مكّة المكرّمة والكعبة المعظّمة

2020/03/22

#السيرة_٩

مكّة:
إنّ مكة تقع بوادٍ غير ذي زرع ذو أرض شديدة الملوحة تحيطها الجبال ليس فيها ماء إلا ماء زمزم وما يُجلب لها من الخارج، تحيطها سلسلتين من الجبال فلا تُرى من بعيد، كانت مبنيّة قبل بناء إبراهيم للبيت، وكانت آهلة بالسكّان.

قيل إنها مشتقة من مكَّ، مكَّ فلان أي أهلكه، فسيمت مكّة لأنها تمكّ الجبارين أي تهلكهم، أو من مكّ بمعنى مصّ لقلة مائها فإنها كانو يستخرجونه، وسميت بعدّة أسماء تنم عن مدى أهميتها ومكانتها في النفوس، منها:
١- أم القرى: لأنها أعظم القرى شأناً، (لِتُنذِرَ أمّ القُرَى وَمَن حَولَهَا).
٢- البلد والبلد الأمين: (لَا أُقسِمُ بِهَذَا البَلَدِ)، (وَهَذَا البلَدِ الأمِين).
٣- بكّة: من بكّ الشيء أي فرقه ومزقه، وسميت بذلك لأنها تبكّ آفاق الجبارين إذا أرادوا فيها الظلم، وهذه التسمية تشابه الأصل (مكة) ولا فرق في المعنى، بل اختلاف في لهجات القبائل، (إنّ أوّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلعَالَمِين).
٤- البيت الحرام: تشرفت مكّة فسميت بالبيت الحرام الذي جعله الله قبلة للعالمين.
٥- ذكر عالم الفلك بطليموس اسم مدينة (Macoraba)، وقال بعض الباحثين أنها مكة، وإنّ صح فذلك يدل على اشتهارها في القرن الثاني بعد الميلاد عند العرب ووصول صيتها الى اليونان، وأصل الكلمة عربية أصابها بعض التحريف من مكربة أي مقربة لأنها كانت تقرب الناس لله.

وسميت أسماء أخرى وردت في المعاجم.

وطلب النبي ابراهيم أن يخص مكة بالأمن ويرزق أهلها، (وَإذ قَالَ إبرَاهِيمُ رَبِّ اجعَل هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارزُق أهلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَن آمَنَ مِنهُمْ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِر).

كانت مكة من أحبّ البلدان للنبي (ص) فقد وقف عام الفتح على جمرة العقبة وقال: (والله إنكِ لخير أرض الله، وإنكِ لأحب أرض الله إلي، ولو لم أُخرَج ما خرجتُ)، وقال: (من صبر على حر مكة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام، وتقربت منه الجنة مائتي عام).

قربها من البحر الأحمر ساعد على وصل الطريق التجاري من أفريقيا وحتى سوريا، ومما زادها أهمية كون الكعبة فيها مقصداً لزيارة موسمية تأتيها قوافل الحجيج، وكذلك هاجرت اليها قبيلتين بعد دمار سيل العرم في جنوب شبه الجزيرة الذي ذكرناه وهما جرهم وخزاعة، استولت جرهم على الزعامة في مكة  حتى مجيء خزاعة فدار صراع شديد انتهى باستيلاء خزاعة للزعامة، وانتزعتها منها قريش في أيام أول زعيم لها وهو قصي بن كلاب وهو الجد الأكبر للنبي (ص)، الذي تزوج بإبنة أحد كبار خزاعة.

الكعبة:
المشهور إنّ من وضعها هو النبي إبراهيم، لكننا نجد في كلمات الإمام علي (ع) أنها مبنيّة منذ النبي آدم وكان إبراهيم مشيد قواعدها ورافعها، وأول من جددها بعد إبراهيم هو قصي، وكان سقفها من خشب شجر الدوم وجريد النخل، وكانت في عهد قصي قائمة في فلاة لا يبني أحد حولها إعظاماً لها، فلما آل إليه أمر مكة اختط ساحة حولها عدها حرماً آمناً، وأباح للناس البناء وراء تلك الحدود.

ثم تضعضع بنيانها بسبب السيل وحريق أصاب كسوتها، فهدمته قريش وأعادوا بناءه في أيام الرسول (ص)، واستعملوا فيه الحجارة والخشب، ورفعوا بابها كي لا تدخلها السيول، وجعلوا في بطنها درجاً يُصعد منه الى ظهرها، وكان داخلها يحتوي على تماثيل وصور الأنبياء والملائكة منها صورة المسيح وأمّه مريم، ولم يذكر التأريخ مصدر هذه الصور إن كان من الشام أو العراق أو محليّاً، وظنّ أحد الباحثين أنها من مخلفات السفية اليونانية المتحطمة في ساحل الحجاز إذ كانت تحمل الصور والرخام لكنائس اليمن فاشترى أهل مكة بقاياها، وورد أن قريش كانت تفتح بابه يوم الأثنين والخميس ولا يسمحون دخوله بالنعل احتراماً.

وكانت تحتوي الكثير من الأصنام، وكلها مع الصور أزيلت بأمر النبي (ص) عام الفتح.

وكانوا يقدّسون الكعبة ويحترمونها كما أشرنا، وكان الهنود يعتقدون أن روح سيفا وهو الأقنوم الثالث عندهم قد حلت في الحجر الأسود، حينما زار هو وزوجته بلاد الحجاز، والصابئة من الفرس والكلدانيون يعدون الكعبة أحد البيوت السبعة المعظمة، واليهود أيضا كانوا يعظمونها، ويدّعون أنهم يعبدون الله فيها على دين إبراهيم (ع)،  ويشهد على وجود صورة المسيح وأمّه تعظيم النصارى لها كذلك، وكانت العرب تعظّمها أيضاً وتعتبره بيتاً لله، بل كانت مصدر عزة العربي وأمله، وكيف لا وكل الأمم تنظر إليه بعين الحسد لأجلها، حتى أقام الغساسنة بيتاً في الحيرة في مقابلها، وفي نجران أيضاً سموها كعبة نجران لتضاهي الكعبة، وفي الشام الكعبة الشامية، وفي اليمن الكعبة اليمانية، ويكفي أن نذكر أن أبرهة بن الأشرم أقام في اليمن بيتاً ودعا الناس الى تعظيمه، والحج إليه، وكتب إلى ملك الحبشة: (اني قد بنيت لك كنيسة لم يبنِ مثلها أحد قط، ولست تاركاً العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه)، لكنه لم يصرف اليمنيين عن الكعبة فضلاً عن غيرهم.

ومن الجدير بالذكر أنها سميت بالحمساء ونُسب اليها طوائف الحمس.

مصادر بحث السيرة (٩)/
١- تاريخ العرب في الإسلام، د.جواد علي.
٢- تاريخ الإسلام التحليلي، د.جعفر شهيدي.
٣- الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج٢، المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي.
٤- موسوعة سيرة أهل البيت ج١، الشيخ باقر شريف القرشي.
٥- سيد المرسلين، محاضرات الشيخ جعفر السبحاني بقلم جعفر الهادي.

الباحث المحقق

IMG_20200322_113539_829

أخترنا لك
أبعاد الروح الإنسانية ومعنى الفطرة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف