شذراتٌ من لآلئ الأسرةِ السعيدةِ/ الجزء الأول

2021/02/12

حوار: حنان الزيرجاوي

لم تكنِ النصائحُ والتعليماتُ التي جاءَ بها الإسلام، وأقرّتْها الدساتيرُ الإنسانية، إلا تعبيدًا لطرائقِ نجاحِ واستقرارِ المُجتمعاتِ البشرية بشكلِها العام والمُكوِّناتِ الأسريةِ كوحداتٍ حيويةٍ فاعلةٍ بشكلِها الخاص. ومن ثمَّ فمن المناسبِ تثقيفُ الشابِ والشابةِ بكُلِّ مُقوِّماتِ الاعتدالِ والطمأنينةِ قبلَ ولوجِ عُشِّ الزوجيةِ الذهبي الذي يُعدُّ من تمامِ سعادةِ الفردِ في الحياةِ إنْ هو أحسنَ التهيؤَ والاستعدادَ النفسي والمعنوي له.
وللوقوفِ على كُلِّ ذلك كان لنا هذا الحوار مع د. تغريد حيدر اختصاصيةٌ نفسيّةٌ ومُدرِّبةٌ في مجالِ الإرشادِ الأسري.
- ما تعريفُكِ للعلاقاتِ الأسريّة، وهل طرأتْ تغيُّراتٌ عليها؟
- العلاقاتُ الأُسريةُ هي أسمى وأقدسُ العلاقاتِ على وجهِ الأرض، والأسرةُ هي أساسُ البُنيانِ الاجتماعي الذي بدأ به (سبحانه وتعالى) الخلقَ بخليفتِه على الأرض، آدم وحواء، ومدَّهما بالذُريةِ، ونظّمَ العلاقاتِ الأسريةِ في كُتُبِه وشرائعِه السماوية.
لكن استنادًا إلى العديدِ من العواملِ التي مرّتْ على الأسرةِ، لا سيما ما يتعلّقُ بتحدّياتِ العصرِ في ظِلِّ الحربِ المُتعدِّدةِ الوسائل على الإسلامِ والمسلمين، تمَّ رصدُ الكثيرِ من الظواهرِ الاجتماعيةِ التي أسهمتْ في تفكيكِ الأُسرةِ وصولًا إلى الطلاقِ في حالاتٍ عديدة.
يرى عُلماءُ النفسِ أنَّ الأُسرةَ المُتكاملةَ ليستْ تلك التي تكفُلُ لأبنائها الرعايةَ الاقتصاديةَ والاجتماعيةَ والصحيةَ فحسب، بل هي الأسرةُ التي تُهيئُ لهم الجوَّ النفسيّ المُلائمَ أيضًا.
ومن هُنا، كانَ لا بُدّ من إلقاءِ الضوءِ على العواملِ المُساعدةِ في توطيدِ العلاقاتِ الأسرية، وتلك التي قد تلعبُ دورًا في التفكُكِ الأسري.
-ما عواملُ نجاحِ العلاقةِ الزوجية؟
-هناك عواملُ مهمةٌ يتوقفُ عليها نجاحُ العلاقة الزوجية، هي:
أولًا: الإشباعُ الجنسي
إنَّ فشلَ التجاوبِ الجنسي أو أنانيةَ الزوجِ في العلاقةِ الزوجيةِ، وعدمَ محاولةِ إرضاءِ الزوجةِ أو أداءَ هذا الأمرِ في حالةِ اشمئزازٍ أو شعورٍ بالذنب أو إصابةَ أحدِ الزوجين ببرودٍ أو عجزٍ أو مرضٍ، كُلُّ هذه المظاهر تعَدُّ من أهمِّ معوّقاتِ استمرارِ الحياة الزوجية.
ثانيًا: التقاربُ الفكري
يعدُّ التقاربُ الفكري بينَ الزوجين من حيث مستوى الذكاءِ ومستوى الثقافةِ عاملًا مهمًا للتكيُّفِ إذ إنَّ مناقشتهما تُصبِحُ مُثمرةً واهتماماتهما تتقاربُ والمواضيع العامة التي تشغلُهما تُمكِّنُهما من الاشتراكِ في تناولِها برؤيةٍ مُتشابهةٍ نوعًا ما، ممّا يُقرِّبُ بين أفكارِهما أو يساعدُ في تلاؤمِهما.
ثالثًا: التقاربُ العاطفي
وهو ضروريٌ للتكامُلِ الأسري؛ فالعقلُ والإشباعُ الجنسي وحدهما لا يصلُحانِ أساسًا لأسرةٍ سعيدة. إنَّ التقارُبَ الوجداني المبني على الشعورِ بالرغبةِ والحاجةِ والاحترامِ الذي يصِلُ إلى الاندماجِ في الكيانِ الأسري الواحد هو أساسٌ لازمٌ للسعادةِ الزوجية.
رابعًا: التقاربُ الاجتماعي
إنَّ التقاربَ في المستوى الاجتماعي يُساهِمُ في خلقِ جوٍ صحيّ لتقارُبِ الزوجين وزيادةِ الترابُطِ بينهما، ويُساعِدُ كذلك على النموِّ العاطفي والاجتماعي للأسرة الجديدة.
خامسًا: الاستقرار الاقتصادي
قد تكونُ كُلُّ العواملِ السابقةِ مُتوفرةً إلا أنّ دخلَ الأسرةِ ضعيفٌ لا يكفي حاجاتِهما الضروريةَ، وهُنا يتعرّضُ المنزلُ للاهتزازِ والانهيارِ لأسبابٍ قاهرة. وقد يكونُ الاضطرابُ الاقتصادي نتيجةً لسوءِ توزيعِ الدخل، وهُنا ينبغي أنْ يتدارسَ الزوجان دخلَهما ويعرفانِه تمامًا، ويشتركانِ في توزيعِه بشكلٍ عادلٍ وهادفٍ؛ لأنَّ زيادةَ الوعي وحُسنَ الإدارةِ من العواملِ الأساسيةِ التي تُساهِمُ في توطيدِ هذه العلاقة الإنسانيةِ واستمرارِها.
سادسًا: الأبناء
للزواجِ وظيفةٌ هامةٌ، وهي حفظُ النسلِ فإذا كانَ أحدُ الزوجين عقيمًا، حينها قد تقترب احتمالاتُ تفكُكِّه أكثر، إلا أنّه من المُمكنِ أنْ يكونَ التفاهمُ العاطفي والفكري والاندماجُ في المُجتمعِ الأوسع بالأخذِ والعطاءِ عاملًا بديلًا عن هذه الوظيفة الهامة.
على أنَّ إنجابَ الأبناءِ قد يُصبِحُ مشكلةً أيضًا؛ فقد تكرهُ بعضُ السيّداتِ الحملَ، وقد يرفضُ أحدُ الزوجينِ أبناءه لكثرةِ الأعباءِ أو كثرةِ الإنفاقِ ممّا يُعرِّضُ نفسيتَه لأزمةٍ تُهدِّدُ الاستقرارَ الزوجي.
سابعًا: الحالةُ الصحية
إنَّ سلامةَ طرفي العلاقة الزوجية مهمٌ للتقارُبِ والاستقرارِ بينهما؛ إذ إنَّ سوءَ صِحّةِ الزوجين الجسميةِ أو النفسيةِ قد يكونُ سببًا في إبعادِ أيٍّ من الزوجين عن القيامِ بواجباتِه الزوجية أو الاقتصادية مما يُهدِّدُ الأسرةَ بالتفكك.

إذن، لا بُدّ للعلاقةِ الزوجية أنْ تكونَ مبنيةً أولًا على العلاقةِ المتينةِ مع الله (تعالى) والتوكلِ عليه والتفكُرِ والوعي الديني، ثم على الحُبِّ والتقديرِ والاحترام، والشعورِ بالانتماء إلى هذا الكيانِ الأسري والتعاونِ في التصدّي للتحدياتِ الطارئة.
-ما معنى التفكك الأسري، وما هي أبرزُ العواملِ المؤثرة فيه؟
-هو انحلالٌ يُصيبُ الروابطَ التي تربطُ الجماعةَ الأسريةَ كلًا مع الآخر، ولا يقتصرُ وهنُ هذه الروابطِ على ما يُصيبُ العلاقةَ بينَ الرجلِ والمرأة، إذ قد يشتملُ أيضًا على علاقاتِ الوالدينِ بأبنائهما. وبالتالي هو انهيارُ الزواجِ واضطرابُه على الرغمِ من عدمِ الوصولِ إلى الطلاق دائمًا.
وكُلُّ العواملِ التي ذكرناها فيما سبقَ في حالِ عدمِ استثمارِها بالشكلِ الصحيح تُعرِّضُ الأسرةَ للتفكُكِ والمُجتمعَ للاضطراب. إضافةً إلى عواملَ أخرى على المستوى النفسي الاجتماعي، أبرزُها:
*الأبُ الحاضرُ الغائبُ:
هناك صورتان للأبِ الحاضرِ الغائب:
الأولى: هي صورةُ الأبِ المُنهمك بالعملِ الذي لا يجدُ وقتًا ليقضيهِ مع أسرتهِ، ولا يجدُ وقتًا ليُقدِّمَ المعونةَ المعنويةَ أو المُساعدةَ لزوجته.
وأما الصورةُ الثانيةُ: فهي صورةُ الأبِ المُهمِل الذي يعتقدُ أنَّ دورَه ينتهي عندَ تأمينِ حاجاتِ الأسرةِ المالية، ويقضي وقتَه مع أصدقائه، وفي الحالتين يتسبّبُ غيابُ الأبِ عن أسرتِه بمشاكلَ كثيرةٍ.
*الأمُّ الحاضرةُ الغائبة:
فالمرأةُ المُنشغلةُ بعملِها عن أسرتِها، قد لا تمنحُ الزوجَ العنايةَ بشؤونِه الخاصة واحتياجاته. كذلك المرأةُ المُنشغلةُ بكثرةِ لقاءاتِ صديقاتِها، مُتناسيةً دورها كزوجةٍ وأُمٍّ، وما يحتاجُه زوجُها وأطفالُها منها من العنايةِ والحُبّ.
*صراعُ الأدوار:
وهو من أهمِّ عواملِ التفكُكِ الأسري، ويتمثّلُ بتنافسِ الزوجِ والزوجةِ على أنْ يحِلَّ أحدُهما مكانَ الآخر.
*وسائلُ الاتصالِ الحديثة:
بطبيعةِ الحالِ فإنَّ إدمانَ استخدامِ وسائلِ التواصل الاجتماعي أو إدمانَ ألعابِ الفيديو باتَ يتحكّمُ بعلاقاتِنا الأسريةِ بشكلٍ كبير، فعلى الرغمِ من أهميةِ الإنترنت والتقنياتِ الحديثة في عالمِنا إلا أنَّ إساءةَ استخدامِ هذه التقنياتِ من شأنِه أنْ يكونَ عاملًا وجيهًا للتفكُكِ الأسري.
*الخدم:
أصبحتِ الخادمةُ –في بعض بلداننا الإسلامية- تحلُّ محلًّ الزوجةِ في كافةِ أمورِ المنزل، كالتنظيفِ والغسيلِ، وحتّى الطبخِ ورعايةِ الأطفال أحيانًا. فعندما يعودُ الزوجُ من عملِه تستقبله الخادمةُ وتقدِّمُ له الطعام، وعندما يكونُ الأطفالُ بحاجةٍ إلى الرعايةِ تحلُّ الخادمةُ محلَّ الأمِّ وتقدّمُ الحنانِ والحبِّ لهم، مما يتسبّبُ في ظاهرةِ التفكك الأسري.
وكذلك أصبحَ السائقُ يحلُّ محلَّ الزوجِ أحيانًا، فيقومُ بخدمةِ توصيلِ الأمِّ والأطفالِ إلى أيّ مكان، وهو المُرافِقُ لهم عوضًا عن الأب.
يُتبَعُ إنْ شاءَ الله (تعالى)..
أخترنا لك
فلم أمروا بالصوم؟

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف