المجزرة الأميركية – الإسرائيلية في مدرسة "الشجرة الطيبة" الإيرانية، بالتوازي مع استهداف قادة الدولة، خطوة على طريق تحقيق الهدف المعلَن من الحرب، المتمثل في إسقاط الجمهورية الإسلامية، التي أظهر شعبها أنه لا يعوّل على "الديمقراطية الغربية".
"الديمقراطية على الطريقة الغربية تأتي على شكل تغيير للنظام". لم يكن دونالد ترامب أدلى بأول تصريحاته بشأن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على إيران، في 28 شباط/فبراير - 1 آذار/مارس، عندما رفع متظاهر داعم لها لافتةً كُتبت عليها هذه العبارة، لكن المضمون اتسق تماماً مع الخطاب الذي أدلى به الرئيس الأميركي في وقت لاحق من ذلك اليوم.
لدى إعلانه بدء الحرب، وصفها ترامب بأنها "مهمة نبيلة"، سيضع عبرها حداً لـ"الإرهاب الجماعي الذي مارسته إيران"، بحيث "قتلت الآلاف من مواطنيها على الطرقات بينما كانوا يتظاهرون، وسلّح نظامها وموّل الميليشيات الإرهابية، التي أغرقت الأرض بالدماء والأحشاء".
جاءت التصريحات المتتالية لترامب حول الحرب في السياق نفسه، فعند حديثه عن استشهاد قائد الجمهورية الإسلامية، السيد علي خامنئي، قال إن الحرب ستستمر حتى "تحقيق الهدف، وهو تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وبالطبع، العالم". ثم اتهم ترامب إيران بأنها "شنّت حرباً ضدّ الحضارة"، في الوقت الذي تستخدم فيه الولايات المتحدة جيشها "من أجل الخير".
وهذا الجيش، وفقاً له، يشنّ هذه الحرب "لا من أجل أمن الولايات المتحدة في الوقت الحالي فحسب، من أجل أبنائنا وأحفادنا، تماماً كما فعل أجدادنا من أجلنا، قبل أعوام كثيرة". وإذ استحضر ترامب "الأجداد"، فإنه تحدث عن "عبء يحمله شعب حر ومسؤولية ملقاة على عاتقه"، يحتّمان عليه "فعل شيء ما حيال ما تفعله إيران من دعم للإرهاب".
وبينما كان ترامب يصرّح، والعالم يترقّب تصريحاته، كان في إيران عائلات وآباء وأمهات في حداد على أرواح أكثر من 170 شهيداً قضوا في المجزرة التي ارتكبتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" حين قصفتا مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات في ميناب، جنوبي البلاد.
المجزرة فعل سياسي
قبل أكثر من 50 عاماً على المجزرة الأميركية – الإسرائيلية في مدرسة "الشجرة الطيبة"، شهدت إندونيسيا مجازر رأى فيها السكان أرضاً مغرقةً بالدماء والأحشاء فعلاً، إذ "تحدث مسافرون (...) عن أنهار صغيرة وينابيع سُدّت كلياً بالجثث، وقد أُعيق النقل النهري في بعض المناطق"، بحسب مجلة "التايم".
في تشرين الثاني/نوفمبر 1965، بدأ الجنرال الإندونيسي سوهارتو (اتخذ من حجي محمد اسماً أول بعد أدائه الحج بعد عام 1990)، عملية الاستيلاء على السلطة ومطاردة اليساريين، الذين عمل معهم الرئيس الأول لإندونيسيا، أحمد سوكارتو. وسوكارتو قومي، وهو أحد القادة الأساسيين لحركة عدم الانحياز، إلى جانب جمال عبد الناصر وهواري بو مدين وجوزيف تيتو وجواهر لال نهرو.
أغضب سوكارنو الدول الغربية بسبب عمله على حماية الاقتصاد الإندونيسي وإعادة توزيع الثروة، وطرده صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من البلاد، فعزمت الولايات المتحدة وبريطانيا على إزالته من الحكم. دعمت وكالة الاستخبارات المركزية سوهارتو، وكانت تحضّر سراً لوائح بأسماء القادة اليساريين البارزين، بينما كان البنتاغون يؤمن أسلحةً إضافيةً وأجهزةً لا سلكيةً أرضيةً حتى تتمكن القوات الإندونيسية من التواصل فيما بينها في المناطق النائية. حصل سوهارتو على اللائحة، وأرسل قواته إلى إندونيسيا لتطارد اليساريين المدرجين على "لوائح القنص" الأميركية.
لم تستهدف عمليات القتل التي قام بها سوهارتو من تشملهم اللوائح فقط، فقد اشتهر الرجل، الذي سيصبح الرئيس الثاني لإندونيسيا، بارتكاب المجازر في القرى بهدف "تنظيف الريف من الشيوعيين". في غضون شهر فقط، ذبح آلافُ المنتمين إلى قوات سوهارتو نصفَ مليون شخص على الأقل، أو ربما مليوناً، بحسب "التايم". دبّ الرعب في نفوس الناس، فسلّموا زمام الحكم إلى سوهارتو، الذي مارس القتل على نحو فاق التوقعات.
لاحقاً، سيصف رالف ماكهي، الذي عمل مدير عمليات رفيع المستوى في وكالة الاستخبارات المركزية خلال أعوام الانقلاب، عملية تغيير النظام في إندونيسيا بـ"العملية النموذجية"، وسيوضح أن "كل الأحداث الدموية والمهمة التي أدارتها واشنطن يمكن أن تُنسب إلى الطريقة التي أتى بها سوهارتو إلى الحكم، وقد دلّل نجاح تلك الطريقة إلى إمكان تكرارها أكثر من مرة".
بكلمات أخرى، يمكن القول إن المسؤول الاستخباري صوّر المجزرة على أنها فعل سياسي مارسته الولايات المتحدة، عبر إطلاق عملية القتل ودعمها، لتحقيق هدفها المتمثّل بتغيير النظام.
توضع المجزرة الأميركية – الإسرائيلية في مدرسة "الشجرة الطيبة" في السياق نفسه. ليست أي مجزرة مجرد فعل قتل أو حدثاً معزولاً، بل هي ممارسة مقصودة وخطوة ضرورية في المسار الاستعماري، الذي قد يتجسّد في النهاية في نظام عميل تديره شكلياً نخب محلية، إلى جانب الاحتلال المباشر. فكما هي الحالة في إندونيسيا، تستخدم المجزرة كأداة صدم وترويع بهدف الإخضاع وإجبار الناس على التراجع والصمت خوفاً من القتل، ثم تعزيز حضور النخب العميلة من دون ندّ مواجه لها، وصولاً إلى تمكينها من الحكم في الدولة والمؤسسات الرسمية، لتكون قائمةً بأعمال الاستعمار وأداةً من أدوات الإبادة المستمرة التي يمارسها عبر أشكال مختلفة.
وبناءً على ذلك، تصبح مجزرة مدرسة "الشجرة الطيبة"، بالتوازي مع استهداف قادة الدولة، خطوةً على طريق تحقيق الهدف المعلَن من الحرب على إيران، المتمثل في إسقاط الجمهورية الإسلامية (وهو هدف بدأ التراجع عنه، بحسب ما تظهره تصريحات أميركية وإسرائيلية)، وتنصيب حكم آخر موالٍ للولايات المتحدة و"إسرائيل".
نفي المجزرة في ضوء "حتمية التوسع الأميركي"
على صعيد التفاعل الإعلامي الرسمي مع المجزرة، وفي الرد على الأسئلة التي طرحت في ضوئها، نفى ترامب أن تكون الولايات المتحدة مسؤولةً، واتهم إيران بتنفيذها: "برأيي، وبحسب ما رأيته، إيران فعلت ذلك. نعتقد أن إيران هي من نفّذت ذلك، فهم غير دقيقين في استخدام ذخائرهم. ليست لديهم أي دقة". تمسّك ترامب بموقفه بعدما انتشرت الصورة التي تظهر بقايا صاروخ "توماهوك" الأميركي، فقال إنه "لم يرَها"، مضيفاً أن هذا النوع من الصواريخ مستخدم من قبل دول أخرى، وأن إيران لديها منه، و"تتمنى لو كان عندها المزيد".
نفي المجزرة وتبرئة الولايات المتحدة من ارتكابها (في حين أظهر التحقيق "الأولي" الذي أجرته مسؤوليتها)، إلى جانب الخطاب الذي غلّف به ترامب أهداف الحرب منذ بدئها، كلها تجسّد عقيدة "القدر المتجلي" (Manifest Destiny). ويعني هذا الاعتقاد بأن للولايات المتحدة الحق في "توسيع رقعة القارة التي خصصتها العناية الإلهية للتنمية الحرة لملايين [الولايات المتحدة] المتزايدة سنوياً"، على حدّ تعبير الصحافي الأميركي المنتمي إلى الحزب الديمقراطي، جون أوسوليفان، الذي تحدث عن هذا المبدأ للمرة الأولى في عام 1845، مدافعاً عن ضمّ تكساس وأوريغون.
اقرأ أيضاً: "إنها خطة الله".. الخطاب الديني حول الحرب على إيران يثير جدلاً أميركياً
يُعبَّر عن هذه العقيدة أيضاً بـ"حتمية التوسع الأميركي". ومع مواصلة صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى على الساحة الدولية، تعولمت عقيدة "القدر المتجلي"، وتجاوزت الأطماع التوسعية حدود القارة الأميركية، فامتدت حتى الجهة المقابلة من العالم. اتخذ هذا التوسع أشكالاً مختلفةً، بينها الحكم العميل، وأنفذته الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة، وفي قلبها حضر فعل المجزرة.
أما محاولة نسب المجزرة إلى إيران، ووصفها بـ"عدم الدقة"، فينطويان على سعي لتصوير الدولة وعسكرها على أنهما غير مخوّلين للحكم بالنظم الحالية، ما يستدعي تدخلاً من الولايات المتحدة لتنصيب حكم جديد يؤمن "التنمية الحرة لملايين" الإيرانيين، الذين خاطبهم ترامب بقوله: "لديكم في الولايات المتحدة الآن رئيس مستعد لإعطائكم ما تريدون، وسنرى إذاً كيف ستكون استجابتكم. الآن هو الوقت لتمسكوا زمام مصيركم، وتطلقوا العنان للمستقبل المزدهر والمجيد الذي بات بين يديكم".
الرد الشعبي الإيراني جاء سريعاً. يبدو أن الولايات المتحدة تكرر في إيران ما قامت به في إندونيسيا عبر المجازر من أجل الإتيان بحكم جديد يضمن توسّعها ويسلّم الشعب له، لكن الأغلبية العظمى من الإيرانيين تقف في وجه ذلك، إذ أظهرت أنها لا تعوّل "الديمقراطية على الطريقة الغربية"، ولا تصدّق الوعد بـ"مستقبل مزدهر" يأتي على متن صاروخ يوجّهه مطلقه نحو مدرسة، أو نحو أي مرفق في أي بقعة من البلاد.