غياب حماة الدين أنهى الديانات السابقة. ج1

2026/09/16

غياب حماة الدين انهى الديانات السابقة.
مصطفى الهادي.
الصورة مبهمة جدا في اليهودية والمسيحية، بل يُرثى لها لا بل وضعها سيء للغاية ومأساوي إلى درجة تجلب الشفقة والتوجع على ذهاب جهود الأنبياء وعذابهم ، وعلى ما يبدو أن سبب ذلك هو ذهاب حماتها الذين اختارهم الله تعالى لنشر وتثبيت الرسالة بعد رحيل الأنبياء. ففي اليهودية وحسب ما مذكور في التوراة والقرآن يوجد (اثنا عشر أسباطا). (وقطعناهم اثنتي عشر أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنا عشر عينا).(1) وقوله تعالى: قطعناهم اثنتي عشر أسباطا. يدل على أن هؤلاء الأسباط كانوا في زمن موسى دفعة واحدة، موزعين على قبائل بني إسرائيل. و فجّر على عددهم اثنا عشر عينا.
اليهودية بين الأمس واليوم.
بعد أن استقر الأمر على اثنا عشر سبطا طلب موسى من الله أن يختار من بين هؤلاء الاثنا عشر شخصا إماما يقود الأمة بعده ، فعندما شعر موسى بدنو أجله رفع يديه بالدعاء إلى الله بأن يختار رجلا ليخلفه في قومه فاختار الله لهُ : (يشوع) يوشع بن نون ليكون راس الجماعة والقائد لهم كما تذكر التوراة (فكلم موسى الرب قائلا: ليوكل الرب إله جميع البشر رجلا على الجماعة ، لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها. فقال الله لموسى: خذ يشوع بن نون وضع يدك عليه، وأوقفهُ قدام الجماعة وأوصه أمام أعينهم واجعل من هيبتك عليه).(2) فموسى كلّم ربه في مسألة من يخلفه، فأمره أن يختار من الاثنا عشر وصيّه يوشع بن نون، فلم يكن حتى للنبي أن يختار من يخلفهُ أو يتدخل في تنصيب من يشاء لأن منصب الإمامة منصب الهي ،(الله أعلم حيث يجعل رسالته).(3) يتمتع بكافة صلاحيات الأنبياء إلا منصب النبي و الوحي. مثل قول النبي لعلي ابن أبي طالب (ع): (أما ترضى أن تكون مني منزلة هارون من موسى إلا أنهُ لا نبي بعدي).(4)
وبالرجوع إلى التوراة حول عدد أسباط موسى يقول: (فكتب موسى جميع أقول الرب .. لأسباط إسرائيل الاثني عشر).(5) فموسى قام بتدوين كل ما تلقاه من ربه وسلّمه للأسباط، فقد كان الأسباط كلهم دفعة واحدة في زمن واحد، استلموا الشريعة ثم ماتوا تباعا في نفس الفترة التي تلت رحيل موسى (ع).وفي بضع سنين بقيت ديانة موسى من دون رقيب ولا حسيب ولا كتاب تتقاذفها البدع وتركلها الأهواء، فبقيت اليهودية بعد رحيل موسى وموت أسباطه وضياع الشريعة ــ التوراة ــ تائهة بلا رب ولا كتاب كما تقول التوراة نفسها : (ولإسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق وبلا كاهن معلم وبلا شريعة).(6) حتى زمن ظهور (حلقيا الكاهن) الذي زعم أنهُ عثر على التوراة.(7) وهذا ما نراه يلوح بكل وضوح من خلال نصوص التوراة الحالية وهو ليس كلام وحي بل حديث رجال دوّنوه كبديل عن التوراة: (وعند إخراجهم الفضة المدخلة إلى بيت الرب، وجد حلقيا الكاهن سفر شريعة الرب بيد موسى. أخبر حلقيا شافان ، الذي بدوره أخبر الملك قائلا: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفرا. وقرأ فيه شافان أمام الملك. فلما سمع الملك كلام الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا وأخيقام بن شافان وعبدون بن ميخا وشافان الكاتب وعسايا عبد الملك قائلا: اذهبوا اسألوا الرب من أجلي ومن أجل من بقي من إسرائيل ويهوذا عن كلام السفر الذي وجد فذهب حلقيا والذين أمرهم الملك إلى خلدة النبية امرأة شلوم بن توقهة بن حسرة حارس الثياب، فقالت لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل: قولوا للرجل ــ الملك ــ الذي أرسلكم إلي).( 8 ) وهكذا زعم حلقيا أنهُ عثر على التوراة بعد ضياعها بمئات السنين، وأرسلها بيد شافان إلى الملك الوثني الذي أرسلها بدوره إلى حارسة ثيابه الكاهنة خلدة لتفتي فيها فأخبرتهم بأنها كلام الله.
الذي ينفي كل هذا الكلام هو أن حلقيا الكاهن عندما عثر على التوراة ــ كما يزعم ــ لماذا لم يستشر الأنبياء الموجودين في زمنه وهم : النبي إرمياء الذي كان أمينا من قبل الله على مواريث موسى ومنها التوراة. والنبي صفنيا الذي (كانت كلمة الله قد وصلت إليه).(9) بل تجاوزهم ولجأ إلى ملك وثني الذي لجا بدوره أيضا إل ساحرة القصر وعرّافته (خلدة).(10) سبب تجاهل حلقيا الكاهن للنبي صفنيا والنبي إرميا المعاصرين له، بسبب أن اليهود يُريدون دينا وكتابا على مقاساتهم يُحقق لهم مصالحهم. بينما إرميا كان يعرف أين أصل توراة موسى (الألواح)، فقد وصلت إليه ولكنهُ قام بدفنها مع المواريث في أحد كهوف الجبال خوفا عليها بوصية من الوحي كما نقرأ : (أن النبي ـ إرميا ـ بمقتضى وحي صار إليه أمر أن يذهب بالتابوت، حتى يصل الجبل الذي صعد إليه موسى. ولما وصل إرمياء وجد كهفا، فأدخل إليه التابوت ثم سد الباب).(11) محتويات هذا الصندوق او التابوت لا يعرف أحد مصيرها كما سيأتي بيانه وخصوصا أن التوراة ـ الشريعة والوصية والألواح ـ كانتا في هذا التابوت وهذا ما ورد في التوراة الحالية نفسها: (وقال الرب لموسى: اصعد إلي إلى الجبل، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم).(12) هذه كلها وضعها موسى في التابوت وأغلق عليه. ولكن بعد ما يقرب من أربعمائة إلى خمسمائة عام لما فتحوا التابوت في زمن النبي سُليمان (ع) اختفت الشريعة والوصية كما نقرأ : (جمع سليمان شيوخ إسرائيل وكل رؤوس الأسباط، رؤساء الآباء من بني إسرائيل لإصعاد تابوت عهد الرب وجذبوا العصي فتراءت رؤوس العصي من القدس أمام المحراب فلم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك في حوريب).(13) لقد اختفى أهم ما أنزله الله تعالى على موسى (الشريعة والوصية).
وبعد هلاك حلقيا الكاهن ضاعت التوراة مرة أخرى. وبقيت اليهودية بلا كتاب ولا كاهن حتى زمن (عزرا الكاهن) الذي كان بينهُ وبين موسى ثمانية قرون حيث قام بكتابة التوراة من جيبه ثم قال أنها توراة موسى. فقد كتب عزرا الكاهن توراته في بابل تحت إشراف الملك الفارسي الوثني ارتحشستا الذي قرن الزرادشتية شريعته بشريعة موسى التي زعم عزرا أنهُ كتبها وارتحشستا كان وثنيا يؤمن بالإله الأكبر أهورا مزدا، وهو الإله الخالق ومصدر النور في المعتقدات الفارسية القديمة، وهذه العقيدة مقترنة بالمفاهيم الزرادشتية والمزدكية. فتصور حال توراة يكتبها عزرا الكاهن بتمويل وإشراف ملك وثني يقرن فيها معتقداته الوثنية فيُقرن بين شريعة الله وشريعته كما يذكر نص التوراة. وبعد انتهاء عزرا من كتابة التوراة يُصدر هذا الملك أمرأ بقتل كل من لا يعمل بها. (عزرا هذا صعد من بابل، وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل. من أرتحشستا ملك الملوك، إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل.. كل من لا يعمل شريعة إلهك وشريعة الملك، فليقض عليه عاجلا إما بالموت أو بالنفي أو بغرامة المال أو بالحبس).(14)
من كل ذلك يحق لنا أن نطرح سؤال: ماذا تبقى من ديانة موسى بعد رحيله ورحيل أسباطه، وضياع توراته ـ الشريعة والوصية ـ بشهادة التوراة الحالية نفسها كما تقدم. وأي ديانة انبثقت بعد زعم حلقيا الكاهن أنهُ عثر على التوراة في بيت مال الملك الوثني ، ثم تصبح هذه التوراة شرعية بشهادة زوجة حارس ثياب الملك وهي عرّافة ساحرة، ثم بعد هلاك حلقيا الكاهن مكتشف التوراة الأولى ورحيله بأكثر من قرن ونصف يظهر كاتب آخر من صلبه في بابل اسمه عزرا فيقوم بكتابة التوراة من جيبه تحت إشراف ملك فارسي وثني ، يضع في ثنايا التوراة شريعة الملك وشريعة الله جنبا إلى جنب.
فهل يُلام المسلمون بعد ذلك إذا قالوا بأن ديانة موسى لا وجود لها ، أو أنها محرّفة، وهم يقرأون ذلك في قرآنهم الذي أكد مرارا وتكرارا بأن التوراة تم تحريفها، وكذلك يجدون التوراة تشهد على نفسها بالتحريف .(15)
مصادر الجزء الأول من البحث.
1- الأعراف : 160.
2- سفر العدد 27: 15 ــ 20. وكأن المشهد يتكرر ، فعندما طُعن عمر بن الخطاب وأخذ يحتضر قال له ابنه عبد الله بن عمر: يا أمير المؤمنين أوصي، لا تترك أمة محمد كالغنم من دون راعي. كلام عبد الله بن عمر هذا مأخوذ من التوراة وهو قول موسى. فما أدرى ابن عمر بهذا الكلام لو لم يكن من تلاميذ اليهود ، وعبد الله هذا ضمن العبادلة الأربعة المشهورين برواية الإسرائيليات. مروج الذهب للمسعودي مجلد 2 صفحة : 321. ج2.
3- الأنعام: 124.
4- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، القاري. ج9 ص : 3931. باب مناقب الإمام علي بن أبي طالب.
5- سفر الخروج 24 : 4.
6- سفر أخبار الأيام الثاني 15 : 3.
7- حسب تقدير علماء الكتاب المقدس فإن حلقيا الكاهن جاء بعد موسى بستمائة أو سبعمائة سنة وهي فترة طويلة جدا، أن تبقى فيها ديانة بلا كتاب ولا شريعة ولا معلم، غنم بلا راعي.
8- سفر أخبار الأيام الثاني 34: 14.
9- سفر صفنيا 1 : 1.
10- خلدة النبية ليست نبيّة مثل موسى وعيسى ، بل كل امرأة تقوم بالعرافة والتنبؤ والكشف وقراءة المستقبل يطلقون عليها نبية أي متنبئة. وهي من التنبؤ ولذلك يُقال للأمور المستقبلية بأنها (نبوءات). فقد كانت خلدة عرّافة الملك. تقرأ له الطالع وتُنبأهُ بما سيحصل في المستقبل. وقد كانت هي وزوجها من أعوان الملك يوشيّا. ومن أجل تبرئة ساحة حلقيا الكاهن وتوراته التي عثر عليها زعموا أن يوشيا الوثني بعد العثور على التوراة آمن وحطم الأصنام.
11- سفر المكابيين الثاني 2 : 5.
12- سفر الخروج 24 : 12.
13- سفر الملوك الأول 8 : 9.
14- سفر عزرا 7: 6 ـ 26. بين حلقيا بن شالوم الكاهن الذي عثر على التوراة الضائعة في بيت الفضة، وبين عزرا الكاتب تقريبا قرن ونصف فحلقيا هو أحد أجداد عزرا حيث يُذكر عزرا بن سرايا بن عزريا بن حلقيا. فإذا كان حلقيا قد عثر على التوراة قبل قرن ونصف من ولادة عزرا. فهل ضاعت التوراة مرة أخرى فقام عزرا الكاتب بكتابتها مرّة ثانية وتحت إشراف ملك وثني أيضا وعن أي نسخة نقل؟
15- آيات كثيرة قال فيها تعالى بأن اليهود بعد موسى قاموا بتحريف التوراة. ومن هذه الآيات:
قوله في سورة النساء : 46: (من الذين هادوا يُحرفون الكلم عن مواضعه).
وفي سورة المائدة: 13 قال: (يُحرفون الكلم عن مواضعه).
وفي سورة المائدة أيضا آية : 41 (يُحرفون الكلم من بعد مواضعه).
وفي سورة البقرة آية : 75 (فريقا منهم يسمعون كلام الله ثم يُحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون).
ولو رجعنا للتوراة نفسها فإنها تذكر حصول التحريف كما نقرأ في مناجاة داود النبي في مزاميره 56 : 5. (اليوم كله يُحرفون كلامي. علي كل أفكارهم بالشر).
أخترنا لك
تنزيه المسيح من الطعن الصريح . هل كان السيد المسيح شاذا ؟

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة