فقه الحب والبغض (8) : المرحلة الاولى في المراد من ( الحب والبغض في الله ) . أصالة الحب في الله وتفرع البغض في الله عنه

2020/06/01

بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه . الدرس ٨  الثلاثاء . ١١ شهر رمضان.  ١٤٤١
فقه الحب والبغض . المرحلة الاولى في المراد من ( الحب والبغض في الله ) . أصالة الحب في الله وتفرع البغض في الله عنه ، الحاجة التشريعية

أصالة الحب في الله وتفرع البغض في الله عنه
ثم إن تحقق ذلك حقيقة لا توهما وتصنعا وإدعاء أوجب بحسب طبع القلب نفرة وبغضا لكل من يبغضه أو يعاديه أو يبغض أوليائه أو يعاديهم ، بل قد ينجر الى بغض كل من يخالفه أو يعصيه فإن دواعي بغضه ومناشئه مكتملة فيه لولا أن بعض من يعصيه فيه من مقتضيات حبه وموالاته ما يربو على ذلك .

وقد يستفاد من مجموع  الأدلة  كما سيأتي إن شاء الله تعالى أن الأصل في الأمر هو الحب لله تعالى فهو المنعم الخالق البارئ المصور، وهو الولي وهو العلي العظيم الحكيم الرحمن الرحيم .

وأن البغض في الله إنما يكون لأعدائه وأعداء أوليائه ومن ثم ورد النصوص التي تأمر بالبغض في الله أو بما يستلزمه على عناوين فرض فيها كون المبغوض معاديا لله تعالى .

إن قلت : لا يمكن البناء على ذلك بنحو مطلق فإن الشيطان الرجيم قد يكون بغضه أصيلا ليس متفرعا على حب الله تعالى والإيمان به ، فقد وردت النصوص الشريفة لتوكد كونه عدوا للإنسان نفسه وتدعو الى بغضه ببيان شدة عداوته للإنسان من قبيل قوله تعالى : ( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ، وقوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ، وقوله تعالى : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) مما يكشف بظاهره عن كون المنشأ في العداوة معه التي هي من أهم مناشئ البغض له هو كونه عدوا خطيرا جدا للإنسان ، وقوله تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ () وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ () وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( يس62 ).  

 أو ببيان كونه داعيا الى الشر والقبيح كقوله تعالى : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (النور21)  

نعم قد يكون جانب من البغض الناشئ من تلك العداوة ليس أصيلا وإنما هو متفرع على حب الله تعالى كما قد يستفاد من قوله تعالى : (  وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ()إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة 169 ).

ولا مانع من أن فيه منشئان للبغض عدواته المتأصلة للإنسان وصده عن سبيل الله تعالى .
وعليه فلا يمكن البناء مطلقا على كون البغض الحسن بطبيعته متفرعا على الحب ، وأن الأصالة منحصرة بالحب ، بل يمكن تعقل البغض الأصيل الصالح المتعلق بالشيطان . واحتمال ذلك كاف في رفع اليد عن دعوى أصالة الحب لله لكل بغض حسن .

قلت : أن هذا التحقيق في بغض الشيطان وإن تم فإن غاية ما يقتضيه كون بعض البغض الحسن ليس متفرعا عن الحب والإيمان ، ولكن البغض في الله تعالى الذي هو موضوع البحث لا يعقل الا أن يكون متفرعا على حب الله والايمان به ، فإنه بغض (في الله ) وليس لذلك معنى واضح الا ما تقدم من كون المنشأ في البغض هو الإيمان بالله تعالى وشدة حبه .

فيتحصل أن البغض الحسن صنفان هما البغض لعدو الإنسان نفسه الذي يكيد له ويعاديه فالنفوس مجبولة على بغض من أساء اليها بل من مطلق أراد بها سوءا ومن أوضح مصاديقه الشيطان الرجيم الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير .
   
والبغض الثاني هو البغض في الله _ وهو محل الكلام _  وهو بغض كل من يعادي الله تعالى وكل ما يوجب البعد عنه ومن أوضح المصاديق التي ينبغي تعلق البغض بها هو عدو الله الأول الشيطان الرجيم لعنه الله وأخزاه و أجارنا منه.

فالحب في الله هو الاصيل والبغض في الله متفرع عنه ، والشيطان مبغوض مرتين مرة لعداوته لنا ومرة لعداوته لله .

وقد ينطبق ذلك على أتباع الشيطان بل على من هو كالشيطان في هذه الجهات .  


السيد حسين الحكيم

*ملاحظة " بحث استدلالي فقهي رمضاني في موضوع أخلاقي قد تكون فيه أحكام شرعية إلزامية فيها نصوص قرانية وحديثية كثيرة ولكنها لم تأخذ نصيبها المناسب من البحث الفقهي علما أن المدونات لا تمثل الرأي النهائي بل هي خلاصة للمسودة التي تطرح للمناقشة في الدرس"

أخترنا لك
الحب والبغض في الله 11 : المرحلة الثانية في الأدلة على حكم الحب في الله تعالى . المقام الأول في الدليل القرآني .

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة