محكم ومتشابه ، ظاهر وباطن ، التفسير الظلي في المسيحية.

2021/02/06

التفسير الباطن ميدان يجول فيه المفسر برأيه فيأتي بالاعاجيب التي لا دليل له عليها وهذا من اخطر ما يُحارب فيه ظاهر الكتب المقدسة. فهو الباب الذي تلج منه الزندقات والهرطقات فتخلق لها آلهة لا تشبه تلك الالهة الموجودة في الكتب المقدسة اوهام واصنام تعيش في عقول المفسرين يستخدمونها متى شاؤوا للتأثير على الناس.

التفسير الباطن فيض يحل ضيفا على العقل فيُلهمه ما تعجز عن ادراكه بقية العقول. هي وحي وايحاءات وايماءات واشارات يجهد العقل نفسه من اجل الوصول إلى كوامنها وهذه الميزة لا يمتلكها اي احد بل هي تاتي عن طريقين لا ثالث لهما .

الطريق الاول : الاحاطة المعمقة لمعاني الكلمات واستخداماتها وفك اسرارها والنظر لها بعين الباطن لا الظاهر الملوث باكدار هموم الحياة.

الثاني : فيوضات واشراقات وومضات قد تأتي متفرقة او مجتمعة ، فإذا اتت متفرقة عليك لملمة شتاتها لكي ترى الصورة واضحة ، واذا جاءت مجتمعة فهذا يعني انك ضمن فيوضات الرب.

المشكلة في المسيحية انها تستخدم (التفسير الظلّي).وهو تفسير كيفي يزعم فيه المفسر بأن تحت ظل كل فقرة او كلمة يوجد تفسير آخر لا تُدركهُ العقول وحجته في ذلك تنوع مقاصد الرب في كل كلمة ، وهذا النوع من التفاسير يطلق عليه المسلمون : التفسير الباطن.

ولعلنا نرى مثالا على هذا النوع من التفاسير في قول القديس (اندرواس الكريتي) الذي يقول : (في قصة لوط وسدوم وجبل صوعر هناك قصد وتصميم الهي وهو الذي ورد في سفر(تكوين 19). (فلوط يحمل معنى أعلى منه وقد يكون غير واع له).

أندرواس هنا يجعل لهذا التفسير باطن فيجعل من لوط شخص يهذي (يهجر) لا معنى لكلامه ولذلك فهو غير واع لما يحمله من شرف النبوة فشرب الخمر لكي يتخلص من ضغط الضمير وسمح لأبنتيه بالزنا معه من اجل هدف اسمى وهو انجاب بشرية جديدة.

وقد اعتمد المجمع التريدنتيني – ترنت سنة (1542-1563) هذا النوع من التفسير في تبرير عملية الخطيئة الاصلية فبنوا عليها عقيدة الاعتراف وهي اخطر عقيدة عرفتها البشرية حيث يتم تبرير كل الجنايات والجرائم والموبقات على انها كانت نتاج سذاجة الانبياء وحماقتهم ، وبما ان الرب غفر للانبياء خطاياهم تلك ، فهو اذن سوف يغفر لبقية الناس لو اعترفوا بذنوبهم امام القس ، ومن هنا نشأت أيضا صكوك الغفران ، وبيع قطع اراض في الجنة.

يقول القديس ثيوفيلوس الانطاكي مبررا وجود امثال هذه الرويات وتفاسيرها العجيبة : (ولمّا كان الكتّاب الملهمون ساميين فانهم يسردون التاريخ لا بموجب قواعدنا العصرية، بل وفق الطرق السامية الشرقية القديمة القائمة على جمع (الذكريات). فلا عجب أن نجد أموراً لا تتوخّى الواقع التاريخي كأرقام غريبة،وروايات مزدوجة، واوصاف ملحمية بشرية ، هذا هو شأن الكتاب المقدس في معناه الباطن. ولأن كاتبه (بشري) يمكنني أن ابحث فيه، سواء أكنت مؤمنا أم لا. لكن لا استطيع أن أدرك المعنى الحقيقي الذي قصده الكاتب المقدس بالهام الروح القدس، فيجب مراعاة التقليد الحي للكنيسة جمعاء، لأنها المستودع الحقيقي الاوحد للتعليم فلا يحق للمؤمن أن ينكر ما توصل إليه العلماء استناداً إلى الدين، ولا يحق للعلماء إنكار معطيات الدين استناداً إلى العلم). طبعا من هنا ترى اصرار الكنيسة ولقرون عديدة بأن الارض مسطحة وهي واقفة على قرني ثور او ظهر سُلحفاة واعدمت حرقا بالنار من يقول بغير ذلك . وانطلاقا من التفسير الظلي ــ الباطن ــ فإن المفسرين يقولون بأن عملية الطوفات لم تكن بالماء ، بل هذا معنى ظاهري واما التفسير الباطن هو غرق البشرية بالذنوب ولذلك لابد من وجود سفن نجاة وهي الاعتراف الذي سوف يجرف الذنوب والخطايا بمساعدة الكاهن. وإبراهيم لم يكسر الاصنام بل ازال الاوهام. وهكذا

تحت ذريعة لا يحق للعلماء إنكار معطيات الدين استنادا إلى العلم.ولذلك نرى البابا كيرلس اول من افتى بقتل العالمة المصرية الاسكندرانية (هيباتيا) التي كانت عاملة بالميكانيكا وغيرها من علوم .

فرأي كل العلماء نيوتن ، فرويد ، باسكار ، نيتشه ، ماركس ، لا يُساوي وجهة نظر قسيس صغيرة لانهم لا يفهمون بواطن كلامه لانه مسدد بالروح القدس.

لا تقل لي الكنيسة اليوم والعلم اليوم . فلا وجود لكنيسة الكنائس اداة بيد السياسة وهي اطوع لها من بنانها. وهي المبرر الأوحد لكل السياسات الفاسدة في هذا العالم الذي ينحدر نحو الهاوية ، وإلا بماذا تبرر سكوت كل كنائس العالم عما يجري من اعمال مخيفة تكاد تتسبب بهلاك الأرض ومن عليها.

أخترنا لك
تفكك الأديان والدول.

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف