كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها. مصطفى الهادي

2019/10/02

(كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها).
مصطفى الهادي.
(إن الذي كفروا بآياتنا سوفَ نٌصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب).(1)

جلد الإنسان هو الغلاف الخارجي للجسم البشري وهو خط الدفاع الأول للإنسان، وهو أكبر عضو من أعضاء جسم الإنسان، والذي يغطّي جسم الإنسان بالكامل،وهو الكيس الذي يحوي كل الاجهزة الداخلية للانسان ويعطي المعنى لها وهو حساس للغاية ومنه تظهر علامات الألم على باقي المحتويات فوخزة ابرة تجعل الجسم كله يتحفز وينكمش من الألم لأن كل النهايات العصبية تبدأ من السطح الخارجي للجسم.

أن الجلد من أهم أجزاء جسم الإنسان إحساسًا بالألم، نظرًا لأنه الجزء الأغنى بنهايات الأعصاب الناقلة للألم. فهو تارة يستجيب اللأحاسيس الداخلية اللاشعورية للإنسان فيقشعرّ الجلد ويتحبب ويتجلد لمجرد استشعار الروح للخوف من شيءٍ تتوهمهُ، واخرى تتألم الاعضاء الداخلية نتيجة لما يتعرض له الجلد من أذى وألم ، فلو تعرض الإنسان لحروق من الدرجة الثالثة فإنه سوف يفقد الاحساس بالالم وذلك لتلف نهايات الاعصاب تحت الجلد ولذلك يُبدل الله الجلود التالفة بأخرى جديدة لكي يستمر الاحساس بالالم .
وقد كشف العلم الحديث أن النهايات العصبية المتخصصة للإحساس بالحرارة وآلام الحريق لا توجد بكثافة إلا في الجلد.لا بل ان الجلد في كثير من الاحيان يكون مصدر تلقي ذبذبات وإيحاءات غير مرئية فإذا ركّز إنسان نظره على قفاك سوف تلتفت ، فالجلد ناقلٌ حساس للغاية وفيه من الأسرار ما لا يعلمها إلا الخالق سبحانه.

هذه الجلود التي تُبدّل إنما هي إشارة منهُ تعالى إلى المراحل التي يمر بها الإنسان خلال رحلته في الدنيا وهي عبارة عن سجل لكل مرحلة تمر بالإنسان وهي سلسلة من الحقبات في المعاصي او في اعمال الخير . ولذلك نستخلص من هذه الآية أن الإنسان لا يُعذب مرة واحدة إجمالية شاملة جامعة لكل المراحل . فكل معصية لها لحضاتها الخاصة بها . فالزنا عقوبته غير عقوبة السرقة او شرب الخمر او الغيبة والنميمة والكذب والغش والقتل وووو . فإذا زنا الإنسان وعاش لحظات من المتعة المحرمة ، فإن الله يستدعي تلك اللحظة بما فيها يعني الفترة الممتدة ما بين النيّة والشروع بالعمل المحرم ولحظات الفعل إلى نهايته وهذا يُشابه القوانين الوضعية التي ابتدعها الانسان مقتبسا ذلك من الدين حيث جعل لكل جريمة او جناية او جنحة عقوبة خاصة بها فلا تتساوى عنده الجرائم ، وهكذا يفعل تعالى وهذا من لطفه ورأفته فلا يُعاقب الانسان بعقوبة واحدة لكل جرائمه وعندما تستوفي العقوبة غايتها يبدأ عقاب آخر لجريمة أخرى لمرحلة اخرى من عمر الانسان بتتابع العقوبات يُعتبر الانسان في عذاب مقيم إلى ان يرى الله فيه رأيه.

وطبعا سيكون العذاب بشهادة هذه الجلود نفسها على صاحبها كما يقول تعالى : (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء). (2)

تبديل الجلود يعني تبديل شكل العقوبة على الجلود التي تنقل احساس الالم للروح فتشعر به كل الجوارح لأن الجلد في اللغة كناية عن الانسان كما يُقال في المثل : (نجى فلان بجلده). وقوله نضجت جلودهم اي استوفت هذه الاجساد عذابها لفترة معينة وجريمة معينة وبدلناهم جلودا أخرى يعني مرحلة اخرى من العذاب لأشكال اخرى من المعاصي لأن المعاصي طبقات متراكمة تُمثل تاريخا حافلا بالمخالفات التي نهى الله الانسان عن ممارستها وحتى لو كان عند العاصي بعض الاعمال الصالحة فهي لا تنفعه لأنها سوف تحترق بفعل المعاصي (لا يُخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون). (3)
المصادر:
1- سورة النساء آية : 56.
2- سورة فصلت آية : 21.
3- سورة آل عمران آية : 88.
أخترنا لك
جاريد كوشنر .

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة