الأدب النثري

2021/01/08

عبد الكريم احمد الزيدي


اخترت عنوان المقال للابتعاد عن الشبهة في‮ ‬صحة اعتماد النثر الادبي‮ ‬اصلا من اصول الشعر العربي‮ ‬الذي‮ ‬اختلف فيه الكثيرين وكانت موضوعة‮ ( ‬القصيدة النثرية‮ ) ‬المحك الذي‮ ‬يماز بين حقيقة اعتمادها شعرا عربيا او التنصل من جوازها ليطلق عليها نثرا ادبيا‮ ‬يحاكي‮ ‬صورة الشعر العربي‮ ‬وبابا‮ ‬يطرق في‮ ‬مصارعها ليسمع لها من به صمم‮ ‬،‮ ‬ولعلي‮ ‬ابتدأ اولا بتعريف الشعر واصوله لنتحقق بدلائل تزيح عن اعيننا بعض الذي‮ ‬غشيها وألحق فيها آفة القذى ليطفئ نورها فيختلط على الكثيرين البيان والوضوح‮ .‬
فالشعر العربي‮ ‬عرفه العرب منذ تاريخ ولادتهم وكان صنعة لبوس للكثير منهم،‮ ‬الذين استفادوا من ثراء لغة مفرداته وجزالة لفظه وسلامة معانيه‮ ‬،‮ ‬ليوظفوا كل مهاراتهم وفطرتهم في‮ ‬استنباط اقوال موزونة بصيغة معينة ترهف السمع وتريح معانيها لهج النفوس وكأنها لحنا طربيا ووحيا موسيقيا على وقع الايقاع‮ ‬يشنف الاذان ويدخل الراحة الى اصحابها‮ ‬،‮ ‬بهذا المعنى عرف العرب الشعر الذي‮ ‬اصبح بعد هذا علما واصلا له قواعده واشراطه ونهجا له صوره ومفاهيمه الذي‮ ‬نعرفه في‮ ‬حاضرنا على ما هو عليه‮ .‬
والشعر هو لسان العرب كما‮ ‬يطلق عليه لما له من فضل في‮ ‬بيان حياتهم وبيئتهم وتفاصيل وقائعهم ومفردات حياتهم وتاريخ ولادتهم وسالف عهدهم‮ ‬،‮ ‬ولقد رأينا تاثير الشعر في‮ ‬حياة العرب قبل مبعث الرسول‮ (‬عليه الصلاة والسلام‮) ‬وانبهارهم ببناءه ونظمه وادوات صياغته حتى اختلط عليهم سحره فأجازوا لانفسهم ان‮ ‬يقترن شعرهم بما جاء في‮ ‬ايات القران الكريم ويشبهوه سفها بكلام الله سبحانه وتعالى‮ .‬
تعمدت اختيار هذه المقدمة لأتمكن من بيان مقصود هذا المقال الذي‮ ‬خالطه كثيرا من اللبس حتى استعصى علينا تقديمه بما‮ ‬يليق بالادب العربي‮ ‬وتاريخه التليد لنتمكن من التمييز بين ادب الشعر وما جاء به وادب النثر بصورته الحديثة على انه اصلا من اصول الشعر العربي‮ ‬وقرينا له في‮ ‬البنى والنظم والاسم‮ .‬
فالشعر العربي‮ ‬وان ولد في‮ ‬بيئة اصيلة ومهد امين صائن لم تكن تحدده اطر او مفاهيم واسس‮ ‬يبنى عليها‮ ‬،‮ ‬الا انه وصلنا معافى تام وسليم وحبا بخطوات ثابتة حتى وقف بين‮ ‬يدي‮ ‬من‮ ‬يضع له مادة بناءه وتفسيره واجاز بحقه ان‮ ‬يحصره في‮ ‬بحور معينة واوزان مفهومة وقوافي‮ ‬تنقل احداثه بنظام محكوم وفق قياس ومعيار ثابت لايقبل التشويه،‮ ‬ليبقى حيا تنبض انفاسه بين العصور برغم ما عصف فيها وأعاب ردائها وزيَّف وصفها‮ ‬،‮ ‬وظل الشعر العربي‮ ‬محافظا على بناءه وصورته وقياسه واجاز لذاته التحديث بما‮ ‬يفرضه العصر والتحول حتى تزاوجت الحداثة بروحه لتظهر وسامته بين باقي‮ ‬الفنون والثقافات جيلا بعد جيل‮ .‬
ولكن الصور التي‮ ‬ادخلت عليه بزعم التحديث والتطوير لم تأتي‮ ‬بقياسه ولا استطاعت ان تحافظ على اصوله وروحه برغم محاولات الكثيرين ممن ارادوا لانفسهم سمة الريادة في‮ ‬التغيير والتعبير عن بواطن نياتهم وخنوعهم للاقتباس والتقليد والنقل من تجارب‮ ‬غيرهم من الامم والثقافات ومحاولة اقحامها بصيغ‮ ‬الموائمة والتحسين لاصل الارث العربي‮ ‬الذي‮ ‬لايقبل تزاوج جنس هجين وولادة ما اشبه بالبدعة الادبية المستحدثة بمفهوم التجديد والعصرنة‮.‬
ولربما نجد في‮ ‬قراءة المحدثين او ما‮ ‬يطلق عليهم برواد الشعر الحديث عذرا لتبنيهم هذه الحداثة‮ ‬،‮ ‬وذلك من خلال محافظتهم او محاولتهم تجربة المزج اللغوي‮ ‬بين جمل الشعر الاصل وقياسه واقحام المادة النثرية بشاكلة الجملة الشعرية لتظهر برداء مجدد خال من المادة الاصلية للبناء وفق ما‮ ‬يعرف بتحرير القصيدة من قيود وقضبان الحبس الطوعي‮ ‬الذي‮ ‬واكب الشعر العربي‮ ‬منذ ولادته‮ ‬،‮ ‬غير ان ما انقلب على هذا التحديث في‮ ‬الشعر وكتابته محدثين‮ ‬غالوا في‮ ‬نهج التجديد داعين الى الانقلاب التام على الشعر القديم ونظامه ومقلدين لمن تأثروا بهم من الأدب والشعر الغربي‮ ‬الحديث‮ ‬،‮ ‬وبدأوا بتنظيم الشعر وكتابته بطريقة تخلو تماما من الأوزان والقافية وبأسلوب الاسترسال الحر الذي‮ ‬لا‮ ‬يقيده او‮ ‬ينظمه أيّاً‮ ‬من صيغ‮ ‬الكتابة والتفعيل والقالب‮ ‬،‮ ‬وهذا ما نعرفه اليوم بالنثر الشعري‮ ‬او قصيدة النثر‮ .‬
وهنا نحن نختلف معهم في‮ ‬الرؤية والتنظير لان تحرير القصيدة الشعرية كما جاء في‮ ‬زعمهم دون ان نضع لها قياسا او معيارا معناه تغييب الاصل ووصفه بالجامد او المقيد والسماح بانتهاك كل حقوق ملكيته وتبرير الخوض والابحار في‮ ‬يم لا نعرف له حدود‮ .‬وعلى هذا فلابد لاصحاب هذا التوجه ان‮ ‬يضعوا ميزانا وعلما نحويا‮ ‬يتوافق مع هذا النهج بما‮ ‬يشاكل عروض الشعر العربي‮ ‬وياخذوا من اصل الشعر ومقاييس نظمه مادة محدثة وجديدة لقياس الجملة الشعرية ووضعها معيارا للبناء والصياغة بشكلها الذي‮ ‬يسموه معاصرا ومحدثا‮ .‬
ونحن وان نجد مثل هذا الراي‮ ‬وجها من الصعب ان‮ ‬يتبناه اصحاب اللغة والنحو وعلمائه المحدثين‮ ‬،‮ ‬فاننا نأمل ان‮ ‬يحافظ الشعر العربي‮ ‬على تاريخه واهل النهى من اهله وان‮ ‬يبقى معصوما بما ولد عليه وأل اليه وان تبقى رسالته ما بقى الليل والنهار‮ ‬،‮ ‬اما ما عداه من قول او كلام فانه‮ ‬يظل نثرا ادبيا لا‮ ‬يخالط في‮ ‬معناه وصياغته ما نعرفه بالشعر العربي‮ ‬الفصيح‮ .‬
اتمنى ان اكون قد اوضحت الفارق اللفظي‮ ‬بين الشعر والنثر ودعوت كل علماء اللغة والنحو والصرف ان‮ ‬يتبنوا توصيف ريادة الشعر العربي‮ ‬باسم القصيدة النثرية لكي‮ ‬يماز بوضوح بين الصورتين وان‮ ‬يهحاولوا مجتهدين وضع قياس او معيار ونهج للتوصيف والقاء الحجة على من‮ ‬يختلف في‮ ‬صياغته‮ ‬،‮ ‬ومن الله التوفيق‮ .‬

أخترنا لك
سبايا اهل البيت فى الكوفة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة