رسول الله وخاتم النبيين والكتب المقدسة.
لا نبي بعدي.
مصطفى الهادي.
هل نبينا محمد (ص) وحدهُ لُقب بـ (رسول الله) بهذه الشمولية ، وهل وحده لُقب بـ : (خاتم النبيين). وهل قال من سبقهُ من الأنبياء بأنهُ (لا نبي بعدي). قلّبت الكتب المقدسة السابقة ــ التوراة والإنجيل ــ من الغلاف إلى الغلاف فلم أجد أنبياء هذه الكتب على كثرتهم أن أحدهم قال (لا نبي بعدي). وكذلك لم أجد أي كلام لله تعالى في تلك الكتب يقول فيه بأن نبيا من أنبياء الأمم السابقة هو خاتم النبيين أو وصفه بأنهُ رسول الله. إلا القرآن فقد أكد على أن النبي محمد صلوات الله عليه وآله هو رسول الله وخاتم النبيين كما نقرأ (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين).(1)
وكذلك قلّبت هذه الكتب أيضا فلم أجدها وصفت نبيا من أنبياء الأمم السابقة بأنه (رسول الله). القرآن هو من أعطى الأنبياء حقهم فوصفهم بأنهم رسل الله تعالى كما نقرأ عن عيسى عليه السلام في القرآن: (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله).(2) وأما الإنجيل كتاب السيد المسيح كما يزعمون فلم يذكر بأن المسيح كان رسول الله. في التوراة وردت كلمة (رسول) عن أحد الأنبياء من دون ذكر اسمه وهي رؤيا (حلم) رآه أحدهم بأن الرب قال له أنهُ (أرسل رسولا) كما نقرأ : (رؤيا عوبديا: هكذا قال السيد الرب عن أدوم: سمعنا خبرا من بين الأمم وأرسل رسولا).(3) وهي رؤيا باطلة كما سيأتي بيانه.
وأما الإنجيل فقد ذكر أن الناس احتاروا ماذا يطلقون على المسيح . والمسيح كذلك عندما سأل الناس بأنهم يقولون من هو كما نقرأ : (ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية سأل تلاميذه قائلا: من يقول الناس إني أنا؟ فقالوا: قوم يقولون : يوحنا المعمدان ، وآخرون : إيليا، وآخرون، إرميا. أو واحد من الأنبياء.فقال لهم: وأنتم ماذا تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال : أنت هو المسيح ابن الله الحي! فأجاب يسوع وقال له : طوبى لك يا سمعان).(4) حسب هذا النص فإن السيد المسيح كأنهُ رضى بهذا اللقب (ابن الله).ثم تطور الأمر في المسيحية حتى قالت : أن المسيح هو الله، لا بل نسبوا الألوهية إلى أمه أيضا: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله).(5)
المحصلة، لم يرد لقب رسول للسيد المسيح في كامل الإنجيل إلا اشارات مبهمة، ولكن بولس نسبها لنفسه فقال : (بولس المدعو رسولا ليسوع المسيح بمشيئة الله).(6) وهكذا اصبح بولس هو الرسول ، والسيد المسيح شخص مجهول احتاروا في تسميته فقرروا أنهُ ابن الله.
الأغرب من ذلك كله أننا نقرأ في الكتاب المقدس
أن الله تعالى نفى أنهُ ارسل أنبياء بل أهان من زعم أنهُ نبي وذم
احلامهم فيقول عن ذلك (لم أرسل الأنبياء بل هم جروا. لم أتكلم معهم
بل هم تنبأوا.قد سمعت ما قالتهُ الأنبياء الذي تنبأوا باسمي بالكذب
قائلين : حلمت ، حلمت.هم أنبياء كذب ، هذه أحلام يقصها الرجل على
صاحبه).(7) وهكذا اصبح نص عوبديا الوحيد الذي يذكر فيه أن الله أرسل
رسولا (سمعنا خبرا من بين الأمم وأرسل رسولا). اصبح هذا كذبا بنص
التوراة. لا بل أن كل أحلام الأنبياء باطلة بنص التوراة.
وكذلك قلّبت هذه الكتب فلم أجد نبيا وصف نفسه بأنه مُرسل إلى
العالمين كافة إلا نبينا محمد صلوات الله عليه وآله: (قل يا أيها
الناس إني رسول الله إليكم جميعا).( 8 ) بينما وصفت الكتب السابقة
الأنبياء بأنهم أرسلوا إلى أممهم فقط كما نقرأ في قول السيد المسيح
: ((الحق أقول لكم أن كل نبي متى جاء فإنه إنما يحمل لأمة واحدة فقط
علامة رحمة الله ، ولذلك لم يتجاوز كلامهم الشعب الذي أرسلوا
إليه).فالكتب السابقة وصفت مثلا موسى بأنه كان مرسل إلى بني إسرائيل
خاصّة. (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل).(9) ووصف
عيسى نفسه بأنهُ مرسل أيضا إلى بني إسرائيل: (لم أرسل إلا إلى خراف
بيت إسرائيل الضالة).(10) لا بل أن عيسى أمر حوارييه (تلاميذه) بأن
لا يذهبوا للتبليغ في الأمم بل تبليغهم ينحصر في بني إسرائيل : (ثم
دعا تلاميذه الاثني عشر وأرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق الأمم
لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالحريّ إلى
خراف بيت إسرائيل الضالة).(11)
ولكن من بين الكتب السماوية التي ذكرت محمدا بأنهُ (رسول الله وخاتم النبيين) ينفرد إنجيل برنابا بذلك حيث ذكر هذه الجملة عدة مرات في إنجيله، وهذا يعني أن هناك من رفعها من الأناجيل الأربعة الحالية المتداولة.
ففي الفصل السابع عشر يقول برنابا : (كل الأنبياء البالغين مائة وأربعة وأربعين ألفا الذين أرسلهم الله إلى العالم قد تكلموا بالمعميات، ولكن سيأتي بعد بهاء كل الأنبياء الأطهار فيشرق نورا على ظلمات سائر ما قال الأنبياء ، لأنه رسـول الله).(12)
وكذلك في الفصل الثالث والستون أجاب تلاميذه الذين سألوه عن النبي القادم : (يا معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم ؟ ، أجاب يسوع بابتهاج قلب : إنه محمد رسول الله).(13). وفي الفصل (221) يتكلم السيد المسيح مع تلاميذه حول بدعة صلبه فيقول: (معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع).(14) وهذا ما حصل حيث كشف القرآن عن ذلك بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم).(15) ويذكر برنابا امر آخر حيث يقول بأن اهم علامة للنبوة العالمية هي حصول النبي على (خاتم النبوة) فيقول السيد المسيح لتلاميذه عندما سألوه عن أهم علامة عند النبي القادم: (الحق أقول لكم أن كل نبي متى جاء فإنه إنما يحمل لأمة واحدة فقط علامة رحمة الله ، ولذلك لم يتجاوز كلامهم الشعب الذي أرسلوا إليه ، ولكن رسول الله متى جاء يعطيه الله ما هو بمثابة خاتم يده ، فيحمل خلاصا ورحمة لأمم الأرض الذين يقبلون تعليمه ، وسيأتي بقوة على الظالمين ، ويبيد عبادة الأصنام بحيث يخزي الشيطان).(16) النص هنا يؤكد على ضرورة وجود الخاتم على يد النبي (كتف النبي) كدليل مادي ملموس.
وبما أن الكتب السابقة والأنبياء السابقين كلهم أكدوا على أن دعوتهم كانت لفئة محددة من الناس كما ذكرنا ، فهذا يعني أن هؤلاء الأنبياء كانوا يُمهدون الطريق أمام تلك الأمم لاستقبال النبوة العالمية الخاتمة، وأن تلك الأمم كانت تعرف النبي الخاتم بمواصفاته واسمه : (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون..الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل).(17) وهم يعرفون أن الدين الذي سوف يأتي به هذا النبي هو نفس الدين الذي أتى به أنبيائهم (الإسلام). فكل الرسالات كانت تدعوا التسليم لله تعالى. ولكن تلك الأمم عندما أدركت الإسلام وظهر النبي الخاتم محمد (ص) كفروا به (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ﴾.(18)
المصادر:
1- الأحزاب آية: 40.
2- النساء 171.
3- سفر عوبديا 1: 1.في تفسير هذا النص يقول القمص أنطونيوس فكري : (لقد أصدر رب الجنود أمرا، سمعنا خبرا، رؤيا). إذا هي رؤيا من قبل عوبديا وهو من الأنبياء الصغار كما تصفهُ التوراة. وكتب رؤياه في سفر يتنبأ فيه خراب مدينة أدوم. انظر شرح الكتاب المقدس، العهدالقديم. القمص أنطونيوس فكري تفسير سفر عوبديا: 1.
4- إنجيل متى 16 : 17.
5- سورة المائدة : 116.
6- رسالة كورنثوس الأولى : 1.
7- سفر إرميا 23 : 21 ــ 27.
8- الأعراف : 158.
9- الإسراء: 2.
10- إنجيل متى 15 : 24.
11- إنجيل متى 10: 6.
12- إنجيل برنابا الفصل السابع عشر ترجمة خليل سعادة.
13- إنجيل برنابا الفصل الثالث والستون. ترجمة خليل بو سعادة. طبعة دار المنار.
14- برنابا الفصل 221.
15- النساء : 157.
16- إنجيل برنابا الفصل الثاني والأربعون.
17- سورة البقرة: 146 و: الأعراف آية : 157.
18- سورة البقرة: 89.
ملاحظة على هامش رقم (4) إنجيل متى 16 : 17.
نلاحظ في هذا النص أن برنابا كان أكثر وضوحا من إنجيل متى، حيث ذكر الحوار كاملا ، بينما اختفت أجزاء مهمة من الحوار مع السيد المسيح حول شخصيته ففي الفصل الثاني والأربعون يقول: (رؤساء الكهنة أرسلوا اللاويين وبعض الكتبة يسألونه قائلين: من أنت؟ أأنت إيليا أو إرميا أو أحد الأنبياء القدماء؟ فقال يسوع: أنا صوت صارخ في اليهودية كلها يصرخ : أعدوا طريق رسول الرب كما هو مكتوب في إشعيا. فقالوا: إذا لم تكن المسيح ولا إيليا أو نبيا ما فلماذا تُبشّر بتعليم جديد؟ أجاب يسوع: إن الآيات التي يفعلها الله على يدي تظهر أني أتكلم بما يريد الله، ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه، لأني لست أهلا أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله، الذي خُلق قبلي وسيأتي بعدي وسيأتي بكلام الحق ولا يكون لدينه نهاية).نصف هذا الكلام تم حذفه من الأناجيل المعتمدة الأربعة الحالية، ولكننا نجد بداية النص واضحة في تلك الأناجيل وهذا هو نص الأناجيل الذي حذفوا منه البشارة بالنبي: (فسألوه: إذا ماذا أنت؟ إن كنت لست المسيح، ولا إيليا ولا النبي. قال: أنا صوت صارخ في البرية: قوّموا طريق الرب، كما قال إشعياء النبي. الذي يأتي بعدي ، الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه).() يوحنا 1 : 22 ـ 27. ففي هذا النص لا يوجد اختلاف مع نص برنابا إلا في واحدة مهمة جدا أبدلوها لأنها تنسف دينهم. ففي برنابا يقول السيد المسيح عن مهمته ( أنا صوت صارخ في اليهودية كلها يصرخ: أعدوا طريق رسول الرب كما هو مكتوب في إشعيا). ولكن الأناجيل قامت بحذف النص واستبدلته كما نقرأ (أنا صوت صارخ في البرية: قوّموا طريق الرب، كما قال إشعياء النبي. الذي يأتي بعدي، الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه). فاستبدلوا قول برنابا (أعدوا طريق رسول الرب). ابدلوها بـ (قوموا طريق الرب). فحذفوا كلمة رسول الرب. وكذلك حذفوا قول برنابا الذي يقول فيه : (لأني لست أهلا أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله، الذي خُلق قبلي وسيأتي بعدي وسيأتي بكلام الحق ولا يكون لدينه نهاية). فحذفوا جملة : (رسول الله) . وكذلك حذفوا قول المسيح : (ولا يكون لدينه نهاية. لأني لست أهلا أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله، الذي خُلق قبلي وسيأتي بعدي وسيأتي بكلام الحق ولا يكون لدينه نهاية).