معصومة قم . دراسة نفسية في أحوال المرأة الدينية

2021/01/21

  

 
منذ أن وصلتني وصية الشهيد الذي قٌتل دفاعا عن القديسة زينب في الشام بأنه كان يتمنى أن تقوم إيزابييل بكتابة موضوع عن (السيدة معصومة)، وانا حائرة . ماذا اكتب.ولكن بما أن اتجاهي ليس اسلامي خالص فأنا لربما اقصر عن نيل هذه الشخصية السامية ولذلك فكرت ان أبحث في الكتب المقدسة والمصادر الأخرى لعلي اجد شيئا يكون مدخلا لهذا البحث .. 
فماذا وجدت ؟ 
 
وجدت أن الأديان التي سبقت الاسلام تطرفت كثيرا بحق المرأة إما إلى اقصى اليمين او إلى أقصى الشمال .فقد ارتقى الكتاب المقدس بالمرأة حتى جعلها نبيّة يوحى لها ، وجعلها قاضية تحكم على الأنبياء كما في سفر القضاة 4: 4 ((ودبورة امرأة نبيّة هي قاضية إسرائيل)). وكذلك في سفر الملوك الثاني 22: 14(( خلدة النبية)). 
ولكنه من طرف آخر يُناقض نفسه فينزل بالمرأة إلى الحضيض كما في سفر الجامعة 7: 26 ((فوجدت أمر من الموت المرأة : التي هي شباك ، وقلبها أشراك ، ويدها قيود ، الصالح قدام الله ينجو منها ، لم تزل نفسي تطلبها فلم أجدها رجلا واحد من بيت ألف وجدت ، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد)). 
هذا هو رأي الكتاب المقدس بالمرأة الذي يُمثل ثقافة مليارات من البشر . 
ولم يتوقف الأمر عند الكتاب المقدس لا . بل أن أدبيات وملاحق وتفاسير الكتاب المقدس استغلت ذلك فطرحته بأبشع صورة فقد كانت المرأة مقيدة بتقاليد جدا ثقيلة وكُلها تُنسب للدين . ومن هنا فقد كان اجماع الربانيين والكهنة والقساوسة على منع المرأة عن درس الشريعة . وقد ذكرت المشنا في فصل سُطاه الفقرة 3 : الاشارة رقم 4: (( أن منح أي رجل ابنته المعرفة عن الشريعة هو بمثابة تعليمها الانغماس في الشهوات)) . 
وانتقلت عدوى تحقير المرأة والحط من شأنها إلى العلماء المتنورين والآباء المقدسين وحتى زماننا هذا حيث يقول الأب مار يعقوب السروجي ملفان : الكنيسة كعادتها لا تسمح للمرأة من دخول قدس الأقداس، بأحد (ميامره) الذي يقول فيه على لسان آدم وهو يحرّض أولاده على أمهم حواء : ((لا أرسل بيد حواء حنطة منقاة تقدمة للرب لئلا تقدمها إلى مشاورها (الشيطان). إن الرِجْل التي سعت ماشيةً إلى شجرة الحياة لا يحق لها أن تطأ الموضع المخصص للأحبار والكهنة وإن اليد التي قطفت الثمرة (المحرمة) في فردوس عدن لا يحق لها أن ترفرف فوق القربان الإلهي)). (1) في اشارة إلى تحالف حواء مع الشيطان وقطعها للتفاحة بأمره.
ويقول الأب البطريرك مار أغناطيوس بأن تحقير المرأة وراثة تتوارثها الاجيال فيقول : (( من جملة العادات التي تسلّمناها من آبائنا هي عدم السماح للمرأة من دخول قدس الأقداس، وقد منعت من ذلك حتى الطفلة البريئة التي بعد أن تنال نعمة سر العماد المقدس، لا يسمح أن تزيّح داخل قدس الأقداس كالطفل الذكر)). (2)
وحديثا ، يقول الراحل البابا شنودة : أما من جهة الكتاب المقدس، فهل سمعنا سواء في العهد الجديد او القديم بدخول نساء إلى الهيكل؟! لم يحدث هذا، ولا حتى سر الكهنوت مسموح به للمرأة، أيام موسى النبي ولا بعده لم نسمع بوجود كاهنة امرأة ولا حتى مَنْ تخدم المذبح.. والسيد المسيح عندما اختار تلاميذه الاثني عشر، لم يكن من ضمنهم نساء.
المفسر المسيحي (وليم باركلي) يتحدث عن المرأة ومنزلتها بحسب الناموس فيقول : ((بحسب الناموس اليهودي كانت المرأة تعتبر أقل من الرجل بكثير . فقد خلقت من ضلع من أضلاع آدم (تكوين 2 : 22 و 23 ) ويصور التلمود ، تفسيراً لذلك ، فيقول ـ والكلام للمفسر المسيحي وليم باركلي ـ : إن الله لم يخلق المرأة من رأس الرجل لئلا تتكبر وتتفاخر عليه ، ولا من عينه لئلا تحقد وتحسد ، ولا من يده لئلا تصبح طماعة جشعة ، ولا من قدمه لئلا تصبح مجرد جسم هائم على وجهه ، ولكنه خلقها من ضلع من أضلاعه . والضلع دائماً مغطى واعوج، ولذلك فالتواضع ينبغي أن يكون صفتها الأولى لأنها كالضلع في انحنائها ،ومن الحقائق التعسة أن المرأة بحسب الناموس اليهودي كانت تعتبر جزءاً من ممتلكات زوجها ، له عليها السلطان الكامل وحق التصرف المطلق حتى لو قتلها لا عليه شيء لانها جزء من ممتلكاته. 
وفي السنهدريم ، لم يكن للنساء أي حق في المشاركة في العبادة ، ولكنهن كن يعزلن تماماً عن الرجال في رواق خاص يغلق عليهن في أي جزء من المبنى . ولم يكن يخطر بالبال ، بحسب الناموس والتقليد اليهودي ، أن النساء يمكن أن يطالبن بأي نوع من المساوة مع الرجال)) .(3) 
و لكن مصيبة المصائب أن الظلم طال اقدس رمز ديني في المسيحية (( أم الله القديسة مريم العذراء )) فقد تم حذف اسمها من قائمة الشهود لكونها امرأة. وهذا ما يشرحه لنا الدكتور المسيحي (وليم كامبل) فيقول : لأن مريم وهي أول من رأى الرب المقام والتي أرسلت منه بأول بشارة عن القيامة . ولكن تم (حذف اسمها ضمن قائمة الشهود)، أليس هذا دليلاً قوياً على أن الكتاب لا يعطي المرأة مكاناً في الشهادة العلنية أيضا حتى وإن كانت أم الرب يسوع نفسه ؟
بعد هذه اللمحة الموجزة عن حال اقدس النساء في الكتاب المقدس . ذهبت وبحثت في كتب السيرة عند المسلمين عن هذه المرأة القديسة ( فاطمة المعصومة) وانا احمل نفس تأثير ثقافة الكتاب المقدس حيث خلت أني سوف اجد اشياء مرعبة احاطت بهذه المرأة بسبب هذه الديانة. 
فماذا وجدت ؟ 
باختصار اقول وهذا حقيقة لمستها من معايشة سنوات طويلة في العراق في الوسط المسلم . واقولها بكل امانة وصدق . أن ما يراه الناس من التزام ديني واخلاقي وما تتحلى به المرأة المسيحية من عفة وحشمة إنما هو ناتج عن تقليدهن لبنات المسلمين فالمرأة في الاسلام الصحيح جوهرة ثمينة لا يُمكن التفريط بها وينفرد من بين المذاهب الإسلامية مذهب معين اعطى للمرأة المعنى الحقيقي لحياتها على ضوء ما جاء به الاسلام الأصيل ولا اريد أن استعرض النصوص إنما لعل ما سأذكره عن حياة هذه القديسة الفاضلة يكفي شاهدا على ذلك . 
لم يتعرض في الإسلام احد للظلم كما تعرض اهل بيت نبيهم .هذا النبي الذي جاء بالخير العميم لامته فرفعهم من حفر النسيان واجلسهم على هامات الأمم (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون). 
فقد كانت السيدة معصومة من عمالقة العلم والفهم فقيهة ربانية عالمة قضت عمرها صامتة ولكنها ان نطقت فعن نثر الجمان .فقد روى السيد نصر الله المستنبط نقلا عن كتاب كشف اللآلي لابن العرندس الحلّي (المتوفّى حدود سنة 830 هـ)، أنّ جمعاً من الشيعة دخلوا المدينة المنورة يحملون بحوزتهم عدّة من الأسئلة المكتوبة قاصدين أحداً من أهل البيت، وصادف أنّ الإمام موسى بن جعفرعليهم كان في سفر وولده الإمام الرضا كان خارج المدينة أيضا. وحينما طال انتظارهم عزموا على الرحيل ومغادرة المدينة تأثّروا وأصابهم الغمّ لعدم ملاقاتهم لاحد الائمة، وعودتهم إلى وطنهم وأيديهم خالية من دون ان يحصلوا على جواب لأسئلتهم. . 
 
وكانت هذه العالمة الربانية ـــ فاطمة المعصومة ـــ تراقب وضعهم ، ولمّا شاهدت السيّدة المعصومة غمّ هؤلاء وتأثّرهم- وهي لم تكن قد وصلت إلى سنّ البلوغ آنذاك- قامت بكتابة الأجوبة على أسئلتهم وقدّمتها لهم. وغادر أولئك الشيعة المدينة فرحين مسرورين والتقوا بالإمام الكاظم خارج المدينة، فقصّوا على الإمام ما جرى معهم وأروه ما كتبته السيّدة المعصومة من أجوبة على اسالتهم، فسرّ الإمام الكاظم بذلك وقال قولته المشهورة بحقها : ((فداها أبوها)).(4)
لقد كانت هذه الشابة اليافعة تنطوي على العلوم النبوية فكانت وبحق منارا يهتدي به التائهون . ولكن الذي أثار انتباهي أن ( السيدة المعصومة) لم تكن متزوجة رغم بلوغها سن الثلاثين عام ، فاستغربت من ذلك ولما راجعت بعض المصادر بامعان وجدت السبب . فقد كان سببا حزينا جرت دمعتي على خدي بمجرد ان قرأته ، وهو سبب وجيه أن تبقى على ضوئه هذا المقدسة عزباء عذراء ذهبت تحمل مظلوميتها إلى ربها كجدتها بنت النبي العظيم . ولما تابعت ذرية الامام موسى الكاظم وجدت أن لهذا الامام إحدى وعشرون بنتاً لم تتزوّج ولا واحدة منهن فزاد عجبي وحيرتي وتساءلت مع نفسي : من الذي لايرغب بالزواج من هذا البيت الشامخ المتصل بالشجرة النبوية الطيبة؟ ولكن ويا للهول، تبين ان السبب كان نتيجة الضغوطات العنيفة والممارسات التعسفيّة الظالمة التي كانت السلطة العبّاسيّة تنتهجها تجاه ائمة اهل البيت وشيعتهم فما كان أحدٌ ليجرأ أن يتقدّم من الإمام ليطلب كريمته. بل إنّ الشيعة- في فترات مختلفة من الزمن- ما كانوا ليقتربوا من دار أئمتهم المعصومين في استفتاءاتهم وحوائجهم فما ظنّك بمن يريد مصاهرة الإمام؟
وعند بلوغ السيدة المعصومة سن الثلاثين وبعد ان قام الخليفة المأمون العباسي باعتقال اخيها بحجة ولاية العهد وابعاده إلى خراسان اشتاقت هذه الطيبة إلى رؤية أخيها وحنت إليه كثيرا وزاد بها الوجد فدفعها شوقها إلى أن تشد الرحال لرؤية ثامن الائمة الرضا ابن الامام موسى الكاظم . ولكن الحزن والألم اشتد بها فلم تقوى على مواصلة المسير فوقعت صريعة المرض والارهاق في منطقة يُقال لها ري في قرية بالقرب منها اسمها (قم) حيث قضت نحبها صابرة محتسبة ولم تكحل عينيها برؤية اخيها الامام الذي لحقها بعد فترة قليلة متأثرا بالسم الذي دسه إليه المأمون العباسي . 
فإلى روح الشهيد الذي كان حياءه يمنعه من أن يطلب مني كتابة موضوع عن هذه القديسة اهدي ثواب هذا البحث . وكذلك ارسل ارق التحياة إلى صديقه الذي اوصل لي وصية الشهيد السعيد .. 
الباكية . إيزابيل بنيامين ماما آشوري . ستوكهولم في 13/9/2013 الساعة الثامنة مساءا . 
 
المصادر والتوضيحات ــــــــــــــــــ
1- الأب مار يعقوب السروجي ، حليفة الشيطان ج1 ص 191. مطبعة بطرس بهنام . 
2- قداسة البطريرك مار أغناطيوس زكان الأول عيواص ، المرأة في مفهوم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية
3- نقلاًعن تفسير الدكتور وليم باركلي للعهد الجديد
4- مهدي بور علي اكبر : كريمة أهل البيت عليهم السلام ص 170 ــ 171 .
أخترنا لك
إنا أعطيناك الكوثر.

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف