فقه الحب والبغض 10 : المرحلة الأولى في تحديد معنى الحب والبغض في الله . الحاجة التشريعية لتحديد موازبن الحب والبغض في الله .

2020/06/01


بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه . الدرس ١٠ السبت  . ١٥ شهر رمضان.  ١٤٤١
فقه الحب والبغض . الحاجة التشريعية لتحديد موازبن الحب والبغض في الله .
الحاجة لتشريع أحكام الحب والبغض في الله .
ونختصر الكلام في ذلك بنقاط  :
1_ كما أن فعل الحسن والخير يقتضي الحب فإن ارتكاب الشر والقبيح يقتضي البغض فقد جبلت النفوس على حب الخير وبغض الشر ومن ذلك يتفرع حب فاعل الحسن وبغض مرتكب القبيح .
2_ ولا ريب أن الحسن مراتب ، والقبح مراتب، وأن منشأ الحب والبغض فيه يتفاوت قوة وضعفا بحسب مراتبه فإكرام السائل بتفاحة لمحض أنه اشتهاها عندما رآها فعل حسن بمرتبة أدنى بكثير من حسن أنقاذ غريق استغاث بالناس وهو يكاد يهلك .
كما أن قبح سلب التفاحة من نفس ذلك السائل أدنى بكثير من قبح من أغرقه بعد أن أنقذه المنقذ ، وهو أدنى بكثير ممن أغرقه وأغرق معه من أنقذه وهكذا ما يتفرع على الحسن والقبح من حب وبغض فإن مراتب الحسن والقبح تقتضي حبا وبغضا بدرجات متفاوتة تتناسب طرديا مع مرتبة الحسن والقبح .
وكذلك غالب مناشئ الحب والبغض الأخرى كالعدل والإحسان، والظلم والعدوان .   
3_ أن حسن العمل الصالح كما تتفاوت مراتبه بحسب الفعل نفسه فإن مراتبه تتفاوت أيضا من جهة من قُدم له ذلك العمل الصالح وكذلك قبح العمل السيء تتفاوت مراتبه بحسب من ارتكب فيه حقه ذلك العمل ، فحسن الطاعة يتفاوت بحسب مراتب كمال من يطاع كما أن قبح المعصية يتفاوت بحسب مرتبة كمال من يعصى ويتفاوت اقتضاء الحب والبغض شدة وضعفا تبعا لذلك .  
4_ أن المذنب في ما يجترأ عليه من هتك لحرمات الله عز وجل تقتضي معصيته أن يكون مبغوضا أشد مراتب البغض فإن درجة قبح الذنب من حيث ما اشتملت عليه من نسبة الى من ارتكبت في حقه تقتضي أن تبلغ أعظم ما يتصور من قبح للتناسب الطردي بين القبح وبين عظمة من تنتهك حرمته .
5_ فإن ركزنا على هذه الجهة وأهملنا ما سواها وانطلقنا نتفكر فيها ونتأمل في مناشئها ونتحسس آثارها في القلب فإن مرتبة البغض ستتزايد _ طبعا _ بحسب ما ندرك من مرتبة قبحها حتى يشتد بنا البغض، ويعظم الغضب، حتى نكاد نتميز من الغيظ، ونود لو عذبنا مرتكبها أشد العذاب ، ولا نرى في ذلك خروجا عن مقتضى الفطرة والتعقل ، بل نجد أن ذلك ناشئا من مناشئ الحق والطبع السليم ، بل قد نرى في من لا يشعر بما نشعر به من مشاعر البغض الشديد قصورا في الادراك أو جمودا في المشاعر لأن المنشأ في ذلك كله هو شدة القبح العقلي لما صدر منه.
6_ أما إن أهملنا هذه الجهة السلبية الموجبة للبغض، ولاحظنا جهة أو جهات أخرى من الكمال و الحسن والخير في نفس تلك الشخصية التي ارتكبت القبيح، وكانت تلك الجهات مرتبطة بعبادة الله وطاعته مما يزداد حسنا وكمالا من حيث جهة الاضافة الى الله تعالى في بعض ما يتصف به عمل صالح صدر من نفس مرتكب الذنب المفروض في البحث ، ومع التأمل في ذلك واستثارة منشئه القلبي فإننا سننطلق في مراتب الحب الى أعلاها ، وهذا يعني أن جهات الحسن والقبح، والربح والخسران عندما تكون عديدة _كما هي العادة _ فإن آثارها القلبية في مشاعر الحب والبغض تكون متضاربة جدا لما يتجاذب القلب منها بحسب ما يلتفت اليه أو يغفل عنه ، وذلك قد يوجب اضطراب القلب وضلاله عن اصابة ما ينبغي من الحسن ومقتضى الكمال.
7_ ومن جانب آخر فإن الأعمال الصالحة والحسنة  بحد نفسها قد تتفاوت في مراتب حسنها وقبحها تبعا لملاكاتها هي، وما فيها من مصالح ومفاسد فإن لم يعرفها العبد على حقيقتها اضطرب الميزان عنده وصار معرضا  من هذه الجهة أيضا لضلال القلب واضراب مشاعره الحسنة ، فقد يظن أن ترك رد السلام  في الصلاة هو الأنسب بالكمال لما فيه من إعراض عن الخالق الى المخلوق ، أو أن شرك الوالدين موجب للتبري منهما لكون حق الله عليه أعظم من حق الوالدين ، أو أن التائب من الذنب لا يستحق في السلوك الا العفو، وفي القلب الا المقت ، أو يحسب أن الصوم أعظم من الصلاة أو أن الزنا أشنع من الغيبة ، أو أن التوسل بالله ينافي التوحيد ، فإن انكشف عنه الغطاء وعرف غير ذلك اختلفت المناشئ التي تقتضي الحب والبغض في الله لديه .
ومن ثم فإن من لم يعرف مرتبة الأهمية  في الفسق العقدي لدى الشارع على الفسق السلوكي قد ينتهي الى بغض من ينبغي حبه في الله أو يتورط بحب من ينبغي بغضه في الله .
فقد روى الحسن بن محمد الديلمي في ( الارشاد ) عن الباقر ( عليه السلام ) قال : احبب حبيب آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وإن كان فاسقا زانيا ، وابغض مبغض آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وإن كان صواما قواما .
والحديث وإن لم يكن معتبرا سندا صالحا لإثبات مضمونه ، ولكنه مطابق لإطلاق بعض النصوص العامة في لزوم تولي المؤمن فينبغي _ في مقام البحث _ أن يؤخذ بنظر الاعتبار ، إن لم يكن له معارض .
ومن هنا عظمت الحاجة للبيانات التشريعية التي تبين الأحكام الشرعية للحب والبغض وتكشف كشفا إنيا عن حدود الحسن والقبح ، وتضع بالقسط موازين الكمال والنقص ، إذ لولا ما ورد من هدى من الشارع في تحديد حدود ذلك وبيان أولويات الحب والبغض في الله لتخبط العارفون بالله فضلا عن غيرهم  تخبطا عظيما بين افراط وتفريط في الحب والبغض ، و لضل المحبون لله تعالى فضلا عن المعرضون عنه  ضلالا بعيدا بسبب عدم إدراكهم للصراط السوي في الحب والبغض في الله .
 و هذا ما يفسر لنا كثيرا مما نجده من الغلو والتقصير في هذا الشأن عند من لم يلتزم بشرعة الله ومنهاجه ولم يتمسك بالثقلين ويعتصم بهما من الضلال  في هذا الشأن .
ولعله لأجل ذلك كان العلم بالأحكام أشرف العلوم بعد العلم بما يحقق الإيمان الواجب بحسب بعض الأحاديث منها ما رواه الشيخ الصدوق ره في علل الشرائع قائلا : أبي رحمه الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي قالوا قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام : ان لي ابنا قد أحب ان يسألك عن حلال وحرام لا يسألك عما لا يعينه ؟ قال : فقال ، وهل يسأل الناس عن شئ أفضل من الحلال والحرام .
وروى البرقي في المحاسن (عن محمد بن عبد الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبيه قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : إن لي ابنا قد أحب أن يسألك عن حلال وحرام ، لا يسألك عما لا يعنيه ، قال : فقال لي : وهل يسأل الناس عن شئ أفضل من الحلال والحرام ).
والأقرب أن الواقعة واحدة  
والحمد لله رب العالمين على ما أنعم من هدي شرعه الحنيف وعلى ما وصلنا من ذلك مما يحدد للعباد سبل الرشاد .  

السيد حسين الحكيم


*ملاحظة " بحث استدلالي فقهي رمضاني في موضوع أخلاقي قد تكون فيه أحكام شرعية إلزامية فيها نصوص قرانية وحديثية كثيرة ولكنها لم تأخذ نصيبها المناسب من البحث الفقهي علما أن المدونات لا تمثل الرأي النهائي بل هي خلاصة للمسودة التي تطرح للمناقشة في الدرس"
أخترنا لك
الحب والبغض في الله 12 : المرحلة الثانية في الأدلة على حكم الحب في الله تعالى . المقام الأول الدليل القرآني ، المقام ال

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة