التأصيل العقدي لمفهوم سلطة الفقيه في الفكر الاسلامي.

2020/01/22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين، أبي القسام محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
بعد غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الصغرى كانت المؤسسة الدينية تتجه نحو نمط جديد من التركيب القيادي يختلف ذاتياً وهيكلياً عن مرحلة ما قبل الغيبة. فالقيادة التي كانت منحصرة في شخص الإمام المعصوم (عليه السلام) كانت تمثل قيادة عامة تشمل كل ميادين الحياة، ويرجع إليها الفرد المسلم في كل شؤونه الفكرية والاجتماعية والسياسية. وكانت تمثل قمة الهرم في تركيبة المؤسسة الدينية، فلا مشاركة لموقع الإمام المعصوم ولا منافسة على مهامه ولا اعتراض على رأيه؛ لأنّ الإمامية الاثني عشرية يعتقدون بوجود إمام واحد في عصره، معصوم عن الخطأ والزلل، وأنّ قوله وفعله وتقريره حجة، وأنّ الرادّ عليه كالراد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثَمّ هو ردّ على الله تَعالى.
وبغيبة الإمام المنتظر (عليه السلام) الكبرى عام 329 هـ، انتقلت القيادة إلى الفقهاء الذّين ألزم الإمام الغائب شيعته بالرجوع إليهم لسد الفراغ الكبير الذّي تركته غيبته (عليه السلام). فراح الناس يرجعون في شؤونهم إلى الفقهاء ليستفتونهم في أمور دينهم ودنياهم، لأنّ الفقيه الجامع للشرائط هو نائب عن الإمام الغائب، لما لزمهم به ائمتهم فقد جاء عن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السلام) قوله: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه) ويمكن أنْ أقسم الكلام إلى مطلبين؛ الأول، ابحث فيه عن مراحل ولاية الفقيه وتطور المصطلح. والثاني، اخصصه لأدلة ولاية الفقيه العقلية منها والنقلية على حد سواء.
المطلب الأول: مراحل ولاية الفقيه وتطور المصطلح.
لقد تزامنت مسألة ولاية الفقيه من انطلاقه بداية الفقه اي عند تصدي الفقهاء لمسالة الافتاء في القرن الرابع الهجري، وهو غيبة الإمام المهدي، فقد كانت هناك الاعتقاد بولاية الفقيه المتصدي للزعامة الدينية، ومن هنا امكن عدها من مسلمات الفقه الشّيعي الاثني عشري؛ لأنه لا يكاد كتاب فقهي شيعي من المتقدمين والمتأخرين يخلو من هذا التنظير، والاختلاف الحاصل بينهم هو اختلافاً من ناحية التفصيل والإيجاز في هذه الولاية، لا الاختلاف في أصلها، بمعنى هل أنّ ولاية الفقيه تختصر على الأمور الحسبية أو أنّها تتعدّى للسياسة وإدارة الدّولة وشكل الحكم. ويمكن أنْ أقسّم المراحل التي مرّت بها ولاية الفقهاء الإمامية بعد عصر الغيبة على ثلاث مراحل أساسية هي:
المقصد الأول: التأسيس:
تمتد هذه الفترة من عصر الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر في القرن الرابع الهجري إلى بداية القرن العاشر، وهو بداية قيام الدّولة الصفوية، فهي فترة امتازت بالابتعاد عن السياسة وما يتعلق بها من الحكم والدّولة، حتى تركت بعض القضايا التي ترتبط بالسياسية من قبيل صلاة الجمعة والقضاء والقصاص؛ لأنها من مهام الإمام المعصوم وإقامتها مشروط بإذن الإمام المعصوم ورضاه في تنفيذ الأحكام. وعلة ذلك أنّ الحكم السائد في تلك الفترة -في اعتقادهم- وجود حكم ظالم وغير شرعي (كان الاعتقاد السائد ان السلطات الحاكمة غاصبة للحكم، من حيث أنّ الأئمة هم الحكام الشرعيون، ومن نصبوه من الأمراء والحكام من دون سواهم).
ويقول الشيخ الطوسي في النهاية: (من استخلفه سلطان ظالم على قوم، وجعل إليه إقامة الحدود، جاز له أنْ يقيمها عليهم على الكمال، ويعتقد أنّه إنّما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق "الإمام المعصوم" لا يأذن سلطان الجور، ويجب على المؤمنين معونته عليه من ذلك، ما لم يعتدّ الحقّ).
ويقول العلامة الحلي في نهاية الاقدام: (والسلطان عندنا هو الإمام المعصوم، فلا تصح الجمعة إلا معه، أو مع من يأذن له. هذا في حال ظهوره . أما في حال الغيبة فالأقوى أنه يجوز لفقهاء المؤمنين إقامتها).
ونلحظ أنّ هذه المرحلة ترتكز على إذن الإمام المعصوم كونه يمثل الولاية الشرعية من جهة، وربطه بالفقيه في ممارسة الحكم من جهة أخرى، إذ رسخ العلماء في هذه الفترة جذور نظرية ولاية الفقيه، في كل باب من أبواب الفقه، وربطها بالإمام العادل المعصوم أو السلطان العادل إلا أنّ مرور الفقهاء كان مروراً سطحياً خالياً من أي تعمّق وتفاصيل وكيفية وصف ولاية الفقيه.

المقصد الثاني: التطور.
تمتد هذه المرحلة من القرن العاشر الهجري حتى نهاية القرن الثالث عشر، أي من بداية قيام الدّولة الصفوية التي أعلنت مذهب التشيع مذهباً رسميا للبلاد، واستمرت مع تسنم القاجاريون سدة الحكم على وفق الاسس التي قامت عليها الأولى، وانتهت مع الحركة الدستورية في ايران.
وعلى ما يبدو أنّ (الأفكار التي طرحت في العصر البويهي، التي أسست لإمكانية إقامة حال من التعاون بين العلماء وأجهزت الدّولة، هي التي مهّدت للتعاون بين المؤسسة الدينية والحكم الصفوي، فعلى الرغم من التشدد الظاهر في منع أشكال التعاون مع السلطات الحاكمة، بوصفها حكومات جور، مما يجعل هذا التعاون وسيلة لتكريس الظلم والجور، فإنّ هناك مسوّغاً ما للتعاون، وذلك فيما إذا كان يؤدي إلى إنصاف المظلومين).
احتضنت الدّولة الصفوية جملة من العلماء، فشكل نوعاً من مؤسسة دينية رسمية مشرفة إشرافاً مباشراً على الشؤون الدينية والقضاء، عرفت باسم (الصدر)، أو (صدر الصدور) وكان من أبرز العلماء الذّين التحق بها هو المحقق الكركي (ت940ه) الذّي يعد أول الفقهاء الذّين كشفوا عن آرائهم بصورة واضحة حول ولاية الفقيه حيث جاء في كلامه: (فإن الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الإمام، ولهذا تمضي أحكامه). وهذا يقتضي بأنّ كل نصب يتمتع بكلّ ما يجوز للإمام من أحكام شرعية وسياسية وإدارة حكم، هو جائز للفقيه.
ولكن لم يدم هذا الاحتضان طويلاً فسرعان ما حدث ما لا يروق، وذلك: (لوقوع الخلاف بين المحقق الكركي والملوك الصفويين، واضطره للهجرة إلى العراق، فان الفرصة لم تتسنى له لكي يضع أفكاره موضع التطبيق، أو يبحث بالتفصيل أحكام بناء الدّولة).
ثم أتى بعد ذلك الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1228ه): (حصر أهلية الولاية العامة في المجتهد الجامع للشرائط، يمارسها بنفسه أو يأذن للحاكم الفعلي في ممارستها. فأنْ تيسر فبها، وإلا جاز لذوي الشوكة من المؤمنين التصدي لممارسة الولاية العامة، تأسيساً على أنّها من الضرورات التي لا تترك لفقد من يملك الحد الأعلى من شرور التأهل لها).
تعدّ هذه المرحلة تحولاً كبيراً بمسألة ولاية الفقهاء، ويكمن ذلك بأنّ ولايتهم قد تحوّلت من ولاية تقليدية منحصرة في بعض أبواب الفقه إلى ولاية عامة تنبسط على كل مفاصل الفقه، وإنْ كان على مستوى التنظير لا من حيث الممارسة إلا أنّها أخذت بُعداً وحيزاً يختلف تماماً عن مرحلة التأسيس، والسبب في نظري يعود إلى أمر هو أنّ الرمزية الخاصة بالزعيم، التي كانت مكرسة للإمام المعصوم في الأذهان فقط أو بعبارة أخرى هي صورة مقدسة بقيت عالقة بالأذهان مفتقرة للواقع العملي والاجتماعي المتمثل بالفقهاء، فإنّ الروح التي سادت طيلة تلك الفترة التي تعلّق الأحكام على الإمام المعصوم، كانت السبب في تقاعس الشّيعة في تفعيل دور الفقهاء، وقد بدأت تتضاءل تدريجاً في الواقع المعاش أو مرحلة التطور.
المقصد الثالث: التبني.
إنّ طول فترة غيبة الإمام الثاني عشر لدى الإمامية ترك حرجاً كبيراً عند الفقهاء في تناول موضوع السلطة العادلة خارج إطار الإمامة المعصومة، ما اضطر بعضهم للتصدّي لسدّ مسألة السلطة، والعمل السياسي الشرعي، وهذا ما أكده السيد الخميني في قوله: (دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر سيما مع هذه السنين المتمادية، ولعلها تطول والعياذ بالله  إلى الألف من السنين والعلم عنده تَعالى). 
بعد التمهيد من الكركي ثم كاشف الغطاء، جاء دور الشيخ أحمد النراقي (1244ه) الذّي نقل دور الفقيه إلى مستوى جديد فقد أعتمد أسساً تجاوز بها من سبقه حتى أقام تنظيراً مستقلاً لنيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، واعطاها للمرة الأولى مسمى (ولاية الفقيه) التي ستصبح موضع جدل طويل لم ينتهِ حتى اليوم.
بدأ النراقي بحثه في ولاية الفقيه بالإشارة إلى أنّ مسائلها لم تحرر من قبل، وبهذا صرح: (رأيت كثيراً من المصنفين يحولون كثيراً من الأمور إلى الحاكم في زمن الغيبة ويولونه فيها. ولا يذكرون عليها دليلاً. ورأيت بعضهم يذكرون أدلة غير تامة. ومع ذلك كان ذلك أمراً مُهما غير منضبط في مورد خاص). ومن هنا أخذ يطنب بالاستدلالات بأنّ الفقهاء هم نواباً عن الأئمة المعصومين وولايتهم ثابتة للفقهاء.
وبعد طرح هذه الرؤية اختلف مصطلح ولاية الفقيه عما سبق، لأنّها كانت سابقا ولاية تتعلق بالأمور الحسبية من الفقه، إلا أنها بعد الشيخ النراقي استقل هذا الاصطلاح (ولاية الفقيه) واخذ منحى اخر مغاير للمعنى الأول، فولاية الفقيه أصبحت تطلق على الولاية العامة للفقيه وان من يتبناه هو يكون فقيها سياسيا بامتياز يسعى لإنشاء دولة اسلامية تخضع للفقيه مؤتمرة بأمره ومنتهية بنهيه.
وإلى هذا ذهب الشيخ علي كاشف الغطاء (ت 1253ه): إلى أنّ ولاية الفقيه هي: (مثل ولاية المعصوم. فثبتت له في عصر الغيبة ما ثبت للإمام من السلطة الدينية والزمنية، والولاية العامة لأمور الناس، والرياسة المطلقة والزعامة الشاملة). بل كلّ ما كان للنبي أيضاً من ولاية، فهو للفقيه أيضاً إلا ما أخرجه الدليل.
هذه القاعدة هي المنطلق الأساسي في دعوة الخميني إلى وجوب تشكيل حكومة إسلامية في نهاية الستينيات من القرن العشرين، إذ لما كان من البديهي ضرورة تنفيذ الحكم استلزمت تشكيل حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست منحصرة ومحدودة في زمانه، فهي مستمرة أيضاً بعد رحلته.
ويعدّ السيد الخميني من أبرز الفقهاء المعاصرين الذّين استطاعوا نقل ولاية الفقيه من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي التنفيذي، بعد مقدرته على تأسيس أول حكومة إسلامية على أساس الفقه الإسلامي الاثني عشري.
فولاية الفقيه تعني حاكمية الفقيه وبسط سلطته ونفوذه في الدّولة، فهو أعلى سلطة في الدّولة كما هو الحال في إيران وولايته حاكمة على رئيس الدّولة فضلاً عمّن هو أقل منه رتبة ومنصباً. وهي بطبيعة الحال من المسائل الخلافية بين علماء الاثني عشرية من حيث السعة والضيق في صلاحية الفقيه وبسط يده في الاحكام الشرعية والسياسية.
المطلب الثاني: أدلة ولاية الفقيه.
وبعد البيان السالف في تبلور ونضج مصطلح ولاية الفقيه، وقبل الولوج في أدلتها، ينبغي السؤال هل أنّ ولاية الفقيه –بمعناها المتبنى اليوم- هي مسالة فقهية أم أنها من مسائل علم الكلام؟.
والجواب يأتي من يعتقد بصحتها ويؤمن بشرعيتها بأنها من مسائل علم الكلام محتجين بأنها لطف من الله تَعالى لعباده، وهذا ما جاء عندهم: (إنّ حكومة الفقيه العادل العارف بزمانه هي من الأمور التي تقرّب الناس إلى الصلاح وتبعّدهم عن الفساد قطعاً، وهذا هو المقصود من اللطف، وقد ثبت وجوبه عن الله سبحانه، وكذلك فان فيها إسعافهم بما فيه مصالحهم وردعهم عما فيه من مفاسدهم جزماً، وهو مقتضى الحكمة، وهذا يرجع بحثه إلى علم الكلام كما هو واضح).
ويقال أيضاً: (إنّ أصل ولاية الفقيه يعود إلى علم الكلام، ولكن تبحث هذه المسالة في علم الفقه، أيضاً لكي تتوضح من خلال ذلك لوازمها الفقهية في ما يجب وما لا يجب). أي تقضيه قيمية البحث في ما ينبغي أن يكون، لا في ما هو كائن.
والسبب يعود في إدراج ولاية الفقيه من مسائل علم الكلام هو كسب الشرعية في حدود هذه الولاية بأن كلّ ما كان للإمام المعصوم ما خلا العصمة فهو للفقيه، وبما أن الإمامة هي مسألة كلامية فقد أدرجت مسألة ولاية الفقيه معها لذات السبب الذّي يقتضي بوجوب الإمامة على الأمة وفقاً لمعتقد الاثنا عشرية.
قدّم القائلون بولاية الفقيه في معرض استدلالهم أربعة أقسام من الأدلة هي:
المقصد الأول: الأدلة النقلية.
يستدل على ولاية الفقيه بالمعنى المذكور بأدلة نقلية كثيرة، أذكر بعضها كونها تعدّ العمدة والأساس في إثبات صلاحية الفقيه السياسية وارداته لمسالة الحكم مع الأخذ بشرعية تلك الصلاحية بوصفها تفويضاً من الله عن طريق النَّبِيّ والإمام المعصوم.
ما رواه الكليني عن عمر بن حنظلة قال: (سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل، فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سُحتاً، وإنْ كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تَعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}.
قلت فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله). ويستفاد من الرواية في مقام الاستدلال أمرين هما:
أولاً: تحريم التحاكم إلى حكام الجور.
لقد نهى الإمام في مقام جوابه عن سؤال السائل، عن الرجوع إلى حكام الجور في المسائل الحقوقية أو الجزائية نهياً عاماً. وهذا يعني أنّ من رجع إليهم فقد رجع إلى الطاغوت في حكمه، وقد أمر الله ان يكفر به، فالشرع يأمر أنْ لا نأخذ بما حكم به حكّام الجور (فإنّ ما يأخذه سحتاً وأنّ كان حقاً ثابتاً له)، فيحرم على المسلم أنْ يترافع إليهم في دين له على أحد، فستوفى دينه بأمرهم وحكمهم، فلا يجوز له التصرف فيما أعطي.
ثانيا: إطلاق الولاية.
يستدل من متن الرواية (فإني قد جعلته عليكم حاكماً) هو التصدي للعمل السياسي، والإعراض عن مراجعة السلطان الجائر، وعلى الناس أنْ يرضوا به حاكماً يرجعون إليه في قضاياهم ومنازعاتهم، ولا يحق لهم الرجوع إلى غير الفقهاء الجامعين للشرائط؛ لأنهم أمناء على الخلق، وعلى هذا الاساس، فالفقيه هو الحاكم العام بجعل ولي الأمر الثابت بلا سلب لهذا الجعل من قبل ولاة الأمر الشرعيين بعده، كما أنّ الرواية تستدعي الخضوع والإذعان لحكم الفقهاء، فحكمهم بمثابة حكم الإمام المعصوم (عليه السلام) من حيث الحجية ولوزم القبول والانقياد والطاعة، ويستفاد من قوله (فليرضوا به حكماً) دعامة عقائدية ينطلق منها الفقيه في ولايته المطلقة.
تصّنف الرواية المذكورة ضمن علم الحديث الشّيعي بأنّها مقبولة، وكما هو معلوم بأنّ خبر الآحاد مع صحته ليس له الأهلية أنْ يثبت أمراً عقدياً، ولا سيما أنّ من تبنى ولاية الفقيه جعلها من مسائل علم الكلام، فكيف تثبت رواية مقبولة أمراً عظيماً وهو منصب الإمامة الذّي يعد أصلاً من أصول التشيع؟!، نعم الأمر مصروفاً عنه النظر إذا عدت مسألة من مسائل الفقه، وهذا ما ذهب إليه بعض الباحثين: (والانصاف يقتضي منا ان نقول: إنّ مسألة ولاية الفقيه... وإن بحثت على ضوء بعض القواعد الكلامية، وانها ترتبط بأسسها الكلامية؛ لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة كونها مسألة فقهية وإنّ معظم مباحثها مباحث فقهية).
المقصد الثاني: الأدلة العقلية.
يستدل أيضا بأدلة عقلية كثيرة على إثبات هذا المَدْعى، سأذكر منه دليل واحد فقط.
الدليل الأول: يتألف هذا الدليل من مقدمتين:
الأولى: إن التوحيد العملي، أو توحيد الطاعة لله سبحانه في المجتمع البشري لا يتم عقلاً إلا عن طريق نصب الولي.
الثانية: إنّ الولي الذّي يمكن عقلاً أنْ يطبق من خلاله توحيد الطاعة لله في المجتمع في عصر الغيبة، ليس إلا الفقيه العادل.
النتيجة: إنّ توحيد الطاعة لله في المجتمع البشري لا يمكن تحقيقه عقلاً في عصر الغيبة إلا عن طريق نصب الفقيه العادل.
توضيح المقدمتين:
المقدمة الأولى: إنّ دعوة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) تقوم على أساس التوحيد العملي ونفي الطاعة والخضوع لغير لله وحصر الطاعة والخضوع لله تَعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، فبعثة الأنبياء لتربية المجتمع البشري على عبادة الله والخضوع له في كلّ شؤونه الحياتية، كما بعثوا بالصلاة وسائر العبادات الخاصة، كأساليب تربوية توصل إلى طاعة الله وذلك عن طريق نظام اجتماعي مؤتمراً بأوامر الله وملتزماً بنواهيه. والقضية الأساسية التي جاهد من أجلها الأنبياء وتحملوا كل مصاعب الدعوة هي التوحيد العملي اي طاعة الله العملية، ونفي الطاعة والخضوع لغير الله.
توضيح المقدمة الثانية: 
إنّ الولي الذّي يمكن عقلاً أنْ يطبق عن طريقه توحيد العملي لله في المجتمع في عصر الغيبة، ليس إلا الفقيه العادل، لأنّ القائد الإلهي الذّي تحقق من خلال الطاعة لله لا يمكن ان يكون إلا عالماً بكلّ ما أراده الله تَعالى من الإنساني في مختلف شؤون الحياة، وهذا بطبيعة الحال، ينحصر مصداقه، في عصر الغيبة في الفقيه العالم بالشريعة الإسلامية علماً مستوعباً عن دقة وفهم، ولا يمكن أنْ يكون إلا عادلاً ملتزماً في عمله وسلوكه بشريعة الله التزاماً كاملاً ليكون مأموناً من الزيغ فلا تؤدي طاعته إلا طاعة الله ولا اتباعه إلا إلى اتباع ما شرّع الله تَعالى.
فاذا صحت هاتان المقدمتان كان الأمر لا يخلو عن أحد الأمرين:
 الأول: أنْ نرفع اليد عن الطاعة لله، والتوحيد العملي في حياتنا الاجتماعية في عصر الغيبة بمعنى نكون بغير تطبيق إسلامي. 
والثاني: إنّ التوحيد العلمي الذّي هو منحصر بالفقه العادل، فالأول باطلٌ بالضرورة في الشريعة الإسلامية بل بكل الشرائع الإلهية، فيتعين الأمر الثاني، وهو تطبيق التوحيد العلمي بالمتمثل بالفقيه العادل.
ويمكن التعقيب على ذلك بالقول: إنّ لجوء القائلين بولاية الفقيه المطلقة إلى الأدلة العقلية يكمن في أمور هي:
أولاً: قصور الأدلة النقلية في الاستدلال إمّا متناً أو سنداً، وهذا القصور لا يصح الاستدلال به على مسالة خطيرة هي: (منصب الإمامة)، وخصوصا بان من تبناها وادرجها من المسائل العقائدية، العقيدة لا تثبت بحديث مشكوك بسنده.
ثانياً: تقديم الأدلة العقلية هي بمثابة الانخراط والاتجاه نحو علم الكلام، وفي نهاية المطاف درجها تحت مفهوم (الإمامة) وقاعدة اللطف، فيكون موقعها في العقيدة الشّيعية كموقع الإمامة المعصومة، وهذا ما صرّح به الكثير بأنّ (ولاية الفقيه من شؤون الولاية والإمامة التي هي من أصول المذهب).
ثالثا: الحرج الكبير الذّي مر به فقهاء الإمامية –كما تقدم ذكره- طيلة فترة غيبة الإمام الثاني عشر خلق روح التقاعس الذّي ساد في نفوس الشّيعة، وربما تندثر جملة من عقائدهم، فهذا السبب دفع ببعض الفقهاء إلى أنْ يتصدوا لزعامة الدينية والسياسية بتشكيل حكومة تقوم على أساس الفقاهة؛ لتعيد الأمل لمن يئس من طول الانتظار، ومن هنا لا بدّ من تقديم أدلة عقلية إلى تؤدي هذه الحركة الجديدة.
ويرى الباحث أنّ الأدلة العقلية هي أوجه وجهاً وأكثر تقبلاً من الأدلة النقلية التي استدلوا بها؛ لذا تعد مسالة ولاية الفقيه من المسائل العقدية لتمام ادلتها العقلية، وكل مسألة تأصيلها وبنيتها التحتية عقلية فهي مسألة عقدية لا فقهية، ومن هنا جاز لنا ان نوسم بحثنا بهذا العنوان (التأصيل العقدي لسلطة الفقيه في الفكر الإسلامي).
اهم مصادر المقال:
1-     اصول الكافي للكليني.
2-    الحكومة الاسلامية للسيد الخميني.
3-    عوائد الأيام في بيان قواعد استنباط الأحكام  للنراقي.
4-    الفكر السياسي الإمامي المعاصر دراسة في نظريتي ولاية الفقيه وولاية الامة للمحمد علي الحكيم.
5-    نظريات السلطة في الفقه الشّيعي لمحسن كديور.
6-    نظرية السلطة في الفقه الشّيعي دراسة ما بعد ولاية الفقه لتوفيق السيف.
7-    ولاية الامر لحيدر ال حيدر.   

 

د . احمد حسن السعيدي

أخترنا لك
الاحكام التشريعية بين مادية الفعل وميتافيزيقية الغرض.

اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان