ميزان القلة والكثرة في معركة كربلاء.

2023/07/31

ميزان القلة والكثرة في معركة كربلاء.
مصطفى الهادي.
حالات كثيرة اندحرت فيها الكثرة أمام القلّة ، فلم يكن النصر في الكثرة والقلة، ولربما تنتصر الجيوش الكثيرة على القلة، ولكنه نصر غير متكافئ سرعان ما ينتهي ذكره بالإشادة بالقلة التي حاربت الكثرة وصمدت أمامها وتركت بصمات من الشجاعة الفائقة والتضحيات الناصعة لا تُمحى على مرّ التاريخ. النصر تكتبه القيم وليس الجيوش الكثيفة ، ان التاريخ خلّد لنا حروبا حشدت فيها جيوش جرارة، فتم هزيمتها بشخص واحد ، أو بضربة واحدة. والتاريخ مليء بالشواهد.
فهذا نبي الله داود قتل جليات بمقلاع وحجارة وتسبب بهزيمة جيشه الذي يُعد بالألوف. وهذه ضربة علي عليه السلام يوم الخندق تسببت بانهيار معنوي نفسي أدى إلى هزيمة ساحقة للأحزاب التي تجمعت للقضاء على الإسلام. فخلّد التاريخ ذلك في كتب سماوية تتلى فقال تعالى عن داود كما تذكر التوراة : (فخرج رجل مبارز من الجيوش اسمه جليات (جالوت) وجميع رجال إسرائيل لما رأوا الرجل هربوا منه وخافوا جدا. فخرج داود ومقلاعه بيده فتمكن داود منه بالمقلاع والحجر، وضربه فلما رأى جيشهُ أن جبارهم قد مات هربوا.( (1) وهذا ما خلّدهُ القرآن بقوله : { فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت }.(2)
وفي معركة الخندق وصف الله تعالى حالة المسلمين وصفا تقشعر منه الجلود في سورة الأحزاب فقال عنهم : ﴿ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ﴾.(3) ولكن ضربة علي ابن أبي طالب (ع) بسيفه لفارسهم يوم الخندق أدت إلى تلك الهزيمة النكراء لجيوش الشرك والكفر.
وهكذا كان الأنبياء في كل رسالاتهم كانوا يُلاقون عنت وصلف الكثرة ، ولكنهم ينتصرون بالقلة المؤمنة.
فهذا نبي الله لوط بعد سنوات من التبليغ في قومه قال عنه تعالى : (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين).(4) بيت واحد هو بيت لوط. فانتهى ذكر الكثرة ، وخلد ذكر القلة التي وقفت مع لوط.
وهذا نبي الله نوح لبث في قومه قرونا متطاولة يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية، فكان من نتيجة ذلك : (وما آمن معه إلا قليل).(5)
وهذا موسى: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي).(6) بعد أن تخاذل قومه وانهزموا أمام الفلسطينيين وتركوه وحيدا وقالوا له : (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون).(7)
وهذا نبي الله عيسى (ع) مع معاجزه الباهرات التي قدمها لقومه مثل شفاء المرضى وإحياء الموتى وإبراء الأعمى وغيرها إلا أن اتباعه فروا عنه وتركوه وحيدا (فرفعهُ الله إليه). وهذا ما يقوله إنجيلهم : (ولما جاؤوا لإلقاء القبض على يسوع تركهُ التلاميذ كلهم وهربوا).(                </div>
            </div>

        </div>
        <div class=