كيف يقدر البشر على معرفة علي ؟! الوحيد الخراساني

2021/03/02


شعيب العاملي

 أبحاث عقائدية تنشر للمرة الأولى لسماحة المرجع الديني الشيخ حسين الوحيد الخراساني حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

كان بحثنا في فقه هذا الحديث الصحيح بالاتفاق: أنت مني وأنا منك، عليّ مني وأنا من عليّ.

إن (إنيّة) الإنسان مرتبطة بأمرين: العقل، والنفس.
أما العقل، فهو دعامة الإنسانية، فالإنسان بالعقل إنسانٌ.
وأما النفس فهي هوية الإنسانية والآدمية.

ولكل واحد من هذين الأمرين كمالٌ: فكمال العقل بالعلم، وكمال النفس بالخُلُق. ولهذين الأمرين مراتب أيضاً، واختلاف البشر في هذه المراتب في سيرهم واقعٌ كاختلاف صورهم، فكما أن كل شخصين مختلفين من جهة الجسم، فإنهما كذلك من جهة النفس والسيرة.
ولما تُختم كل مراتب العلوم بنقطة يصبح صاحبها الإنسان الكامل على الإطلاق، لأن الكمال على درجات: الكمال المطلق ومطلق الكمال، وهو الذي تجتمع فيه كل العلوم بكل مراتبها في عقلٍ واحد.

وأما كمال النفس: فيحصل في الوقت الذي تجتمع كل الملكات الفاضلة والأخلاق الحميدة بجميع مراتبها في نفس واحدة.

يصبح ذلك العقل: عقل الخاتم ص، وتلك النفس تصبح: نفس الخاتم ص، هذه حقيقة الخاتمية.
﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ..﴾ [الأحزاب : 40]
جمعت في نفسه كل المراتب من علوم الأنبياء وأخلاق المرسلين..

في القرآن عبارتان، والقرآن كلام الله: عبارة راجعة لعلم الخاتم ص، وعبارة راجعة لخُلق الخاتم ص.
أما ما يرجع لعلمه ص، فهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء : 113]

وههنا تعجز عقول الجميع، فعلم الخاتم ص قد علّمه إياه الله العليّ العظيم بعظمته، ثم وصفه بالعظمة.. هذا علمه.

أما خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم : 4]
وقد صدّرت هذه الجملة ب(إنّ)، ثم ب(لام) التأكيد (لعلى)، ومن ثم وصف الخلق بأنه (عظيم).

ورد حديثان في مصادر أهل السنة، وكلاهما برهان قاطع على بطلان خلافة الإثنين، وحقانيّة خلافة أمير المؤمنين ع.

أحدهما عن أبي بكر(والنقل بالمعنى)، عندما جاء أحد كبار اليهود بعد خلافة الأول إليه، فقال: جئت إليك لأحصل منك على جواب سؤال: أنا رأينا وصف خلق النبي الخاتم في الكتب السماوية، في التوراة، العهد العتيق عندما شرحها الله لموسى ع، لنرى هل أن الذي ظهر عند العرب هو نفسه الذي وصفه الله تعالى لموسى ع، والحجة ههنا: فقال: ليس عندي علم عن خُلُقه !!
قالوا: لمن نرجع ؟ قال: لعلي بن أبي طالب !!
هذه من عجائبه، والحديث مفصل.

أما الحديث الثاني (والنقل بالمعنى): فقد جاء أحد فصحاء العرب إلى الثاني، وكان من أحبار اليهود، وناقل الخبر هو الفخر الرازي في تفسيره الكبير، قال: جئت لتبينّ لي خلق نبيكم، الأول كان قد أرجعه لعلي ع مباشرة، أما الثاني (والمحير أن الفخر الرازي المقبول عند الكل من المذاهب الأربعة في المعقول والمنقول ينقلها) فقال: ارجع إلى بلال، قال له عمر: ارجع الى بلال الحبشي في هذا السؤال فهو أعلم به مني.

وههنا بحث مع الفخر الرازي: ينبغي أن يكون القائم مقام أي أحدٍ أعرف الناس بأحوال من قام مقامه، وأبو بكر جاهلٌ بأوصاف النبي ص، فبأي منطق يقوم مقامه ص ؟ وهو الذي يصرح مجيباً أن عليكم أخذ الجواب من علي !

كيف تعتقد أنت أيها الفخر الرازي بخلافة من كانت خلافته باطلة بنص القرآن الكريم ؟! وذلك النص هو: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس : 35]

أنت الذي تنقل هذه الرواية أن حبر اليهود رجع لعمر ليعرف منه أخلاق النبي ص، فأرجعه لبلال الحبشي قائلاً: هو أعلم مني، ونص القرآن يقول: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر : 9]

فبحكم إقرار الإثنين، وبحكم القرآن تكون خلافتهما باطلة!

ثم جاء إلى بلال وقال: لقد رجعت للخليفة وسألته عن خُلُق النبي ص فقال أنك أعلم منه، وجئت إليك، قال بلال: أين أنا من وصف خُلُقه؟!
قال: إلى أين اذهب ؟ قال: اذهب الى باب بيت فاطمة الزهراء ع، ابنته وبضعته، فاسالها.

جاء إلى باب بيت الصديقة الكبرى، وقال: جئت أسأل عن خلق الرسول العربي، وأرجعوني لبلال وهو أرجعني لكِ.
قالت الصديقة الكبرى: جواب هذا السؤال عند علي بن أبي طالب.
هذا ما ينقله الفخر الرازي.. جاء إلي أمير المؤمنين ع وقال: رأيت في التوراة شرح حال نبي آخر الزمان، وجئت لأحقق وأبحث، فبيّن لي خُلُقَه.

الجملة التي قالها أمير المؤمنين ع بحسب كلام الفخر الرازي: عدّد لي ما في الدنيا من متاع، قال: يا علي ليس عندي قدرة لأعد لك ما في الدنيا، هذه الدنيا من سماواتها وأرضها.. كيف يمكن عد ما فيها ؟!
أجابه أمير المؤمنين ع (فكروا في هذا فهذا باب العلم والحكمة): أنت وغيرك عاجزون عن تعداد متاع الدنيا، والحال أن الله تعالى يصرح في كتابه بأن متاع الدنيا قليل. كل متاع الدنيا قد وصف بالقلة.

أما لما وصف خلق الخاتم ص فقد قال تعالى: ﴿إنك لعلى خلق عظيم﴾
فإن كنتَ مع كل الناس عاجزاً عن تعداد متاع الدنيا القليل، فكيف يكون خُلُقَه مع تلك العظمة قابلاً للبيان ؟! (النص منقول بالمعنى ويمكن الرجوع لنص ما نقله الفخر الرازي في تفسيره ج32 ص21)

هذا علمه وهذا خُلُقه.
وهذه إنيّة الخاتم ص.

بيان المسألة وفقه الحديث ودرايته هنا:
كتب البخاري في صحيحه، وإمام الحنابلة في مسنده، وكل أعلام العامة في كتب الحديث والتفسير كتبوا: عليّ مني: يعني تلك الإنيّة والعلم والخلق قد انقسم: فقسم أنا وقسم هو ع.
هذه دراية الحديث، وهذا فقه هذه الرواية.

فكيف يمكن وصف علي بن أبي طالب ؟ !
كيف يقدر البشر على معرفة علي ؟!
من كان بعضاً من إنيّة عقل الكلّ وعلم الكلّ، فعلم علي وخلق علي من علم الخاتم وخلقه..

بأي منطق أيها الفخر الرازي يصبح مثل هذا الرابع ويصبح الجاهلان الأول والثاني ؟!
هل لكل الدنيا إذا اجتمعت بما فيهم كل علماء الأزهر قدرة الجواب على هذا ؟

ثم تصل النوبة إلى الجملة الثانية، وهناك يأتي الكلام، عندما قال: وأنا منك.

والحمد لله رب العالمين
 
أخترنا لك
عندما يسجد (الصوفي) لغير الله تعالى !! فرقة نعمت اللهي گنابادي انموذجا

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف