فقه الحب والبغض 9 . المرحلة الاولى في المراد من ( الحب والبغض في الله ) . أصالة الحب في الله وتفرع البغض في الله عنه ، البغض في الله ومفهوم ( نبذ الكراهية ) . الحاجة التشريعية.

2020/06/01

 بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه . الدرس ٩ الاربعاء . ١٢ شهر رمضان.  ١٤٤١
فقه الحب والبغض . المرحلة الاولى في المراد من ( الحب والبغض في الله ) . أصالة الحب في الله وتفرع البغض في الله عنه ، البغض في الله ومفهوم ( نبذ الكراهية )  . الحاجة التشريعية

هذا ولكن الانصاف _ بعد المذاكرة مع الأعزة _ يقتضي القول بأن البغض في الله تعالى على قسمين :
الأول : ما يكون متفرعا على الحب في الله وناشئا منه كما في بغض النواصب في الله فإن المنشأ في بغضهم هو الحب في الله المتعلق بالنبي وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ، ومنه أيضا بغض الخارجين عن طاعة الله تعالى فإن بغضهم متفرع على الحب في الله تعالى المتعلق بطاعات الله تعالى ، ومنه بغض من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أو سعى في هدم الكعبة المعظمة أو سعى في هدم قبور الأئمة الطاهرين فبغضه متفرع على حب ذكر الله وحب المساجد وبالخصوص الكعبة الشريفة ، أو على حب خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته وحب رحابهم الطاهرة ومواضع زياراتهم .

الثاني : ما لا يكون متفرعا على الحب في الله من قبيل البغض في الله المتعلق في من يسب الله تعالى ، ولكنه عادة ما يكون متفرعا على حب الله تعالى نفسه أو الإيمان به.

البغض في الله ومفهوم (نبذ الكراهية)  :
والمهم في الأمر أن يتضح لكل منصف أن ثقافة البغض في الله ليست من الأمور التي يمكن التجرد منها بحسب الفطرة السليمة الانسانية العامة ، كما قد نصادف كثيرا من الشعارات المعاصرة التي قد تطرح في مواجهة التعصب الطائفي أو الديني عبر مشاريع الوحدة الاسلامية أو حوار الأديان تحت عناوين عديدة من أهمها ( نبذ الكراهية ) التي تحول تدريجا الى جزء لا يتجزأ من الخطاب الوحدوي الاسلامي أو الديني عموما والتي هي في الغالب تستند الى مبادئ نبيلة  تستهدف تخليص البشرية من كثير من الإحن والضغائن التي تسبب الصراعات الدموية وتهدد السلم البشري ، والتي تكون غالبا بسبب الأخطاء الفاحشة في تشخيص ما ينبغي بغضه التي تورث التطرف الذي ينجر غالبا الى التطرف المضاد ثم تذكو جمرة التطرف عندما يتذرع كل من الطرفين أو الأطراف بما يجدونه عند الآخرين من تطرف ضدهم، فما ظنك بما ستؤول اليه الأمور  .

وهذا هو المكمن الرئيس للأزمة التاريخية المستعصية الذي يجب حله بإشاعة ثقافة الاعتراف بوجود الآخر والدعوة الى العدل والاحسان عبر مبادئ ( لا يجرمنكم شنئآن قوم الا تعدلوا  اعدلوا هو أقرب للتقوى ) و ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) و ( قولوا للناس حسنا ) فهي مبادي تؤصل للتعايش السلمي ونبذ أسباب التوتر ، دون أن تطالب الانسان بعدم كراهية الشر والعدوان وانتهاك الحرمات التي تظهر عادة في مفهوم ( البغض في الله ) .

إن مطالبة الانسان بأن يترك البغض للباطل والشر والعدوان وانتهاك الحرمات هي دعوة تستبطن في داخلها رفع الحصانة الذاتية من كل ذلك وهي لا تقل خطورة عن الدعوة للقبول بالجرائم والانتهاكات الفضيعة ، بل هي عينها .

إن الدعوة الى الغاء البغض في الله لأجل معالجة مشكلة اجتماعية أو سياسية كبيرة هي أشبه بالدعوة الى قلع العين التي تدمع أو قطع اليد التي تعاني من دمامل مؤلمة ، أو كالدعوة الى عزل الدين عن الواقع الاجتماعي والسياسي للتخلص من تبعات لا تترتب على الدين نفسه بل على استغلاله بشكل خاطئ بسبب تحريف بعض الأديان أو ضعف التفقه في الدين أو سوء التدبير للمحافظة على المصالح العامة .

والموضوع هام وخطير ينبغي معالجته بتفصيل أكثر في بحث فكري مستقل .

الحاجة  لتشريع أحكام الحب والبغض في الله .
ونختصر الكلام في ذلك بنقاط  :
1_ كما أن فعل الحسن والخير يقتضي الحب فإن ارتكاب القبيح والشر يقتضي البغض فقد جبلت النفوس على حب الخير وبغض الشر ومن ذلك يتفرع حب فاعل الحسن وبغض مرتكب القبيح .

2_ ولا ريب أن الحسن مراتب والقبح مراتب وأن منشأ الحب والبغض فيه يتفاوت قوة وضعفا بحسب مراتبه فإكرام السائل بتفاحة لمحض أنه اشتهاها عندما رآها حسن بمرتبة أدنى بكثير من حسن من أنقذ غريقا استغاث به وهو يكاد يهلك .

كما أن قبح سلب التفاحة من نفس ذلك السائل أدنى بكثير من قبح من أغرقه بعد إنقاذه وهو أدنى بكثير ممن أغرقه وأغرق معه من أنقذه فمراتب الحسن والقبح تقتضي الحب والبغض بدرجات متفاوتة تتناسب طرديا مع مرتبة الحسن والقبح .
وكذلك غالب مناشئ الحب والبغض الأخرى .  
 
3_ أن حسن العمل الصالح كما تتفاوت مراتبه بحسب الفعل نفسه فإن مراتبه تتفاوت أيضا من جهة من قُدم له ذلك العمل الصالح وكذلك قبح العمل السيء تتفاوت مراتبه بحسب من ارتكب فيه حقه ذلك العمل ، فحسن الطاعة يتفاوت بحسب مراتب كمال من يطاع كما أن قبح  المعصية يتفاوت بحسب مرتبة كمال من يعصى ويتفاوت اقتضاء الحب والبغض تبعا لذلك .

فقه الحب والبغض في الله, [٠٥.٠٥.٢٠ ٢٣:١٢]
4_ أن المذنب في ما يجترأ عليه من هتك لحرمات الله عز وجل تقتضي معصيته أن يكون مبغوضا أشد مراتب البغض فإن درجة قبح الذنب من حيث ما اشتملت عليه من نسبة الى من ارتكبت في حقه تقتضي أن تبلغ أعظم ما يتصور من قبح للتناسب الطردي بين القبح وبين عظمة من تنتهك حرمته .

5_ فإن ركزنا على هذه الجهة وأهملنا ما سواها وانطلقنا نتفكر فيها ونتأمل في مناشئها فإن مرتبة البغض ستتزايد _ طبعا _ بحسب ما ندرك من مرتبة قبحها حتى نكاد نتميز من الغيظ ونود لو عذبنا مرتكبها بأشد العذاب .

6_ فإن لاحظنا جهة حسن مرتبطة بعظمة الله تعالى في بعض ما يتصف به عمل صالح صدر من نفس مرتكب الذنب المفروض في البحث وأهملنا كل ما سواها فإننا سننطلق في مراتب الحب الى أعلاها .

7_ ومن جانب آخر فإن الأعمال الصالحة والحسنة قد تتفاوت في مراتب حسنها وقبحها تبعا لملاكاتها هي وما فيها من مصالح ومفاسد فإن لم يعرفها العبد على حقيقتها اضطرب الميزان عنده فقد يظن أن الصوم أعظم من الصلاة أو أن الزنا أشنع من الغيبة فإن انكشف عنه الغطاء وعرف غير ذلك اختلفت المناشئ التي تقتضي الحب والبغض في الله لديه .
ومن ثم فإن من لم يعرف مرتبة الأهمية  في الفسق العقدي لدى الشارع على الفسق السلوكي قد ينتهي الى بغض من ينبغي حبه في الله أو يتورط بحب من ينبغي بغضه في الله .
فقد روى الحسن بن محمد الديلمي في ( الارشاد ) عن الباقر ( عليه السلام ) قال : احبب حبيب آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وإن كان فاسقا زانيا ، وابغض مبغض آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وإن كان صواما قواما .
والحديث وإن لم يكن معتبرا سندا صالحا لإثبات مضمونه ، ولكنه مطابق لإطلاق بعض النصوص العامة فينبغي _ في مقام البحث _ أن يؤخذ بنظر الاعتبار .
 ومن هنا عظمت الحاجة للبيانات التشريعية التي تبين الحدود وتكشف عن الموازين ، ولولا ما ورد من هدى من الشارع في تحديد حدود ذلك وبيان أولويات الحب والبغض فيه لتخبط العارفون تخبطا عظيما بين افراط وتفريط في الحب والبغض ، و لضل المحبون لله تعالى ضلالا بعيدا بسبب عدم إدراكهم للصراط السوي في الحب والبغض في الله ، ومن ثم نجد كثيرا من الغلو والتقصير في هذا الشأن عند من لم يلتزم بشرعة الله ومنهاجه ولم يتمسك بالثقلين ويعتصم بهما من الضلال  في هذا الشأن .
والحمد لله رب العالمين على ما أنعم من هدي شرعه الحنيف وعلى ما وصلنا من ذلك مما يحدد للعباد سبل الرشاد .
أخترنا لك
تعزيَّةٌ واعيةٌ وتذكرَةٌ قَيِّمَةٌ

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة