بعُمرِ ثمانيةَ عشرَ عاماً , كَحُبِّ يعقوبَ ليوسُفَ , شَغِفَ أَبوهُ بحبِّه, أَعضاؤهُ مُقطَّعةٌ واشلاؤهُ موزَّعةٌ على ثَرَى كَربلاء !
دَخَلَ سَاحَ الوَغضى بحَماسٍ كبأس حمزةَ وشجاعةِ حيدرَ ومهابةِ أَحمدَ , يراهُ الحسينُ قد ساقَ نفسه إلى الموت , رفعَ كفَّيِه إلى السَّماء , نطقَ بحرارةٍ وأَلمٍ ممضين : "اللهمَّ اشهَدْ على هؤلاءِ، فقد بَرزَ إليهِم أشْبهُ الناسِ خَلْقاً وخُلُقاً ومَنْطقاً برسولِك محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ، وكنَّا إذا اشتقْنَا إلى رؤيةِ نبيِّكَ نظرْنَا إليه، اللهمَّ امنعْهُمْ بركاتِ الأرضِ، وفرِّقهُمْ تفريقاً، ومزِّقْهُم تمزيقاً، واجعلْهُم طرائقَ قِدَداً1، ولا تُرْضِ الوُلاةَ عنهم أَبَداً، فإنَّهم دَعَوْنا ليَنْصُرونا، فعدَوْا علينا يُقاتِلُونَنَا".
توسَّطَ حِرابَ الأَعداءِ وسيوفِهم , ينشُدُ :
|
أَنا عليُّ بنُ الحســينِ بـــنِ علــِي |
نحنُ وبيـتِ اللهِ أوْلـى بالنَّبي |
|
|---|---|---|
|
تاللهِ لا يَحْكُمُ فينا بـــنُ الدَّعِــي |
أَطـعنُكم بالرُّمـحِ حتَّى يَنْثَـني |
|
|
أَضرِبُكُمْ بالسَّيفِ أَحْمي عَن أَبي |
ضَـرْبَ غُـلامٍ هاشــميٍّ عَلَـوي |
مضى يضربُ ويَضربُ حتى قتلَ جَمَعًا من الأَعداءِ, أَصابَهُ الظمأ , عادَ إلى أَبيه بعد إصابته بجراحاتٍ , حرَّكَ شفتيهِ الذابلتَينِ من شِدَّةِ العطشِ, فهَمَس في أُذني الحسينِ الواعية : يا أبَهْ، العطشُ قدْ قَتَلَني، وثِقلُ الحديدِ قدْ أجْهدَني، فَهَلْ إلى شُربةِ ماءٍ من سبيلٍ أتقوَّى بها على الأعداءِ؟
سالتْ دموعُ الحسينِ على الخَدينِ التَّريبينِ كغزارةِ المَطرِ, نَطَقَ لسانُ الحقِّ: يا بُني، عزَّ على محمّدٍ وعلى عليٍّ وعلى أَبيكَ أَنْ تَدعوهم فلا يُجيبونَكَ، وتَستغيثُ بهِمْ فلا يُغيثونَكَ. يا بُني, هاتِ لسانَكَ، فَأَخَذَ لسانَهُ فَمَصَّهُ، ودفعَ إليه خاتَمَهُ قائلاً:: ((خُذْ هذَا الخاتَمَ في فيكَ وَارْجِعْ إلى قِتالِ عَدوّكَ؛ فإنِّي أَرجُو أَلَّا تُمسِي حتَّى يَسقِيكَ جَدُّكَ بكأسِهِ الأَوفَى شِربَةً لاتَظْمَأ بعدَها أَبداً )).
عادَ إلى المَعركَةِ وحملَ مًرَدِدًا :
|
الحَربُ قَد بانَتْ لها حَقائقْ |
وظَهرتْ من بَعدِها مَصَادقْ |
|
|---|---|---|
|
واللهِ ربِّ العَرشِ لا نُفارقْ |
جموعَكُمْ أَو تُغمدُ البَوارقْ |
قَاتَلَ قتالَ الأَبطالِ , أَصابَتهُ طَعنةُ رُمحٍ , وقعَ على الأَرضِ , احتَوَشَهُ الأَعداءُ ,انهَالوا عليهِ ضَرباً بالسيوفِ , نَهَضَ واعتنقَ فَرَسَهُ!
أَحاطَ الجيشُ بالأَكبرِ , تدفَّقَ الدمُ من رأسِهِ على عَينيِّ الجَوادِ, منعهُ من الاهتداءِ إلى معسكرِ الحسينِ، حَمَلهُ إلى عَسكرِ الأَعداءِ الذين دَعَاهُم الحقدُ واللؤمُ إلى أَنْ يَنهالوا عليهِ بسيوفِهِم ويُقطِّعوهُ ارباً ارباً.
بلغتْ رُوحهُ التراقي نادى رافعاً صوتَهُ: يا أَبَتاهُ، هذا جَدِّي رسولُ اللهِ قد سَقاني بكأسِهِ الأَوفى شُربةً لا أظمأُ بعدَها أبداً، وهوَ يقولُ لكَ: العَجلَ، العَجلَ، فإنّ لك كأساً مَذْخورةً. حتى تَشربَها الساعـَةَ. خاطبَه الحسينُ وآهاتهُ في صَدرهِ وعَبرتُهُ تَختنقُ والحَسَراتُ محبوسةٌ، يُكفكِفُ بقايا دموعِهِ مُحتسباً صابراً, وبعدَ ساعاتٍ من مَصرعِ فَلذةِ كَبدِهِ سيلحَقُهُ , دَعَا: "قَتَلَ اللهُ قوماً قتلوكَ يا بُنيَّ، ما أَجرَأَهُمْ على الرحمنِ، وعلى انتهاكِ حُرْمةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وآله! على الدّنيا بعدَكَ العَفا.
أَقبلَ الإمامُ الحسينُ إلى فتيانِ بَني هاشِمَ ,أَمَرَهم: " احْمِلُوا أَخاكُم"، حَمَلوهُ برباطَةِ جأشٍ تُذهِلُ كلَّ حيٍّ من مَصرعِهِ.
أبصرتْ عمَّتُهُ العقيلةُ جثمانَهُ , علتْ زفراتُ أَساها , حرَّكتْ شَفَتيها : يا حَبيبَاهُ، يابنَ أُخَيَّاه. كنتَ قبلَ دقائقَ يَملأُ الأَعينَ , شَبابُكَ , بَهاؤكَ , سَناؤكَ ؟!
انكبَّتْ على الأَشلاءِ الطاهرةِ الناظرةِ , تُضَمِّخُها بدموعِها وشَجَنِها .