نظرية شكر المنعم

2020/03/04

العقيدة (٦)

الدافع الثامن للبحث في الإلهيات والدين: شكر المنعم

النعمة: هي المنفعة الحسنة الواصلة الى الغير بقصد الإحسان إليه، ومنها دفع المضرّة بل هو أولى من جلب المنفعة.

والشكر: هو الاعتراف بنعمة المنعم مع التعظيم له، ولا يكفي الاعتراف وحده، ومحلّه ثلاثة: القلب للاعتراف بالنعمة، واللسان للحمد عليها، والأعضاء التي تساعد في خدمتها وردّ الجميل, وهذا هو الشكر الكامل، وقيل إنّ قواعد الشكر خمسة وهي: خضوع الشاكر للمشكور وحبّه له واعترافه بنعمته والثناء عليه بها وألّا يستعملها فيما يكره.

هناك تقريران لنظرية شكر المنعم:

الاول: المتعارف بين العقلاء أنّ من يسدي خدمة أو نعمةً لغيره، فهو يستحق الشكر والتقدير على قدر إحسانه وبواعثه التي حفزته على ذلك، فالعقل يستقل (بغض النظر عن ملاحظة وجود مصلحة) بلزوم شكر المنعم ويحكم بقبح تجاهل فضله ويذمّ عدم شكر نعمته، وشكر المنعم دستور فطري عاطفي قبل أن يكون حكماً عقلياً، فإن عواطف الإنسان مجبولة على الميل الى من ينعم عليه، وكلما كانت النعمة أكبر وأعظم، تتحرك عاطفة الإنسان نحو المنعم أكثر، وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): (الإنسان عبد الإحسان)، وعن النبي الأعظم (ص): (إن الله جعل قلوب عباده على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها)، وحينما سألت عائشة النبي (ص) عن سبب إرهاق نفسه بالعبادة وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال (ص): (أفلا أكون عبداً شكوراً).

الثاني: أن عدم تحصيل معرفته يوجب ترك شكره، ويحتمل على ذلك سلب النعمة عنه أو العقاب الأخروي له، والفرق بين التقريرين من جهة ملاك الإلزام العقلي فالأول ناشئ من حكم العقل بقبح تضييق حق المنعم والثاني ناشئ عن حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل.

 قيل في التقرير الثاني أن هذا الاحتمال بعيد، لأن الناظر يرى الكافر بصحة ونعمة فلا ينقدح هذا الاحتمال بذهنه، وأنّ شكر المنعم بهذا المعنى لا يفهم منه العقاب الأخروي، بل زوال النعم الظاهرية فقط، نعم هذا ينتفي بكون أن الدوافع تقوّي بعضها بعضاً، وباجتماع دافع شكر المنعم مع دافع دفع الضرر المحتمل الآتي بعده يكون تامّاً.
وقيل فيه أيضاً أن ذلك يجعل من شكر المنعم وجوباً غيرياً لا ذاتياً وهذا يخالف ظاهر كلمات العلماء بأنه وجوب قائم بذاته، ولذلك قال بعضهم أن التقرير الثاني هو دليل ثاني لا تقرير آخر لنفس النظرية، لأن شكر المنعم ناظر الى حق المولى ودفع الضرر ناظر الى جانب العبد.

ولا شكّ أن كل مدرك شاعر يعلم بالإلتفات أن لديه الكثير من النعم الظاهرة والباطنة، وبأدنى التفات يعلم أن لها سبباً وموجداً، وعلى تقدير وجود المنعم الحقيقي، فيجب شُكره عقلاً، ولا يتحقق شكره إلا بمعرفته، لأن الشكر هو الثناء عليه بما يليق به وما ينبغي له أو فعل المحبوب أو الأعم منهما، ولو كان الشكر أقل من استحقاق المشكور فربما يُعدّ استخفافاً وإهانة، وليس شكره هو خصوص الطاعة وامتثال الأمر فيكون عندئذٍ دورٌ في البين، لأن شكره سيتوقف على ثبوت وجوب الطاعة ومعرفة المطاع.

واحتمال الوجوب العقلي بوجود المنعم، يكفي للفحص عن الأمر.

وعلى ما ذكرناه فإنّ لشكر المنعم دليلان: الفطرة والعقل. 

روي عن الإمام علي (ع) قوله: (لو لم يتوعد الله عباده على معصيته، لكان الواجب ألا يعصى شكراً لنعمه)، وروي عن الإمام الصادق (ع): (في كل نفسٍ من أنفاسك شكر لازم لك..).

ونِعم الله لا تعد ولا تحصى، أوّلها أصل الوجود، وثانيها الفهم والمعرفة والتفكير ووسائلهم، وأول سورة النحل ذكّر الله الإنسان بالعديد من نعمه سبحانه، وقال سبحانه في كثيرٍ منها: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) و(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) أو (يَعْقِلُونَ) أو (يَتَفَكَّرُونَ)، وعن أمير المؤمنين (ع): (ولو فكّروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا الى الطريق وخافوا عذاب الحريق ولكن القلوب عليلة والبصائر مدخولة).

روي عن النبي (ص) أنه قرأ عند قوم فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)، فقال: قولوا ما أول نعمة؟ فخاضوا في الرياش والمعاش والذرية والأزواج، فقال: قل يا أبا الحسن! فقال: أن خلقني ولم أكُ شيئاً مذكوراً، وأحسن بي فجعلني حياً متفكراً واعياً شاعراً ذاكراً وهداني لدينه ولن يضلني عن سبيله، وجعل لي مردّاً في حياة لا انقطاع لها، والنبي يقول في كل كلمة: صدقت، ثم قال: فما بعد ذلك؟ فقال: (و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، فتبسم النبي وقال: لتهنك الحكمة، ليهنك العلم، أنت وارث علمي والمبين لأمتي).

فإن قيل إنّ في الحياة ضرراً وشقاءً فكيف تكون نعمة؟ قلنا أن ذلك لا يقدح في أنها نعمة، لأن الضرر إن كان من الله فهو سبحانه يعطي العوض عنه وزيادة، وإن كان من غيره فهو سبحانه يأخذ له حقّه منه، هذا إجمالاً ويأتينا تفصيله في بحث الشرور.

يتبع في الإشكالات التي وردت على النظرية..

المصادر/
١- أجوبة الشبهات الكلامية ج١ التوحيد، محمد حسن قدردان قراملكي.
٢- أصول الدين، السيد كاظم الحائري.
٣- الموجز في منهج العقيدة الاسلامية، السيد هاشم الهاشمي.
٤- بداية المعرفة منهجية حديثة في علم الكلام، حسن مكي العاملي.
٥- صراط الحق في المعارف الاسلامية والأصول الاعتقادية، محمد آصف محسني.
٦- عصرة المنجود في علم الكلام، زين الدين علي بن محمد بن يونس العاملي النباطي البياضي.
٧- الرؤية الكونية الإلهية دراسة في الدوافع والمناهج، الشيخ علي العبود.

الباحث المحقق

أخترنا لك
أبعاد الروح الإنسانية ومعنى الفطرة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف