المرجعية الدينية ، وتقديرها للأحداث. 

2018/07/30

في عراق ما بعد 2003 م  لم يكن أحد يتوقع أن يتم إنقاذ العراق أكثر من مرة بواسطة الحوزة العلمية ، وبواسطة العلماء ، وبالتحديد من قبل المرجع الأعلى السيد السيستاني ، كان الكل تقريبا يفكر في كيفية التخلص من صدام ، ولم يكن هناك توقع لحدوث أي تغيرات سياسية واجتماعية في العراق ، المرجعية فقط كان لها هدفها التي تميزت به ، وهو النظر لما بعد الأحداث ولنتائج هذه الاحداث فيما بعد ، وهذا بحد ذاته يجعل  المرجعية في أعلى مستويات الوعي   السياسي والإجتماعي  لا الديني فقط ، لذلك ركزت منذ  البداية في صناعة أساس قوي للعراق كبلد وللشعب ، ليكون درعهم كما في  بقية بلدان العالم ، وهو الدستور ، لكن الأمر منوط  بمن يقوم بتطبيقه من عدمه من الحكام  .

في خطبة الجمعة الأخيرة للمرجعية الدينية والتي جاءت بلسان الشيخ الكربلائي ، والتي كانت بتأريخ  27/7/2018 ، شرحت جزءا بسيطا من هذه الذهنية التي لديها ، والتي كان من المفترض من الشعب ان يعي هذه الذهنية العملاقة منذ وقت طويل ، حيث قال بلسان عربي فصيح : (وكانت المرجعية الدينية تقدر منذ فترة ليست بقصيرة ما يمكن أن تؤول اليه الأمور  فيما اذا لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية وجادة في سبيل الإصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الإجتماعية) .
هذا النص من الخطبة يعطيك أمرا واضحا وجليا أن خطوات المرجعية ليست عشوائية ، ولا تعتمد على العاطفة إطلاقا ، بل دقيقة  أكثر مما نتصور، لأنها أمام مصير بلد ودولة ، وأمام دماء من الناس .
لذلك عندما  يقول  السيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله) أن المرجعية الدينية هي سبيل نجاتنا ، فأنه يعي ما يقول  تمام ، من أن المرجعية إذا نصحت بشيء فهي لم تأتي به من أجل اسدرار مشاعر  الناس ، ولا لكي تركب  موجة التظاهرات ، ولا لكي يكون كلامها مجرد حبر على ورق من دون حقيقة موجودة  لما تقوله ، بل أن كلامها نابع من واقعنا ،  وذلك من خلال  المعطيات التي عندها والواضحة أمامها  ، ولهذا سأذكر لكم أحبتي مثالين بسيطين (قد ذكرتهما المرجعية الدينية في الخطبة هذه)، يثبت أن كلامها  كلام حقيقي ، واقعي ، موجود على الساحة ، لا فيه تهويل ، ولا تضخيم ، ولا تقليص ، بل تعطي  الأمر حده وحجمه الصحيح  ، وبما يمليه عليه تكليفها الشرعي  والمعنوي ، والمثالين هما كالتالي :
المثال  الأول : هو في قولها التالي : (قد حذرت في خطبة الجمعة قبل ثلاثة اعوام بأن الذين يمانعون من الاصلاح ويراهنون على ان تكف المطالبات به عليهم ان يعلموا ان الاصلاح ضرورة لا محيص منها واذا خفت مظاهر المطالبة به مدة فإنها ستعود في وقت اخر بأقوى واوسع من ذلك بكثير ولات حين مندم .)
هذا المقطع يحتاج الى حلقات كثيرة لشرحه وتفصيله ، ويحمل عمقا فكريا كبيرا ، سألخصه  قدر المستطاع . فكلامها موجه للطبقة السياسية عامة والمتنفذة وخاصة ، وكل من يحمل مسؤولية سياسية  وموجود  ضمن الدولة أيضا ، فكأنما تقول لهم التالي : 
صحيح ان من السهل خداع الشعوب ، ومن السهل معرفة كيفية تفكيرهم ، وكذلك من السهل للسياسيين كيفية خلق الآراء العامة لصالحهم بطرق مشروعة وغير مشروعة !
لكن ما غاب عن السياسيين هو أن الشعوب لا يمكن ان يتحملوا كل هذا الخراب الذي احدثوه دائما ، ولا يمكن ان يصل البلد الى أكثر مما  وصل اليه من فساد إداري ومالي ، ولا يمكن أن تتحمل  الناس أكثر مما عليه الأن .
فالسبب الأول في ممانعتكم للإصلاح هو من خلال قراءتكم للشعب بأنه لا يثور ولا ينهض ولا يتظاهر على ما هو عليه ، و لأنكم تعتقدون ان الشعب لا يفكر إلا  بالمصالح الشخصية الفردية لكل واحد منهم  ،  من دون ان يطمح بأن يكون بلده مثل باقي البلدان ، أو أقلها يكون سببا في تقليص حجم الفساد الموجود ..!
فكرتكم أيها  السياسيون بأن الإصلاح شيء ثانوي وغير ضروري لان الشعب سيثور بتظاهرات بسيطة  ويهدأ بعدها لا غير ، وبأنه لا يمكن ان يحرك ساكنا ، أو أن  يتم امتصاص الغضب من خلال وعود مخدرة غير واقعية ، فكرتكم هذه خاطئة ، وغير موفقة ، ولن تستمر طويلا ، لان الخطر حقيقي وموجود ، و قد يحدث ما لا تحمد عقباه في أي لحظة ، فلماذا لا تعالجون الوضع قبل فوات الأوان ، وقبل انفلات الأوضاع وعدم السيطرة عليها  ..؟!
إذا فأن عملية تغيير الرأي العام ، وقراءة فكر  الشارع وكيفية تخطيطه وتفسيره للأوضاع ،  لا تنفعكم دائما في تملصكم  وامتناعكم عن الإصلاح المطلوب .


المثال الثاني  :

قول المرجعية الدينية (كما نصحت المواطنين كلما حل موعد الانتخابات النيابية او المحلية بأن الاصلاح والتغيير نحو الافضل الذي هو مطلب الجميع وحاجة ماسة للبلد لن يتحقق الا على ايديكم فإذا لم تعملوا له بصورة صحيحة فإنه لن يحصل، والآلية المثلى له هي المشاركة الواعية في الانتخابات المبنية على حسن الاختيار اي انتخاب الصالح الكفوء الحريص على المصالح العليا للشعب العراقي والمستعد للتضحية في سبيل خدمة ابناءه ) .
هنا إعادة لذاكرة العراقيين وتنشيطها في كلام المرجعية ، بأن كلامها نابع من الواقع لا  المثاليات فقط ، فقد قالت وكررت أكثر من مرة ، بأن الحل الوحيد للعراقيين في  تغيير وضعهم هذا هو بالمشاركة الصحيحة في  الانتخابات ، فيقوم البعض بأخذ كلمة ( المشاركة ) ويترك ( المشاركة الصحيحة ) ! .
 بعدها  اكدت أن مطالبهم هذه هي مطالب الجميع  الشعب والمرجعية ، وحتى المجتمع الدولي لا يعارضها لأنها مطالب مشروعة وحقيقية ، لكن طريقة المطالبة ، والاستغناء عن هذه المطالب  هي  الأهم في أخذ هذا الحق (فجعلت الانتخابات الصحيحة هي الوقاية قبل العلاج)، كما أنها أكدت مرة أخرى بأن عدم اتخاذ الأساليب الصحيحة لن يتغير شيء ، فالأمر منوط بكم ، أن لم  تتبعوا الطريقة الصحيحة في  المطالبة بالحقوق ، فلا تتغير لما يحصل  إطلاقا .. !
وكما هي عادتها لا تترك الأمر معلقا بدون حلول ، فهي تشخص الأسباب وتعطي  الحلول دائما ، وقالت مرة أخرى بأن الحل في الاختيار ، فأن سأل أحدكم ما هو معيار الاختيار ؟
فقد اجابت المرجعية عليه بخطب كثيرة وعديدة ، وهنا اعادة بعضها على مسامعنا وكأنها تقول ، سنذكركم بتلك الطرق التي ذكرناها سابقا وهي : (اي انتخاب الصالح الكفوء الحريص على المصالح العليا للشعب العراقي والمستعد للتضحية في سبيل خدمة ابناءه) فهذه أربع شروط كبيرة تجعل من الناخب أمام صورة واضحة لمن يريد أن يجعله وينصبه على أموال الناس ومقدراتهم .
واخيرا ،،  أتساءل بأن الذي لا يمكنه أن يطبق أوضح التوصيات التي طرحتها  المرجعية في كيفية الاختيار ممثليهم ، هل  يمكنه أن يطبق كيفية المطالبة بحقة ..؟
وهل يمكن أن نفهم كيفية تخطيط المرجعية وتقديرها  للأحداث ، فنكون أمام خطة واحدة صحيحة في استرجاع الحقوق ؟
هل يمكن للشعب  العراقي أن يعي جيدا أنه قادر على التغيير السياسي  بشرط لو ألتزم بما قالته المرجعية له ؟ والتزامه بأقوالها ليس حكما منها عليه ، انما من خلال الناصح الأمين التي نادت به .. وبالتالي فإن الذي يفقد المعرفة في شيء ما ، لا يخجل من  أن يطبق كلام صاحب المعرفة والذي يريد له الخير وبشكل منقطع النظير  ، ومن أفضل معرفة ، وأكثر شخصية تتمنى الخير أكثر  وأفضل من المرجعية الدينية ..؟!.
أخترنا لك
أشعةٌ من شمسِ فاطمة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف