معناه
الحقيقي . ففي الحديث: (إن من عندنا يزعمون أن قول الله عز وجل
(فسألوا أهل الذكر). أنهم اليهود والنصارى. فقال له الإمام : إذا
يدعونكم إلى دينهم. ثم أشار بيده إلى صدره وقال : نحن أهل الذكر
ونحن المسؤولون الذين أمر الله الخلق بسؤالهم).(7) وروى الطبري من
أهل السنّة في تفسيره عن أبي جعفر : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون.قال نحن أهل الذكر).( 8 )
من هنا نرى انقسام الإسلام إلى
مدرستين ، مدرسة ترى طاعة أئمة الجور وعدم الخروج عليهم ، فلم يمض
سوى وقت قليل بعد رحيل النبي حتى اندلعت المؤامرات والحروب بين
المسلمين واصبح أعداء الأمس هم خلفاء اليوم، وابعد أهل الحق عن حقهم
، ثم قتلوا خليفتهم عثمان، وتسيّد الطليق ابن الطليق على هرم
السلطة، وقام بتعيين الطلقاء والمؤلفة قلوبهم والمنافقين والفاسقين
حتى اصبح الولاة يؤدون الصلاة بالناس وهم سكارى. فكان نتاج ذلك
مذاهب لم يأمر الله تعالى بها، لازالت إلى هذا اليوم لا بل إلى أخر
الزمان تقوم بتشويه صورة الإسلام وتُصادر الحق من أهله.
وطائفة ترى التصدي لأئمة الجور
امتثالا لآيات القرآن الكريم وتأسيا بما قام به أئمة آل البيت عليهم
السلام وشيعتهم ضد للحكام الظلمة والتضحية بالغالي والنفيس من أجل
الحفاظ على الإسلام ويتجسد ذلك في ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
حيث أرست الملحمة الحسينية أساسيات عدم السكوت على الظلم ورفض
مؤازرة السلطة الظالمة.
مسيرة الأديان هذه التي ذكرناها
في هذه الأجزاء الثلاث رسمت لنا عقيدة مفادها أن اليهودية أخرجت لنا
الدجال ، والمسيحية آمنت بحياة السيد المسيح ليخرج في آخر الزمان في
نزوله الثاني مع قائد من الإسلام ليضعوا أسس الدولة العادلة في
التصدي لرموز الشر، فوجود السيد المسيح هو لإبطال مزاعم حركة
(المسيح الدجال) المتمثل بالطغيان اليهودي الغربي وكشف ألاعيبه ثم
القضاء عليه، و: (السفياني من المسلمين). الذي سيخرج من الشام ولكن
الإرادة الإلهية تخسف به البيداء فتنشق الأرض وتبتلعهُ وجيشه
بأكمله. ثم يتوجه المهدي بالجيش إلى الشام للقضاء على دار ملك
السفياني ومحل قيادته، وهناك تجري المعركة الكبرى التي يحصل بعدها
السلام وينتشر العدل في دولة المهدي دولة العدل الإلهي.
المصادر:
1- بحار الأنوار، العلامة
المجلسي، جزء 36 ص: 284، طبع مؤسسة الوفاء.
2- مسند أحمد ج5 ص : 89. وصحيح
مسلم : 12. 445. حديث رقم : 1822.وقد أورده الألباني في سلسلة
الأحاديث الصحيحة.
3- نقل ذلك أهل السنة في مصادرهم
ومنهم : مسند أحمد : ٥ / ۱۰۱ ، صحيح مسلم : ۱۲ / ٤٤۳ ح : ۱۸۲۱ ،
جامع الأصول : ٤ / ٤٥ ح : ۲۰۲۲ ، مسند أبي عوانة : ٤ / ۳۷۰ ح : ٦۹۸۱
، المعجم الكبير : ۲ / ۲۱٤ ح : ۱۸۷۷ ، ينابيع المودة / ۲٥۸ و ٤٤٥ ب
: 77.
4- الحديث ورد بطرق كثيرة ورواه
جمهرة علماء أهل السنة ومنهم : سنن الترمذي ج5 ص329 ط دار الفكر ـ
بيروت. مسند الإمام أحمد ج3 ص 14ـ ج4 ص : 267. و سنن الدارمي ج2 ص
432. لمستدرك على الصحيحين للحاكم. ج3 ص : 110. السنن الكبرى
للبيهقي ج2 ص : 148. مجمع الزوائد. ج9 ص : 162. المصنف لابن أبي
شيبة ج7 ص: 418. وغيرهم كثيرة.
5- سورة الحجر آية : 9.
6- ورد الحديث بصيغ مختلفة وهو
طويل ، وفيه أيضا : (فإنهم مع الحق والحق معهم، لا يزايلونه ولا
يزايلهم). وذكره جمهرة من العلماء منهم: الاحتجاج ج1 ص : 198.
واليقين ص : 341. ونهج البلاغة الخطبة: 100. وكذلك الاحتجاج ج1 ص :
297. وكمال الدين ص : 277. والإرشاد ج1 ص : 180. وتفسير العياشي ج1
.
7- الكافي، ج1 ص 210ــ
211.
8- جامع البيان في تأويل القرآن
الطبري. ج14 ص : 145.