الجزء
الثاني.
المسيحية بين الأمس
واليوم.
مصطفى الهادي.
وفي المسيحية أيضا حصل لها ما
حصل لليهودية، وأيضا عيّن الله تعالى (اثنا عشر حواريا).(1) كما
نقرأ (كان يسير في المدينة وهو يُبشّر بملكوت الله، ومعهُ الاثنا
عشر، هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم). هؤلاء أوصاهم السيد
المسيح كأمناء على دينه وإنجيله ولم يذكر الإنجيل في البداية أي
لقب لهم هل هم حواريين ، أو هم تلاميذ ، أو هم رسل. فقد أبهم النص
ذلك، ولكن الإنجيل فيما بعد يسرد أسماء أشخاص بعضهم مجهول الهوية
لا بل أن بعضهم كان عشّارا ظالما وآخر خائنا، وكبيرهم كان معثرة
في طريق السيد المسيح ووصفه بأنهُ شيطان: (فالتفت وقال لبطرس:
اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي).(2) وهذا يدل على أن حواريي
السيد المسيح الحق الذين اختارهم الله لخلافة السيد المسيح، ليس
نفسهم هؤلاء التلاميذ الاثنا عشر، حيث تختلف الأناجيل في تسميتهم
فمرة تقول (التلاميذ الاثنا عشر) وأخرى تقول (الرسل الاثنا عشر).
ومرة تُبهمهم فتقول عنهم (الاثنا عشر). هؤلاء التلاميذ أو الرسل.
أو (الحواريين) حسب التعبير القرآني، كلهم جاؤوا في فترة واحدة
وزمن واحد وهلكوا كلهم في نفس الفترة حالهم حال ما حصل في
اليهودية، وتُركت المسيحية من دون رعاية ولا رقابة، يلعب بها بولص
وسيمون الساحر وتُهيمن عليها الدولة الرومانية الوثنية. وهكذا
بقيت الديانة المسيحية بلا نبي ولا إنجيل ولا رقيب أكثر من
ثلاثمائة عام حتى سنة (325) ميلادية قام مجمع نيقيه برعاية
الإمبراطور الروماني قسطنطين (3)
بترتيب وضع الإنجيل والأساقفة
في المدن لرعاية المسيحيين الذين نشأوا على مسيحية بولس وإقرار ما
وضعهُ بولس المؤسس الأول للأسقفية، ووضع الإمبراطور القوانين
الصارمة وهي ما يُعرف بقوانين نيقيه المسكوني الأول (المجمع
الكبير).(4) التي تحدد آلية اختيار وتعيين الأساقفة ، فكان هؤلاء
الأساقفة بحق من أتباع السلطان ولعبة بين يديه، علما أن هذه
الألقاب الكنسية لرجال الدين المسيحي مترجمة عن القاب يهودية
اطلقها عليهم اليهود حيث نراها تلوح لأول مرّة في تسميات بولس
شاول : (إلى جميع القديسين وشمامسة أساقفة أقامكم الروح القدس
أساقفة، لترعوا كنيسة الله).(5).
فإذا كان الروح القدس (الوحي
جبرئيل) هو من أقام هؤلاء الشمامسة والأساقفة كما يقول بولس ما
لنا لا نرى ذكرا لهم في الأناجيل الأربعة ولم يرد لهم أي ذكر على
لسان السيد المسيح. بل وجدنا أن السيد المسيح حذّر من هؤلاء وكان
يطلق عليهم (الأنبياء الكذبة). ووصفهم بأنهم (ذئاب خاطفة في جلود
حملان). قال السيد المسيح محذرا: (احترزوا من الأنبياء الكذبة
الذي يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة).(6) وبعد
البحث في خلفية الشمامسة والأساقفة تبين أنهم مجموعة من شيوخ بني
إسرائيل اعلنوا إيمانهم الظاهري برسالة السيد المسيح(7).
وكان هؤلاء اشد الناس بغضا
للسيد المسيح ورسالته وكان هؤلاء الشيوخ يسعون جاهدين لقتل السيد
المسيح ومنهم بولس كما نقرأ : (وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع
كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه).( 8 ) وكان أشدهم على
تلاميذ السيد المسيح بولس (فكان بولس يسطو على الكنيسة، وهو يدخل
البيوت ويجر رجالا ونساء ويسلمهم للسجن. فلم يزل ينفث تهددا وقتلا
على تلاميذ يسوع).(9)
هؤلاء الشيوخ الذين كانوا تحت
إشراف المجمع اليهودي السري والسلطة الرومانية فيما بعد ولربما
يُطلق عليهم المجمع أيضا هم تجمّع قديم يعود إلى زمن موسى وهم
السبعين شيخا الذي استعان بهم موسى في البرية والمذكورين في سفر
العدد. (10) من ذلك نستشف أن اليهودية بقيت من دون إي إشراف ديني
اكثر من خمسمائة عام.(11) وهذا المجمع اليهود هو الذي انبثقت منه
حركات خطيرة مثل الماسونية فيما بعد في محاولة للسيطرة على
العالم. ويُمكن معرفة ذلك من خلال كثرة استخدام الماسونية للرموز
التوراتية والتلمودية خصوصا فيما يتعلق بإعادة بناء الهيكل، وكان
ذلك جليا واضحا في بروتوكولات حكماء صهيون وغيره من المراجع،
والتي تُشير إلى مخطط سري من قبل هؤلاء للسيطرة على
العالم.(12).
ثم انحرف السنهدريم فأصبح لعبة
بيد السلطات وخصوصا في أيام الرومان، كانت سلطة السنهدريم تختلف
باختلاف سياسة الحاكم.(13) وكان للحاكم الروماني الحق في وقف
تنفيذ الأحكام أو إعادة النظر في أي أحكام يصدرها السنهدريم.(14)
ومن هنا نرى تعاون السنهدريم مع الحاكم الروماني في التحريض على
السيد المسيح وإلقاء القبض عليه ومحاكمته.
بعد رحيل السيد المسيح قام
المجمع بتعيين بولس أول رسول للمسيحية، فأعلن بولس هذا بأنهُ رسول
بمشيئة الله والسيد المسيح : (بولس، رسول يسوع المسيح بمشيئة
الله).(15) في البداية لما كان الإنجيل مطارد وغير موجود، وفرار
الحواريين إلى جهات مجهولة. فقد عمد بولس إلى تبني التوراة ككتاب
مقدس للمسيحية الجديدة قبل ظهور إنجيله وهذا ما نراه يلوح في
أقواله كما نقرأ (هكذا أعبد اله آبائي، مؤمنا بكل ما هو مكتوب في
التوراة).(16) لا بل أن بولس فرض سيادة التوراة على الناس :
(الذين يسمعون الناموس ــ التوراة ــ هم أبرار عند الله، بل الذين
يعملون بالناموس هم يُبررون.. إن الناموس يسود على الإنسان ما دام
حيّا).(17) ومن أجل ترسيخ فكرة أنهُ رسول مُرسل لابد أن يكون لهُ
كتاب مقدس خاص به، فقام المجمع بمساعدته على كتابة إنجيله الخاص
به بدلا من إنجيل السيد المسيح، لأن بولس كان أميّا جاهلا.
فألصقوا به مجموعة من مثقفي اليهود يُدونون أقواله ويصوغوها حتى
أصبحت إنجيلا أخذ بولس يُجاهر بأنهُ (إنجيله).(18) وأن الله سوف
يُحاكم الناس بموجبه ولا ثبات للإيمان إلا به كما نقرأ (في اليوم
الذي يُدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي.. وللقادر أن يُثبّتكم
حسب إنجيلي).(19) ثم قام هذا المجمع بمساعدة الرومان على كتابة
عشرات الأناجيل والزعم أنها أناجيل السيد المسيح للتشويش على
الناس ، ولكنهم جعلوا إنجيل بولس هو المقدم عليها جميعا، وطاردوا
كل من يحمل فقرة من إنجيل المسيح فقتلوه. فماذا تبقّى للمسيحة بعد
ذلك، بعد غياب حماتها وضياع إنجيلها.
يليه الجزء الثالث.
مصادر الجزء الثاني من
البحث.
1- في إنجيل متى 10: 5. وإنجيل
لوقا 8: 1.
2- إنجيل متى 16: 23.
3- الإمبراطور الروماني قسطنطين
العظيم ، نشأ وتربى على عبادة إله الشمس (سول إنفكتوس) حتى موته ،
ولكن المسيحية يسوئها أن يكون واضع قوانين المسيحية وثنيا زعموا
أن الإمبراطور اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت. وكالعادة
الشهود هم مجموعة من شمامسة وأساقفة السلطة. قبل وفاته وبعد أن
تأكد أن المسيحية البولسية التي نمت وترعرعت على أيدي السلطة قد
أخذت مكانها، أعلن سنة (313) إنهاء حملة اضطهاد المسيحيين
الموحدين وذلك لعدم وجود أي أحد منهم فقد أبادهم الأباطرة في
صراعات الموت على الحلبات الرومانية ، حيث بدأوا عملية خنق مسيحية
السيد المسيح بعد ولادته مباشرة حيث قام الإمبراطور بإصدار مرسوم
بقتل جميع الأطفال الذين يولدون وهذا ما نقرأ بكل وضوح (أرسل
هيرودس وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن
سنتين فما دون).() إنجيل متى 2 : 16.ولم تنته عمليات القتل هذه
وملاحقة من يؤمنون برسالة السيد المسيح حتى سنة (313).
(تاريخ الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية. المجامع المسكونية المقدسة - الأنبا بيشوي. : مجمع
نيقية 325 م).
4- تاريخ الكنيسة البقطية
الأرثوذكسية. المجامع المسكونية المقدسة. الأنبا بيشوي: مجمع
نيقيه 325م. موقع الأنبا تيكلا هيمايونت.
5- سفر أعمال الرسل 20: 28.
ورسالة بولس إلى تيطس 1: 7. (الشمّاس) منصب كبير خطير حيث توكل
إليه إدارة الشؤون اللوجستية في الكنيسة معاونة القس أو الأسقف في
أداء الخدمات الدينية، أما (الأسقف) فمهمته الإشراف على الكنائس
وهو الذي يقوم بالسيامة رسامة الكهنة والقسوس، وإدارة الشؤون
الروحية والتعليمية. والأسقف هو الذي يتوسط بين الله والناس).()
مكتبة الكتب المسيحية، كتاب الكنيسة المسيحية في عصر الرسل،
الأنبا يوأنس أسقف الغربية، كلمة : الأسقف.
6- إنجيل متى 7 : 15.
7- على سبيل المثال(كليمنت
الأول) المعروف بالقديس كليمنضوس. وهو رابع أسقف للمسيحية في
روما. تُشير بعض المراجع إلى يهوديته. ويتضح ذلك من خلال استشهاده
بالتوراة. لا بل أن بعض هذه المراجع تربط (كليمنت الأول) بأصول
رومانية وثنية فهو من عائلة الإمبراطور الروماني دوميتيان. وقد
قام هذا الإمبراطور بإعدام كليمنت بتهمة الانتماء لليهودية
8- إنجيل متى 26: 59.
9- سفر الأعمار 9: 1. سفر
الأعمال 8 : 3 .
10- ) سفر العدد 11: 16 ـ 25. و
انظر قاموس الكتاب المقدس ، دائرة المعارف الكتابية المسيحية شرح
كلمة السَنهَدريم السنهدرين.
11- يقول في قاموس الكتاب
المقدس : (مجمع السنهدريم هو أعلى هيئة قضائية وتشريعية ودينية
عند اليهود في العصور القديمة. هو مجلس اليهود الكبير في أيام
حياة يسوع المسيح، وقد أطلق المؤرخون هذا الاسم على هذا المجلس
باعتباره المحكمة العليا للأمة اليهودية. ويتكون من واحد وسبعين
عضوًا، وهذا المجمع هو الذي اصدر أمر القبض على يسوع المسيح وقبض
عليه وحاكمه. انظر مرقس 14: 43 و متى 26 : 59). قاموس الكتاب
المقدس ، دائرة المعارف الكتابية المسيحية شرح كلمة السَنهَدريم ،
السنهدرين.
12- انظر : أبناء الأرملة في
الرموز الطقسية للماسونية التأملية وتدرجاتها. أكرم أنطاكي .
الجزء الثاني. طبعا لا يُمكن سؤال الذكاء الاصطناعي حول هذه
المسألة، لأن هذا الذكاء هو صنيعتهم، وسوف يكون الجواب بأن هذه
نظرية المؤامرة.
13- إنجيل يوحنا 18: 31؛ سفر
الأعمال 23: 27.
14- سفر الأعمال 22: 30؛ 23:
28.
15- رسالة بولس كورنثوس 1 : 1.
لحظة إعلان بولس أنهُ رسول يسوع ، كان السيد المسيح ميّتا منذ
فترة طويلة حسب تعبير الأناجيل. ولكن بولس زعم أن السيد المسيح
تجلى لهُ وأمره أن يُكمل الرسالة من بعده، فهو مثل كعب الأحبار
الذي لم يؤمن في زمن النبي، بل انتظر حتى زمن عمر بن الخطاب فأعلن
إسلامه.
16- سفر الأعمال 24: 14.
17- رسالته إلى رومية 2 : 13. و
: رومية 7 : 1.
18- كان لبولس مجموعة من اليهود
قال عنهم بأنهم أنسبائه يكتبون لهُ ويُدونون أقواله وهم : سلوان
سيلا ، تيموثاوس ، و: لوكيوس، و : ياسون، و : سوسيباترس و: ترتيوس
. وهذا الأخير كتب أشهر وأطول رسائل بولس، فقام بتدوين اسمهُ ضمن
نصوص إنجيل بولس، وذكر بولس مساعديه بالاسم : (تيموثاوس العامل
معي، ولوكيوس وياسون وسوسيباترس أنسبائي .أنا ترتيوس كاتب هذه
الرسالة أسلّم عليكم في الرب).
19- رسالة رومية 2 : 16. و :
رومية ، 16 : 25.