فوز لولا دا سيلفا التاريخي بولاية جديدة في البرازيل يمثل زلزالاً سياسياً أجهض رهان ترامب على فرض الوصاية الخارجية، وأسقط بولسونارو الابن، مؤكداً انتصار السيادة الوطنية وخيار الشعوب الحرة على مشاريع التبعية في أميركا اللاتينية.
الكاتب: غدير وزنه
ة الشعوب حسابات الهيمنة
لولا وترامب: صِدام الرؤى ورفض الأحادية
على خطٍّ متوازٍ لعودة ترامب إلى السلطة في ولايته الثانية، اتّسمت النظرة المباشرة بينه وبين لولا دا سيلفا بتباعد بنيوي في الرؤى السياسية والدبلوماسية، تجسّد في رفض لولا الحاسم لمنطق الإملاءات الأحادية التي اتسمت بها حقبة ترامب الثانية خصوصاً.
وفي خطاباته ومواقفه المعلنة، سجّل لولا مواقف حازمة دافع فيها عن استقلالية بلاده، مؤكداً في أعقاب إعلان فوزه التاريخي أن البرازيل دولة حرّة وذات سيادة كاملة "ولا يمكن أن تكون حديقة خلفية لأحد".
ولم تقتصر هذه الندّية الدبلوماسية على التنافس حول قيادة النظام الإقليمي في أميركا اللاتينية، بل امتدت لتشمل ملفات أمنية إقليمية ودولية حساسة، إذ طالما انتقد تيار لولا التغاضي الأميركي عن تدفق الأسلحة والمطالبة بمسؤولية مشتركة في مكافحة الجريمة المنظمة، بدلاً من الاكتفاء بسياسات الضغط والعقوبات الأحادية، ناهيك بانتقاد لولا المستمر للإجراءات الأميركية في القارة الجنوبية، فأعلى الصوت لفضح السرقة الأميركية للحكم في فنزويلا، عبر اختطاف الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، وفرض الخيارات الأميركية بالقوة ونهب مقدرات الشعب.
كما رفض لولا التحركات الأميركية التي قال ترامب عنها إنها تهدف لضرب مهربي المخدرات إلى الولايات المتحدة، والتي استهدفت قوارب لا يعرف على وجه اليقين إن كانت مخصصة للصيد أو التهريب أو لأغراض أخرى.
عدا عن التقارب البرازيلي في عهد لولا مع مجموعة "بريكس" التي تمثل تياراً اقتصادياً وسياسياً صاعداً، يهدد عرش الدولار وهيمنته على الاقتصاد العالمي والتحويلات النقدية.
هذا الصدام الفكري والسياسي أثبت لواشنطن أن عودة لولا تمثل إخفاقاً أميركياً يعيد صوغ قواعد الاشتباك الدبلوماسي في أميركا اللاتينية، ويفرض على واشنطن علاقة قائمة على الندية واحترام السيادة الوطنية وخيارات الشعب، أو التدخل المباشر وفرض الخيارات الأميركية.
عائلة بولسونارو: سقوط الابن بعد أبيه
في قلب هذا المشهد، برزت خسارة السيناتور فلافيو بولسونارو في جولة الإعادة بحصده 48.21% من الأصوات، لتكشف عمق المأزق الذي يعاني منه التيار اليميني المتطرف في البلاد.
فالأب، الرئيس السابق جايير بولسونارو، والذي لُقّب بـ"ترامب الاستوائي"، يقبع حالياً خلف القضبان في زنزانة السجن الفعلي لتنفيذ حكم ثقيل مدته 27 عاماً، إثر إدانته رسمياً من قِبل المحكمة العليا بتهمة قيادة مؤامرة لتنفيذ انقلاب عسكري لتقويض الديمقراطية وإلغاء نتائج انتخابات عام 2022.
وحين حاول النجل فلافيو استنساخ إرث أبيه، مستنداً إلى تنسيق سياسي مع ترامب وتوظيف شبكة علاقاته العميقة مع المحافظين في أميركا، تلقت حملته ضربات موجعة. ليس فقط بسبب رفض الشارع خطاب التبعية للخارج، بل وإثر تفجر فضائح ملاحقات مالية وتحقيقات من قبل الشرطة الفيدرالية والمحكمة العليا ارتبطت بتسريبات حول تلقي ملايين الدولارات من مصارف مشبوهة تورطت في جرائم احتيال واسعة، ما عجّل في سقوط العائلة وأجهض محاولات إحياء مشروعها السياسي.
اختيار الشارع البرازيلي.. انتصار السيادة على التبعية
وبناء على نتيجة الانتخابات الرئاسية، يبدو أن الناخب البرازيلي أدلى بصوته في صناديق الاقتراع انطلاقاً من التأكيد على سيادة الوطن واستقلالية قراره السياسي باعتبارها خطاً أحمر لا يقبل التراجع أو المساومة.
ورغم ضراوة المعركة الانتخابية وحجم الاستقطاب الممنهج، وحزمة الضغوط والتدخلات العابرة للحدود التي أدارتها واشنطن، انحازت أغلبية الشارع البرازيلي بوعي تام إلى خيارات اليسار والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، رافضةً بشكل قاطع تحويل القوة الكبرى في أميركا اللاتينية إلى مجرد تابع ذي سيادة منقوصة تُدار من الخارج.
يُمكن القول إذاً بأن تثبيت لولا دا سيلفا في السلطة بولاية تاريخية رابعة يتجاوز بحدوده المكانية الداخل البرازيلي، ليصنع نقطة تحول فارقة في المشهد الدولي، إذ يقدم نموذجاً لحائط صد منيع يقوده الجنوب العالمي في وجه محاولات فرض الهيمنة الأحادية، ويؤسس ربما لشكل ونتيجة استحقاقات انتخابية أخرى حول العالم، تبدأ في "إسرائيل"، ولا تنتهِ في الولايات المتحدة.
وتظل الرسالة المدوية التي وجهتها البرازيل إلى ترامب واضحة ولا تقبل التأويل؛ إن رهان الإدارات الأميركية على كسر إرادة الشعوب الحرة، وإعادة رسم الخرائط السياسية عبر وكلاء الداخل أو التلويح بالعقوبات والوصاية، مآله الحتمي السقوط والانكسار أمام استقلال الأوطان.