ضعف أدلّة القائلين بأوّليّة سورة المدّثّر والفاتحة

2020/03/07

التفسير (٧)

ذكرنا في السابق ثلاث شواهد لأولية سورة العلق، وهي الروايات الدالة على ذلك صراحةً، ومضمونها المناسب لذلك، وروايات قصة نزول الوحي، ونذكر في هذا البحث الشاهد الرابع والأخير على ذلك.

الشاهد الرابع على أولية سورة العلق: الحصر
وبيانه أنّ الأقوال في السورة الأولى متعددة ذكرناها سابقاً، أشهرها ثلاثة، وهي العلق والمدّثّر والفاتحة، فإذا تبيّن ضعف أدلة السورتين المدّثّر والفاتحة فينحصر القول في سورة العلق، هذا مختصر الشاهد.

القول بأوّلية سورة المدّثّر وتفنيده:
هذا القول مستند إلى رواية الزهري عن النبي (ص) أنه قال: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرُعبت منه فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ...)، فحمي الوحي وتتابع).

ولكن يلاحظ على هذا القول بوجهين:
١- أن مضمون السورة واضح في أنها لا تلائم أن تكون أول السور نزولاً، وسبق أن بينّا ذلك بتفصيل.
۲ - أن هذه الرواية لا تصلح دليلاً على أولية سورة المدثر، لأنها لا تتحدث عن أول سورة نزلت، وإنما تتحدث عن عودة الوحي بعد فترة من الانقطاع، وحسب القرائن أنه قد وقع فترة لم ينزل على النبي (ص) فيها شيء، فيبدو من هذه الرواية أن الذي نزل بعد فترة الوحي هي سورة المدثر، ويؤكد ذلك ما جاء في ذيل الرواية: (فحمي الوحي وتتابع).

إذن، ليس مفاد هذه الرواية أن سورة المدثر هي أول السور منذ بداية الوحي، بل أولها بعد فترة انقطاع الوحي، كما لاحظ ذلك جماعة من علماء أهل السنة أنفسهم، منهم ابن تيمية، ولكن لهذه الرواية صيغة أخرى صريحة في أن المدثر أول السور نزولاً، لكنها تعارض حديث عائشة عندهم، وكِلا الحديثين صحيحين عندهم، فلا رافع للتعارض بدون قرائن أخرى.

القول بأولية سورة الفاتحة وتفنيده:
 يستند هذا القول الى أحد وجوه:
١- حديث مرسل رواه أهل السنة عن بعض التابعين، لكنه لا ثقة بمراسيل التابعين من جهة احتمال أخذهم عن تابعيّ آخر غير ثقة.

مضافاً إلى معارضة هذه الرواية برواية عائشة والزهري، فلا يحصل الوثوق بمثل هذه الروايات المتعارضة، وربما هي ترجيح لبعض أهل العلم جعلوها في صورة رواية کي يقع موقع القبول.

۲- تسميتها بفاتحة الكتاب أو بفاتحة القرآن في الأحاديث النبوية والآثار الواردة عن الصحابة، ومقتضى ذلك أنها السورة التي افتتح بها الكتاب عند نزوله، فهي أول ما نزل، ولا يمكن الاعتماد على هذا القول لوجوه:

الأول: وهو إجمالي، إنّ تسمية هذه السورة بالفاتحة إذا كانت تسمية قديمة في زمان النبي (ص) وكانت بهذا الاعتبار اقتضى ذلك وضوح هذا الأمر لدى الصحابة، فكيف أمكن وجود أقوال أخرى منها رواية عائشة والزهري، وكان الملائم معه عدم الخلاف في الموضوع، فربما يكون عدم ابتناء التسمية على اعتبار نزولها.

الثاني: إنّ المفسرين ذكروا في وجه تسميتها بالفاتحة وجهين آخرین:
الوجه الأول: أن تكون التسمية من باب افتتاح الصلاة بها، لكن يلاحظ على هذا الوجه: أنه إنما يصح أن يقال لهذه السورة (فاتحة الصلاة) لا (فاتحة الكتاب).

الوجه الثاني: أن تكون من باب افتتاح المصحف بها، وقد يلاحظ عليه أن ترتيب المصحف إنما حدث لاحقا في آخر عصر عثمان عند توحيد المصاحف، وربما أن الأحاديث النبوية التي عبرت عنها بفاتحة الكتاب كانت في الأصل قد صدرت بتعبير آخر مثل: (أم الكتاب)، ولكن الصحابة بعد توحيد المصاحف وغلبة اسم فاتحة الكتاب عليها نقلوا تلك الأحاديث بالتعبير الذي راج عندهم لاحقا اختصاراً على سبيل النقل بالمعنى، ومما يساعد عليه أن بعض الآثار الواردة عن النبي (ص) جاء فيها لفظ (الفاتحة) في نقل، ولفظ آخر مثل أم الكتاب في نقل آخر.

٣- ما ورد عن النبي من أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وسورة العلق تدل على وجود صلاة قبل هذه السورة، فلا بد أن تكون الفاتحة قد نزلت قبل سورة العلق، لكن هذا القول لا يدل على أن الصلاة منذ بداية تشريعها كانت متقوّمة بالفاتحة، وإنما يعني أنه لا صلاة حين صدور هذا القول إلا بها، كالعديد من الأقوال الواجبة فيها، نظير ما جاء من أنه عندما نزل: (سبح اسم ربك الأعلى) قال (ص): (اجعلوها في سجودكم)، وعندما نزل: (فسبح باسم ربك العظيم) قال (ص): (اجعلوها في ركوعكم).

علماً أن ما جاء في القرآن الكريم هو الأمر بقراءة القرآن، وأما تحديد ذلك بالفاتحة ثم سورة أخرى بعدها إنما هو من سنن النبي (ص).

ورغم ذلك فإنّ القول بأولية الفاتحة يبدو بعيداً في نفسه بالتأمل الجامع، لوجهين:
١ - ما سبق من أن ما جاء في هذه السورة من مضامين تلائم مرحلة متأخرة من الدعوة عن بدايتها بالمقارنة مع سورة العلق.

۲- أن سورة الفاتحة هي أبرز سور القرآن الكريم، فهي في كفة وسائر سور القرآن في كفة أخرى، من جهة أن سورة الفاتحة جزء ثابت من القرآن الذي تجب قراءته في فريضة الصلاة، والتي هي العمود الأساس للدين، والفريضة الأولى في الإسلام، ولا تصل إلى مكانة سورة الحمد أية سورة أخرى، حتى سورة العلق والمدثر.

وعلى ضوء الالتفات إلى هذا الأمر يمكن القول إنه لو كانت سورة الفاتحة هي السورة الأولى نزولاً لكان ذلك أمراً واضحاً أو مشهوراً، ولم يكن حديث أوليتها بهذا الغموض والإبهام.

وبالنظر لما تقدم، ليس هناك مؤشر مهم نقلي على أولية أية سورة أخرى غير سورة العلق، وقد ظهر من الشواهد الأربعة السابقة أن سورة العلق هي الأرجح بأن تكون أول سورة نزولاً أو إعلاناً.

المصادر/
١- محاضرات السيد محمد باقر السيستاني في تفسير القرآن.

الباحث المحقق
أخترنا لك
الخرافات عند العرب في الجاهلية قبل الإسلام

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف