بعد قمة ترامب وشي... هل تخلت أميركا عن تايوان؟

2026/05/18

إذا كان ترامب قد حمل ملف مبيعات الأسلحة لتايوان إلى قاعة الشعب الكبرى في الصين للتفاوض عليه، فهل فعلاً واشنطن على استعداد للتخلي عن تايبيه مقابل الصفقات مع بيجين؟

بقلم|تمارا برو|| أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية وباحثة في الشؤون الصينية والآسيوية.

بوفد مدجج بأقطاب التكنولوجيا ورجال الأعمال، حطّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رحاله في بيجين، حاملاً معه دفتراً من الحسابات التجارية وملفات صفقات الطاقة والطائرات، بالإضافة إلى ملفات إقليمية ضاغطة، على رأسها حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.

ورغم الأجواء الإيجابية ودعوة ترامب الرئيس الصيني إلى زيارة البيت الأبيض، إلا أن ملفات شائكة مثل قضية تايوان وأمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز ظلت تلقي بظلالها على طاولة المفاوضات.

حفاوة الاستقبال وحسابات المصالح

قدمت بيجين لترامب حفاوة استثنائية لإرضاء غروره، بدءاً من لحظة وصوله المطار وحتى مغادرته، إذ تجاوزت كلفة زيارته إلى الصين 30 مليون دولار، ما جعلها واحدة من أغلى الزيارات السياسية تكلفة في العالم. وقد قارن ترامب بين زيارته إلى الصين وزيارة الرئيس السابق باراك أوباما معلقاً بأن أوباما لم يلق حفاوة مماثلة.

كان ترامب يأمل في الحصول على تنازلات صينية تتعلق بحرب إيران ومضيق هرمز، وزيادة تصدير المعادن الأرضية النادرة، وإطلاق سراح السجناء، بالاضافة إلى التفاوض حول ملفات تجارية ورسوم جمركية.

 تايوان: ورقة تفاوض أم خط أحمر؟

في الوقت الذي كان العالم يترقب نتائج قمة بيجين بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، كانت تايوان تراقب بقلق شديد موقعها من هذه القمة، خشية أن تتحول إلى ورقة مقايضة بين القطبين، خاصة مع إبداء ترامب تردداً تجاهها منذ ولايته الثانية، ما أثار التكهنات بأنه قد يكون منفتحاً على تخفيف العلاقات مع تايبيه.

شملت ضغوط ترامب على تايوان فرض رسوم جمركية، وأرغمها على زيادة الاستثمار في قطاع أشباه الموصلات الأميركي، والمطالبة بزيادة ميزانيتها الدفاعية. كما منع ترامب رئيس تايوان، ويليام لاي، من الهبوط على الأراضي الأميركية العام الماضي أثناء توجهه إلى أميركا الجنوبية، وأجّل الموافقة على صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار لتايوان لما بعد اجتماعه بالرئيس شي.

لم تكن قمة شي وترامب مجرد بحث عن صفقات، بل مواجهة مباشرة حول الخط الأحمر لبيجين. وعلى الرغم من أن المسؤولين الصينيين دائماً يرددون أمام نظرائهم الأميركيين أن تايوان خط أحمر، إلا أن الرئيس شي كان صارماً هذه المرة خلال اجتماعه مع ترامب، إذ حذر شي من أن مسألة تايوان هي القضية الأكثر أهمية في العلاقات الصينية- الأميركية وفي حال عدم التعامل معها بشكل صحيح، فإن هذا قد يؤدي إلى اشتباكات، أو حتى إلى اندلاع صراع.

بمعنى أن الصين على استعداد لأن تدخل في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية في حال دعمت واشنطن تايبيه عند اندلاع صراع في المضيق. وحتى أن الصين استبقت زيارة ترامب بالتأكيد على أهمية تايوان في العلاقات الصينية- الأميركية، إذ حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، من أن قضية تايوان تمثل أكبر نقطة خطر في العلاقات الصينية- الأميركية.

ربما يأتي تحذير الصين الحاد وموقفها الصارم بشأن تايوان من صفقات الأسلحة بين تايبيه وواشنطن. فالرئيس الصيني كان حازماً خلال اجتماعه مع ترامب في التعبير عن قلقه بشأن مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان. ويرى شي في هذه القمة فرصة لحمل واشنطن ليس فقط على تأجيل مبيعات الأسلحة، بل إلى تقليصها أو التوقف عن بيعها لفترة طويلة.

يذكر أن الإدارة الأميركية كانت قد وافقت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي على صفقة أسلحة قياسية لتايبيه بقيمة 11 مليار دولار وهي أكبر صفقة أسلحة بين أميركا وتايوان، لكنها لم تُفعل بعد. كما وافق المشرعون في كانون الثاني/ يناير الماضي على صفقة أسلحة جديدة بقيمة 14 مليار دولار، ترامب لم يحلها رسمياً إلى الكونغرس حتى الآن.

عبّر ترامب صراحة في مقابلة مع شبكة "Fox News" عن اعتباره ملف مبيعات الأسلحة لتايوان ورقة تفاوضية قوية. ورغم أن ترامب لم يحدد ما يريده من الصين مقابل حرمان تايوان من الأسلحة، إلا أنه يضغط على بيجين لشراء المزيد من السلع الأميركية والطاقة وتصدير المعادن النادرة واستخدام نفوذها ضد إيران لفتح مضيق هرمز.

وما يثير قلق تايبيه أيضاً هو دعوة ترامب قطاع تصنيع الرقائق الالكترونية التايوانية للانتقال إلى الولايات المتحدة. ولطالما ضغط ترامب على شركات تصنيع الرقائق التايوانية، التي تنتج أكثر من 90 % من أحدث الرقائق في العالم، لنقل جزء من إنتاجها إلى الولايات المتحدة.

وإذا كان ترامب قد حمل ملف مبيعات الأسلحة لتايوان إلى قاعة الشعب الكبرى في الصين للتفاوض عليه، فهل فعلاً واشنطن على استعداد للتخلي عن تايبيه مقابل الصفقات مع بيجين؟ وهل ستقبل بيجين، من جهتها،  بالتفاوض على تايوان؟

يفهم من تصريحات ترامب التي أدلى بها بعد مغادرته بيجين بأنه غير مستعد لخوض حرب لأجل تايوان، إذ قال إن آخر ما تحتاجه الولايات المتحدة الآن هو حرب على بعد 9500 ميل، لكنه بالمقابل لم يبد أي التزام تجاه شي جي بينغ بشأن تايوان. وعندما سأله الرئيس الصيني حول ما إذا كان سيدعم تايوان في حال حصول نزاع لم يجب ترامب على السؤال، وأكد أن الصين لن تتحرك عسكرياً ضد تايوان خلال فترة رئاسته، وهذا ما يدحض التقارير التي كانت تشير إلى أن الصين ستهجم على تايوان في عام 2027.

يمكن أن تواجه رغبة ترامب في التفاوض على تايوان معارضة داخلية شديدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقد تلعب جماعات الضغط التايوانية دوراً كبيراً للدفع بقبول صفقات الأسلحة. ومن جهة أخرى، تعليق أو إلغاء صفقات الأسلحة قد يؤثر على التعاون التكنولوجي بين واشنطن وتايبيه وحتى على التعاون الاقتصادي، فتايوان هي خامس أكبر شريك تجاري لأميركا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2025 نحو 256 مليار دولار.

ووقع الجانبان اتفاقاً تجارياً خفضت بموجبه الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على تايوان إلى 15% مقابل أن تقوم الأخيرة بضخ ما لا يقل عن 250 مليار دولار في استثمارات مباشرة لتوسيع عمليات أشباه الموصلات المتقدمة والطاقة والذكاء الاصطناعي في أميركا، إضافة إلى ذلك، وافقت تايوان على تقديم ضمانات ائتمانية بقيمة 250 مليار دولار لدعم مزيد من الاستثمارات في سلسلة توريد أشباه الموصلات الأميركية.

وكثفت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات TSMCاستثماراتها في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة بهدف إنشاء سلسلة توريد محلية للرقائق؛ انسجاماً مع التوجه الأميركي لتعزيز أمنه التكنولوجي وتحسباً لأي صراع قد يطرأ في مضيق تايوان يؤثر على إمدادات أشباه الموصلات إلى الولايات المتحدة.

غير أن تايوان لديها قلق من نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة حيث يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تهديد محتمل لدرع السيليكون؛ إذ قد تقلل من اهتمام الولايات المتحدة بأمنها ويضعف احتمالية رد عسكري أميركي في حال نشوب صراع.

أما الصين، فبالرغم من أن رئيسها يرى أن قضية تايوان يجب أن لا تورث من جيل إلى جيل ما يجعل حلها جزءاً رئيسياً من إرثه، وإدراكها أن ترامب يحب عقد الصفقات، إلا أنها تخشى من أن يغير كلامه بين لحظة وأخرى، فالثقة به مفقودة، كما أن بيجين ترفض المقايضة أو التفاوض على ملف تايوان، غير أن لديها أوراق ضغط أخرى يمكن أن تستخدمها في حال إقرار صفقات الأسلحة لتايوان بدلاً من التنازل لواشنطن، فمثلاً لدى بيجين ملف المعادن النادرة أو التوقف عن استيراد فول الصويا الأميركي.

ولو سلّمنا جدلاً بقبول الصين التفاوض على صفقات الأسلحة لتايوان فالصين لا تضمن رجوع ترامب عن موقفه، كما ترى أن الرئيس الأميركي القادم يمكن أن يوافق على صفقات الأسلحة لتايبيه. تعول الصين على الانتخابات الرئاسية في تايوان التي ستجري عام 2028 ، وتدعم فوز حزب الكومينتانغ ما قد يؤدي إلى استقرار العلاقات بين بيجين وتايبيه.

إذا أقدم ترامب على التفاوض مع بيجين وتمت الصفقة فمن شأن ذلك أن يثير قلق حلفاء واشنطن، إذ يرون أن ترامب على استعداد للتنازل عنهم مقابل عقد الصفقات. أما رفض بيجين التفاوض فمن شأنه أن يعزز ثقة دول العالم بها، ويدفعها إلى التقرب منها أكثر، ما يزيد من نفوذ الصين عالمياً.

ترامب لم يتخذ بعد قراره بشأن الموافقة على صفقة الأسلحة لتايوان، وهو ينتظر من الرئيس الصيني أن يتنازل عن بعض الأمور كأن توافق الصين على مشروع القرار الذي من المفترض أن يُعرض على مجلس الأمن الدولي ويتعلق بإيران ومضيق هرمز، والضغط على إيران لفتح المضيق، أو التفاوض على ملفات تجارية واقتصادية وطاقوية.

في المحصلة، تتجاوز قمة شي وترامب حدود اللقاء السياسي التقليدي لتصبح نقطة ارتكاز في تحديد شكل العلاقة بين أكبر قوتين في العالم داخل أكثر الملفات حساسية: تايوان. فبين مقاربة أميركية ترى في الجزيرة ورقة تفاوض ورؤية صينية تعدها جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي ووحدتها التاريخية، فإن قبول التفاوض أو عدمه سيحدد شكل العلاقات الصينية- الأميركية للمرحلة المقبلة من عهد ترامب.

 

أخترنا لك
التنظيمات المتطرفة فى غرب أفريقيا ..موجات العنف ومخاوف الانتشار

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة