العنوان: المرأةُ في كربلاءِ تعددُ الأدوار ووحدة الموقف.

2020/01/22

 الحمدُ للهِ ربّ العالمين والصلاةُ والسّلامُ على أشرفِ الأنبياء والمرسلين أبي القاسم مُحمَّد وعلى آله والطيبينَ الطاهرينَ.

الوجود الكونيّ يكادُ لا يخرجُ عن المتضادات التّكامليّة الإعجازيّة لمدبّرٍ واحدٍ يملكُ زمام الأمور ، فشاء عزَّ وجلَّ أن يجعلَ للإنسان – الذَكر والأنثى - الأفضلية على خلقه مهيّئا الأرض لخدمته ، وشاء التفكير البشريّ الناقص بأن يفضّل الذكر على الأنثى، ولم يكتفِ بهذا بل انتقص وجودها كسلعة بالية تباع وتُشترى بأبخس الأثمان، وأسقط حقوقها كنظير لهم في الخَلق، وأزهق روحها بدفنها حية، حتى جاء الإسلام ، فأعطاها مكانةً عظيمةً، إذ أخرجها من الظُّلمات إلى النُّورِ جاعلاً لها كياناً مستقلاً ومبيّنا منزلتها فلا تختلف عن الرجل سوى في الحقوق والواجبات ، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة : 228]، كما خوطبن بمستوى واحد مع الرجال  وجعل الفارق الوحيد هو التقوى كما هو معيار بين الرجال أنفسهم والنساء ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات : 13]، فلو انتفى دور المرأة في تنقلاتها الاجتماعية كأم أو أخت أو زوجة أو بنت ، ستنتفي أيضا تنقلات الرجل كأب أو أخ أو زوج أو ابن، لذا فلكل منهما كيانه التكميلي المستقل، ومن هذا المنطلق أشرك أبو عبد الله الإمام الحسين (ع) النساء في ثورته، فلم ينظر لهن نظرة دونية تختلف عن الرجال، فكُتب على الرجال القتل والقتال ، وعليهن المعاضدة في الصبر والعطاء، وصولاً لهدف واحد وموقف واحد، وهذا الذي لم يفهمه البعض، فاعترضوا على المولى (ع) في خروجهن معه سيرًا نحو كربلاء المُقدّسة. 

وحتى يتضح الموقف نعرج على بعض أدوار المرأة المُثلى التي تجسدت في تلك الواقعة فأصبحت مثالا خالدا يُقتدى به والتي منها :

دور الأم الذي جسدته أم عمرو بن جنادة الأنصاري لابن طوى من عمره أحد عشر ربيعًا ، قُتل أبوه في الحملة الأوّلى من يوم عاشوراء، فجاء يستأذن الإمام الحسين (ع) للمشاركة في القتال؛ امتثالا لأمر أمه التي دفعت به صوب المعركة، فقالت له: يا ولدي قم وانصر ريحانة رسول الله، بعدما ألبسته لامة حربه،  فأبى الإمام الحسين (ع) خروجه قائلاً : هذا غلامٌ قُتل أبوه في الحملةِ الاولى ، ولعلّ أمه تكره ذلك. فأقبل عمرو يسعى نحو سيد الشهداء (ع) خائفا من أن يصده أحد عن مراده وقصده، فقال: إنّ أمي أمرتني بالخروج!. فأذن له سيد الشهداء بعد أن رأى رغبته في المشاركة ، وخرج مرتجزًا قائلا:

أميري حسينٌ ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير
                 علي وفاطمة والداه                 فهل تعلمون له من نظير
                  له طلعة مثل شمس الضحى        له غرة مثل بدر المنير
فسرعان ما قُتل، ورمي برأسه صوب الإمام الحسين (ع) فأخذته أمه ومسحت الدم عنه، وضربت به رجلا من أعداء الله كان قريبًا منها فمات، وعادت إلى المخيم فأخذت عمودا وقيل سيفا وقالت:

إني عجوز في النسا ضعيفة    خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة      دون بني فاطمة الشريفة
فأصابت رجلين من عسكر الأعداء، فردها الإمام الحسين (ع) بعد ذلك إلى الخيمة حفاظًا عليها بأن لا تنتهك حرمتها أمام أعداء الله. وهذا الموقف لأم عمرو الأنصاري يعجز اللسان ويكلّ البيان عن وصفه ؛ لأنها فقدت زوجها وابنها ولم تكتفِ بذلك بل سارعت للفداء بنفسها بغية نصرة الإسلام وقائدها .

ودور الزوجة الذي تمثّل بزوجة عبد الله بن عمير الكلبي ، الذي دخل ساحة الحرب ،  فقُطعت يداه وساقه وأخذوه أسيرُا  حت قُتل صبرًا، فمشت إليه زوجته وجلست عند رأسه تمسح الدم والتراب قائلة له : هنيئا لك الجنة، أسال الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك. فعندها انزعج شمر بن ذي الجوشن من موقفها فقال لغلامه: اضرب رأسها بالعمود، فشدخه وماتت مكانها، وهي أوّل امرأة قُتلت من أصحاب الحسين يوم عاشوراء، السبب الذي دعا شمرٌ لقتل هذه المرأة هو صلابة موقفها وربط جأشها وشحذ همتها لو كانت باكية منكسرة معلولة ربما لم يحدث ما حدث. فكانت بحق زوجة صابرة محتسبة في الله، قدمت أغلى ما تملك برضا وتصبّر.

والدور الرائد الذي تجسد في الإخوة ومعنى التضحية والصبر والتجلّد هو دور الأخت الذي شفعت به وتميزت فيه عقيلة الطالبيين زينب الكبرى (ع) فكانت من فضليات النساء التي عجز الصبر نفسه على أن يحيط بها أو يكتب قصتها وصدق الشاعر إذ قال في وصفها :

سـلامٌ على الحوراء ما بقي الدهرُ      ومـا أشرقت شمسٌ وما طلع البدر

سـلام عـلى القلب الكبير وصبره      بما قد جرت حزناً له الأدمعُ الحمر

جـرى ما جرى في كربلاء وعينُها      ترى ما جرى مما يذوب له الصخر

لـقد أبصرت جسم الحسين موزَّعا      فجاءت بصبرٍ دون مفهومه الصبر

فقد شهدت مصرع أولادها وإخوانها وأولادهم ومن كان في ركبهم ، وهي محتسبة صابرة تقود النساء ، وتدعوهن إلى الصبر كقيادية بارعة ترعى ركب السبايا ، ولا عجب فهي ربيبة النبوة وثمرة الإمامة ، فحملت مع أخيها الحسين الرسالة وأكملت ما تبقى منها لنصرة الإسلام وهي مرحلة لا تقل صعوبة عن التي قبلها ؛ لأنها  مختارة  لهذا الدور الباسل الذي لا يقدر عليه غيرها ،  ومن كانت هذه صفاتها لا يمكن أن تشق جيبًا أو تلطم خدًا أو تنثر شَعرًا ، وخير دليل على ذلك خطبتها العصماء في مجلس يزيد التي أذهلت العقول بها  وفاقت الرجال لشجاعتها وصمودها أمام كل الأحزان ، وقال فيها الأديب المصري عباس محمود العقاد في كتابه أبو الشهداء:  (وقد كانت زينب رضي الله عنها حقا جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهدّ عزائم الرجال كانت كأشجع وارفع ما تكون حفيدة محمد وعلي واخت الحسين وكتب لها ان تحفظ بشجاعتها وتضحيتها بقية العقب الحسيني من الذكور ولولا لانقرض من يوم كربلاء).  فكانت نعم المرأة الحاملة لرسالة السماء ، والمعاضدة لأخيها، والمواسية الصابرة لأهوال الدنيا ، العالِمة ، فسلامٌ عليها وعلى أبويها وعلى إخوانها وعلى السر المكنون فيها، وعلى مَن التحق معهم مستشهدا أو تابعا ورحمة الله وبركاته ، وخير الختام بقول الشاعر الكبير محمد بن نصّار (رحمه الله تعالى) إذ يقول  :

تالله لا انسى الحسين بكربلا          مذ آب للتوديع وهو يقول

من ذا يقدم لي الجواد ولامتي     والصحب صرعى والنصير قليل
فأتته زينب بالجواد تقوده             والدمع من ذكر الفراق يسيل

وتقول قد قطعت قلبي يا اخي           حزنا فاليت الجبال تزول

فلمن تنادي والحماة على الثرى         صرعى ومنهم لا يبل غليل

ما في الخيام وقد تفانا اهلها                الا نساء وله وعليل

أرايت أختا قدمت لشقيقها               فرس المنون ولا حمى وكفيل


د . احمد حسن السعيدي

أخترنا لك
الامام المهدي وعد الله

اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان