جمرُ القُبلةِ الأخيرة

2021/01/16


بقلم: حنان الزيرجاوي
    تختلجُ مشاعري وكأنّها جمرٌ ملتهبٌ في قلبي، عندما اتذكرُ تلك النظرة والقُبلة، أهو فعلًا وداعٌ لمن لا تمكن مُفارقته؟ أم هو غيابٌ لمن ألِفته النفس فحسب، وهي تشعرُ أنّه ساكنٌ... بل إنَّه جزءُ أو كلُّ حناياها؟!
   ربما يُعدُّ ذلك تهويلًا لا مُبرر له، وقد بِتُّ أعاني ولا أكاد احتمل، ولكن من شرب من نفس الكأس، وأحسَّ مرارةَ مذاقها؛ أكيداً لا يستغرب من عدم مقدرتي على التقبل، والتسليم للألم الذي انتزعها من بين أضلعي انتزاعًا.  
   عيناي لا تنام، وبلا تردد أقومُ من فراشي لأديرَ المفتاح بهدوءٍ في بابِ غرفتها، لكي لا أوقظ النائمين في البيت فقد قاربت الساعة الثانية ليلًا، أفتحُ زرَّ المصباح فينزاح الظلام عن وجه الأشياء، أنظر إلى سريرها، إلى سجادةِ صلاتها... قرآنها، أقبّلُ بعينيَّ كلَّ شيءٍ يخصها، فأطبق جفنيَّ على دمعةٍ أبت أنْ تبقى حبيسةَ المآقي، فتسيل حارةً... تأخذ مجراها على خدي، ولا أحِبُّ أنْ أمسحها، أتركها تجفُّ هناك.
     فجأة تشرقُ بوجهها المبتسم وهي تقول لي مداعبة: 
_ رأيتك في أحلام اليقظة، ولكنّك لمّا جئت إلى الدنيا كنت أجمل من الحلم!
_ لكنّي لستُ بذلك الجمال الذي تصفين، بل لا أملك منه إلا القليل؟
_ لا أعني جمالكِ فقط، هذا أمرٌ لا تستطيعين إدراكه إلا عندما تُصبحين أمًا.
    أولُ وجهٍ رأيتُه في عالم الدنيا، وأولُ كفين لامستني بتلك الملامسة القادرة وحدها على أنْ ترفع الخوف مهما تعاظم وتزرع الأمان، والوحيدةُ التي كانت على استعداد تامٍ للتضحية ولو كانت الكلفة الحياة ذاتها. وأولُ حجرٍ ضمّني في دفئه وحنانه وأنا أتقلبُ لا أبالي؛ لأني على يقينٍ أنني لن أسقط منه، إنّها دنياي كلُها، وتجنبت التطرق لما بعدها.
    إنها ملاذي الذي لا أجدُ الأمان والراحة والطمأنينة إلّا بوجوده وقربه ورضاه... تناغيني تداعبني... تلاطفني كطفلةٍ حتى بعد أنْ كبرتُ كثيرًا، وأعظمُ حبٍّ في حياتي.
كنت أنامُ بين راحتيها وكأني ثملة برحيق الهناء، فيغلبني النعاس فلا أبالي لسهرها، أو تعبها أو حتى مرضها، كنت على يقينٍ تامٍ أنَّ المرض يخشاها ولا يقترب من حدودها الآمنة ... أليست هي حصني؟ فهل يمرض الحصن؟!
    لم أكن أعرف بردًا ولا حرًا؛ لأنَّ دفئها يغمرني، وكان يزدادُ حبُّها لي كُلّما كبرتُ أكثر رُبّما لأني بكرها، وفعلًا كنتُ أفتعلُ التعب من أجلِ عذوبة حنانها، أشتاق إليه ولا أستطيع بعدًا عنه، وها أنا اليوم بأمسِّ الحاجة إليها، وللتراب الذي تحت قدميها لأشمه.
    لم أعُد أقوى على مجردِ تذكرِ تلك اللحظات التي كنتُ فيها جالسةً عند رأسها، وهي تُديرُ عينيها بيننا، وكأنّها تبحثُ عن شيءٍ مفقود وجدته في وجهي، أحسستها تهمسُ إلي: 
ــ كوني لإخوتك أمّاً.. 
   أجبتُها بدمعةٍ، فابتسمت بشحوب، أمسكتُ رأسها وطبعتُ قبلةً على جبينها، ويداها الناعمتان في حضني ويدي، فنزلت دمعةٌ من عينها، لأجد يدي المرتجفة تمسحها، نظرتْ أليّ نظرةً بألفِ معنى، ثم نامت نومتها الأخيرة.
أخترنا لك
عُشُّ الزوجيةِ سكنٌ وسكونٌ

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف