لقاء مع " الحاج عباس كريم عماش " والحديث عن مواكب الزنجيل في كربلاء

2021/05/15

صدى الروضتين 

مثلما بكت السماء في عاشوراء دما تمطر ذكريات عاشوراء احلاما من طيف، ونطل من نوافذ الأزمنة والأمكنة إلى عوالم أسست عناوينها بركة بمحبة الحسين عليه السلام... فنلتقي أحد هذه العناوين الكربلائية التي حملت شرف مهنة، خدم بها المسيرة الشعائرية الحسينية سنينا طويلة هو (الحاج عباس كريم عماش) قضى أجمل سنوات العمر في مهنة الحدادة قبل أن يُغيّر عنوان مهنته.
صدى الروضتين:ـ ألا تحدثنا عن البدايات؟
الحاج عباس:ـ تشكلت البدايات في ستينيات القرن المنصرم حيث كنت اعمل في محل عمي (محمد الجراح) وهو محل للحدادة، وكان موقعه في بداية الميدان القديم. كنا نعمل قبل ان نبدأ المشوار الولائي في صناعة (الزناجيل) العادية التي تستخدم لربط الحيوانات، وكان المتعارف عليه في ذلك الوقت أن يلجأ اهل المواكب الحسينية الى تركيب بعض القطع الحديدية من (الزنجيل)، وتشد على مقبض خشبي؛ فابتكرالمرحوم الحاج (محمد الجراح) هذا النوع المتعارف عليه اليوم من (الزناجيل)، فلذلك يعتبر عمي (محمد الجراح) هو أول من ابتكر صناعة (الزناجيل) على مستوى العالم الإسلامي، ومن بعده اشتغل الحاج حسين الاصفهاني (الزناجيل)، وكان محله عند كراج النجف القديم مقابل محل المرحوم (محمد حمزة) وتحديدا في المكان الذي شُيّدت عليه قاعة الزهراء اليوم...
فالزنجيل العاشورائي صناعة عراقية بحتة، وقد صُدِّر نموذج الى (تبريز) وهناك عملوا (زناجيل) تختلف عن (الزنجيل) العراقي وطريقة تصنيعه، فلذلك كان (الزنجيل) العراقي هو المرغوب عند المواكب الحسينية حيث كنا نستخدم لحيم النار، وكنا نأخذ البرادة من محل الحاج (رسول تكمجي ابو سعيد) وكان محله في (خان أبو الدهن). بينما هناك يستخدمون اللحيم بـ(القلاي)... والى الآن مازال الكثير من (الزناجيل) التي عملناها موجودة في بعض المواكب الحسينية، اما مهنة صناعة (الزناجيل) فقد انتهت تماما لصعوبة المهنة وتعبها، وحتى (السيم) الذي كان يُستورد من قبل الحاج (كريم الحاج مرتضى) في (عگد الجام) في بغداد لم يعد الآن موجودا في الاسواق تماما...
صدى الروضتين:ـ هل كانت (زناجيلكم) هي المصدر الوحيد للمواكب الحسينية أم هناك مستورد أيضا في ذلك الوقت؟
 الحاج عباس:ـ كان منتوجنا من (الزناجيل) يغطي احتياجات جميع المواكب الكربلائية، وكان يُصدّر الى اغلب مواكب المحافظات العراقية، وتعدى ذلك الى بعض الدول العربية التي تمارس هذه الشعيرة المقدسة مثل البحرين، والحساء، والقطيف... وكنا نعمل لطيلة ايام السنة مع الأوقات الإضافية التي تأخذ شطرا من الليل، ولم نكن نقدر ان نسد الاحتياج كله.
صدى الروضتين:ـ نريد ان نعرف وجه التعامل المادي واسعار (الزناجيل)؟
 الحاج عباس:ـ كان أساس التعامل المادي يعتمد على روح المشاركة الحسينية، فليس هناك حسابات مادية تجارية بحتة رغم انها مشروع ارتزاقي نعيش به ونعيل عوائلنا من هذه المهنة، فكان على بالنا البركة الحسينية، وكانت فعلا مشهودا عندنا، فكان عمي - رحمه الله - حين يتعاقد مع أي موكب يمنحهم (منين او ثلاثة منون) مجانا، ولا تستغرب من لغة (المن) فنحن نبيع (الزناجيل) للمواكب بالأوزان، والوزن المعلوم بالتعامل هو (المن) وسعر (المن) للمواكب الحسينية (6) دنانير دون مقابض، واما سعر (الزنجيل) بالمفرد فهو دينار واحد، أما تصليح (الزناجيل) للمواكب فكان مجانا.
صدى الروضتين:ـ هل (للزناجيل) أنواع؟
الحاج عباس:ـ (حباية الزنجيل) موحدة، وأما التنوع يصبح بالأحجام فقط، ولذلك فجميع (الزناجيل) تتشابه، لكن التنوع يكمن دائما في مقابض (الزناجيل)، فهناك مقابض خشبية، وهناك خشبية مغلفة بالبرونز (البراص)، والبعض الآخر مغلفة بـ(الورشو)، بينما هناك مقابض مغلفة بالفضة.
صدى الروضتين:ـ ما بقى في الذاكرة من موقف؟
الحاج عباس:ـ كان كل صاحب موكب يهتم بمظهر موكبه، وهناك تنافس نظيف بين المواكب الحسينية، وحصل موقف طريف حيث زعل الحاج (هاشم السراج) صاحب موكب المنتظر، لكون (زناجيله) عملت بمقابض خشبية، بينما الحاج (حسن التاجر) صاحب موكب الحيدرية استلم (زناجيل) بمقابض مطلية بـ(البراص).
صدى الروضتين:ـ التعامل العام مع هذه المهنة المختصة بصناعة (الزناجيل الموكبية)؟
الحاج عباس:ـ كان المجتمع يعاملنا باحترام خاص، ويقرن مهنتنا بـ(الموكبية)، ولنا علاقات اكثر من طيبة مع تلك المواكب الحسينية، منحتنا الشهرة، ولنا علاقات ودودة مع اصحاب المواكب خارج كربلاء، فقد تمت دعوتنا لأكثر من مرة في العديد من المحافظات؛ ومنها البصرة والكوت حيث دعانا الحاج (عباس الحلاق) صاحب موكب الحي، فاستقبلتنا المواكب الحسينية بود ومعروف كبيرين...
صدى الروضتين:ـ كان محلكم يُقصد للبركة، كما يُقال ان هناك كرامات كبيرة حصلت؟

الحاج عباس:ـ نعم فقد كان الناس يتبركون ببقايا القشرة المتكونة فوق (السيم: النوفال) يأخذون المتناثر من برادتها للتبرك، ولا يتوقف هذا العمل على شريحة معينة من الناس بل هناك كبار البيوت الكربلائية، حيث يدق النثار، ويلهم من قبل المرأة التي تأخّر حملها، فهي علاج للعقم، وفعلا حصلت مثل هذه البركات؛ فانا اعرف بعض من شملتهم مثل تلك الكرامات، ولا استطيع ان اعطي اسماءهم لكون ذلك يحتاج الى ترخيص، فمثلا هناك امرأة حرمت من الخلفة لمدة عشرين عاما، وقد جاءت إلى المحل في العام التالي تحمل وليدها بشارة خير... أما بقايا الخشب فكان مرغوبا عند (المجبرچية) ليشد به العظم المكسور، فقد كان الحاج محمد صالح (ابو بسامير) يحجز كل بقايا الخشب المتناثر.
أخترنا لك
عطلةٌ رسمية

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف