روسيا والحرب على إيران: "إسرائيل" تغضب موسكو

2026/05/03

حذّرت روسيا رسمياً من أنها ستنظر إلى أيّ توسّع للحرب في بحر قزوين "بشكل سلبي للغاية". ويشير المحللون إلى أنّ هذا قد يدفع روسيا إلى نشر أنظمة الدفاع الجوي المتقدّمة الخاصة بها في المنطقة.

بقلم|هدى رزق|| باحثة في الشأن التركي والإقليمي

تصرّ بعض الدوائر السياسية الغربية على أنّ روسيا زوّدت إيران بصور الأقمار الاصطناعية ومعلومات استخباراتية آنية حول المواقع العسكرية الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط.

ويشمل ذلك بيانات عن مواقع السفن الحربية الأميركية وأنظمة الرادار، وحتى قائمة تضمّ 55 هدفاً إسرائيلياً في قطاع الطاقة. كذلك زوّدتها بطائرات من دون طيار ومكوّنات مطوّرة لتحسين دقة الصواريخ والطائرات من دون طيار الإيرانية. وكانت روسيا قد امتنعت (إلى جانب الصين) باستمرار عن إصدار قرارات تدين الضربات الانتقامية الإيرانية أو عرقلتها.

"إسرائيل" تضرب ساحل جنوبي قزوين

وجّهت روسيا إدانة شديدة وتحذيراً لـ "إسرائيل" بعد أن نفّذت في 18 آذار/مارس 2026 أول غارة جوية تاريخية في بحر قزوين. استهدفت الغارة، ميناء بندر أنزلي الإيراني، وهو مركز لوجستي حيوي للتجارة والإمدادات العسكرية بين إيران وروسيا. وهو يقع على الساحل الجنوبي لبحر قزوين. زعم "الجيش" الإسرائيلي أنه ضرب 4 زوارق صواريخ وسفينة دورية واحدة، (مقر قيادة البحرية الإيرانية وحوض بناء السفن البنية التحتية المستخدمة لإصلاح وصيانة السفن).

واعتبر أنّ الهدف الأساسي كان تعطيل خط إمداد رئيسي لطائرات شاهد من دون طيار وقذائف المدفعية وغيرها من المعدات العسكرية التي تستخدمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

الردّ الروسي جاء ببيان "غاضب"، وتحذيرات دبلوماسية رفيعة المستوى. حيث حذّر المتحدّث باسم الكرملين "إسرائيل" من إحداث امتداد إضافي للصراع إلى بحر قزوين، وصرّحت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية بأنّ الضربة "تضرّ بمصالح روسيا" واتهمت "التحالف الأميركي الإسرائيلي" بـ"صبّ الزيت على النار" في الصراع الإقليمي.

وأعرب وزير الخارجية مع نظيره الإيراني عن "القلق المتبادل" بشأن "الانتشار الخطير" للأعمال العدائية في منطقة بحر قزوين.

ما هو التأثير الجيوسياسي

يعتبر هذا الفعل أول عمل عسكري معروف تقوم به "إسرائيل" في بحر قزوين، وهي منطقة كانت تعتبر سابقاً بعيدة المنال عن القوات البحرية الغربية. إلى جانب الشحنات العسكرية، يعتبر الميناء حيوياً للتجارة المدنية في الحبوب والنفط، وهو ما أشارت إليه موسكو باعتباره مصدر قلق رئيسياً.

أظهرت الضربة أنّ الحدود البحرية الشمالية لإيران لم تعد منطقة آمنة من القدرات العملياتية الإسرائيلية، فروسيا تؤدّي دوراً هاماً في الصراع بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل". وبينما تتجنّب موسكو المواجهة المباشرة، فقد رسّخت مكانتها كشريك استراتيجي رئيسي لإيران وناقد للعمليات العسكرية الغربية.

كان الرئيس بوتين قد عرض مؤخراً وساطة روسية لإنهاء الحرب، وتقديم موسكو كوسيط محايد محتمل على الرغم من دعمها الواضح لإيران.

تُصنّف موسكو رسمياً الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية بأنها "عدوان مسلّح غير قانوني" بموجب القانون الدولي، وتعتبر أنّ الضربات كانت "مخطّطاً لها مسبقاً وغير مبرّرة" وليست دفاعاً ضرورياً ضدّ هجوم وشيك، مما ينتهك ميثاق الأمم المتحدة.

تعتبر موسكو قصف الأراضي الإيرانية والمنشآت النووية انتهاكاً صارخاً لسلامة أراضي دولة ذات سيادة وتدين بشكل خاصّ الهجمات على مواقع مثل محطة بوشهر النووية باعتبارها "أعمالاً شريرة" تهدّد بكارثة إشعاعية عالمية.

وعلى الرغم من فائدة صرف انتباه الغرب عن أوكرانيا، فإنّ الحرب تشكّل مخاطر جسيمة على المصالح الروسية، والضربة الإسرائيلية على ميناء بندر أنزلي في آذار/مارس 2026 ألحقت ضرراً مباشراً بمحور حيوي لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.

يُعدّ هذا الممر أساسياً لروسيا لتجاوز العقوبات الغربية والتجارة بالنفط والحبوب والمعدات العسكرية مع آسيا. تعتبر روسيا بحر قزوين "منطقة سلام" مغلقة أمام أيّ تدخّل عسكري خارجي، ويهدّد امتداد الحرب إلى هذه المنطقة الأفراد الروس، فضلاً عن مخاطر بيئية "غير مقبولة" على البحر نفسه.

تخشى موسكو من الانجرار إلى صراع أوسع من شأنه أن يستنزف مواردها العسكرية، حيث تُعطى الأولوية حالياً للحرب في أوكرانيا، فميناء بندر أنزلي على بحر قزوين خطوة لحماية مصالحها العسكرية والاقتصادية. وبينما تدعم روسيا إيران، فإنّ ردّ فعلها الحادّ جاء تحديداً بسبب جرّ "إسرائيل" الحرب إلى منطقة تعتبرها موسكو "منطقة سلام" خاصة بها.

يُعدّ بحر قزوين الممر الرئيسي لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، ويمثّل هذا الممر شريان حياة لروسيا للالتفاف على العقوبات الغربية، مما يسمح لها استلام طائرات شاهد من دون طيار وذخيرة من إيران للحرب في أوكرانيا.

تصدّر "إسرائيل" الحبوب والنفط الروسي إلى الأسواق الآسيوية. وبقصفها بندر أنزلي، ضربت "إسرائيل" مركزاً حيوياً تعتمد عليه روسيا في مجهودها الحربي، مما يشير إلى أنّ الإمدادات اللوجستية لموسكو لم تعد آمنة.

لطالما حافظت روسيا على سياسة مفادها أنه لا ينبغي لأيّ قوات عسكرية خارجية وخاصة الولايات المتحدة أو حلفاءها أن تعمل في بحر قزوين.

أشارت روسيا إلى أنه إذا واصلت "إسرائيل" الضربات في هذه المنطقة، فقد تنتقل موسكو من تقديم المعلومات الاستخباراتية إلى تزويد إيران بأنظمة دفاع جوي أكثر تطوّراً (مثل إس-400) لحماية الأصول المشتركة.

توجد لدى روسيا مئات المهندسين والعلماء النوويين الذين يعملون في إيران، وخاصة في محطة بوشهر النووية. حذّرت روسيا "إسرائيل" من أنّ الضربات بالقرب من هذه المنشآت تشكّل "مخاطر غير مقبولة" على الأرواح الروسية ويمكن أن تؤدّي إلى "كارثة نووية عالمية".

على الرغم من غضبه الشديد، فقد أبدى بوتين استعداده للتوسّط. ومن خلال إظهار قدرته على التأثير في طهران، تُرسل موسكو رسالة إلى "إسرائيل" مفادها أنّ من الأفضل أن تكون روسيا قناة دبلوماسية بدلاً من خصم عسكري نشط في بحر قزوين.

غيّرت الضربة في بحر قزوين بشكل جذري ديناميكية العلاقات، من تعاون حذر إلى احتكاك فعلي.بين روسيا و"إسرائيل" تاريخياً، تجنّبت "إسرائيل" استهداف المصالح الروسية بشكل مباشر للحفاظ على حرية العمليات في سوريا.

إلا أنّ الضربة على بندر أنزلي أظهرت أنّ "إسرائيل" مستعدّة الآن للمخاطرة بـ"غضب" روسيا لقطع إمدادات الأسلحة الإيرانية المستخدمة في أوكرانيا.

حذّرت روسيا رسمياً من أنها ستنظر إلى أيّ توسّع للحرب في بحر قزوين "بشكل سلبي للغاية". ويشير المحلّلون إلى أنّ هذا قد يدفع روسيا إلى نشر أنظمة الدفاع الجوي المتقدّمة الخاصة بها، مثل نظام إس-400 ، بشكل أكثر عدوانية لحماية لوجستياتها المشتركة مع إيران.

موقف ترامب من الوساطة الروسية

على الرغم من التوتر، التقى الرئيس بوتين مؤخّراً بمسؤولين إيرانيين لعرض وساطة روسية، حيث يضع موسكو ليس كطرف محايد، بل كقوة قادرة على "كبح" ايران .

تحاول روسيا استغلال موقعها الفريد كشريك لإيران وحليف لـ "إسرائيل" في مجال تجنّب الصدام.

عرض بوتين تسهيل التوصّل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، مما يشير إلى أنّ روسيا يمكن أن تشرف على تخصيب اليورانيوم أو تساعد في فرض قيود عليه.

يتضمّن جزء أساسي من الاقتراح الروسي إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) ، وهو أمر حيوي لاقتصاد روسيا.

يعتقد المحلّلون أنّ موسكو تسعى إلى "اتفاق بشأن إيران" مقابل تنازلات أميركية بشأن أوكرانيا، مستخدمة فعلياً أزمة الشرق الأوسط كورقة مساومة.

اقترحت روسيا إعادة نشر دورياتها الخاصة إلى جنوب سوريا والحدود الإسرائيلية للعمل كمنطقة عازلة ومنع المزيد من التصعيد الإقليمي. رفض ترامب طلباً من الزعيم الروسي التركيز على "التوسّط" في نزاعه الخاصّ في أوكرانيا قبل القلق بشأن "إسرائيل" وإيران.

صرّح بأنه "يفضّل" أن يشارك بوتين في إنهاء الحرب في أوكرانيا بدلاً من الجهود المبذولة لمعالجة تخصيب إيران لليورانيوم النووي، وعلى الرغم من التصريحات العلنية أشار ترامب إلى أنه "منفتح" على روسيا التي تعمل كقناة غير رسمية لتبادل الرسائل مع طهران، نظراً لعلاقات موسكو الوثيقة بالنظام الإيراني.

 

أخترنا لك
مقر خاتم الأنبياء: الأمريكيون اضطروا إلى قصف معداتهم وجنودهم

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة