صلة الماضي بالحاضر والهدف من دراسة التاريخ

2020/02/29

السيرة (٢)

صلة الماضي بالحاضر:
في خضم الصراع الحضاري الذي يخوضه الإنسان والذي بدوره له أشكال وأساليب متعددة، تحتاج البشرية إلى دراسة التأريخ دراسة موضوعية مستفيضة؛ إذ إن حياة المجتمعات ليست أحداثاً متباينة ومنفصلة عن بعضها البعض، وإنما هي استمرار، يضع الماضي كل ما حصل عليه من عمله الدائب، وجهاده المستمر في صميم هذا الحاضر، ليستمد منه الكثير من عناصر قوته وحركته، ووسائل تطوره، ثم تقدمه بخطى ثابتة ومطمئنة نحو المستقبل الذي يطمح له، ويصبو إليه.

فمن الطبيعي إذن، أن نجد لكثير من الأحداث التاريخية، حتى تلك التي توغلت في أعماق التاريخ، حتى لا يكاد يظهر لنا منها شيء، نجد لها آثاراً بارزة، حتى في واقع حياتنا اليومية الحاضرة، بل تظهر آثارها في حياة الشعوب، وفي تصرفاتها، بل وفي مفاهيمها وعواطفها، فضلاً عن تأثيرها على الحالة الدينية، والأدبية، والعلمية، والسياسية، والاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وغير ذلك، وإن كان تأثير هذه الأحداث يختلف شمولاً وعمقاً من أمة لأخرى، ومن شعب لآخر.

مهمة التاريخ:
أما مهمة التاريخ، فهي أن يعكس بدقة وأمانة حياة الأمة في الماضي، وما مرت به من أوضاع وأحوال، وما تعرضت له من هزات فكرية، وأزمات اقتصادية واجتماعية وغيرها.
وهذا يؤكد لنا أهمية التاريخ، ويبرز مدى تأثيره في الحياة، ويعرفنا سر اهتمام الأمم على اختلافها به تدويناً، ودرساً، وبحثاً، وتمحيصاً، وتعليلاً، فهي تريد أن تتعرف من خلال ذلك على بعض الملامح الخفية لواقعها الذي تعيشه.

ولتستفيد منه كلبنة قوية وصلبة لمستقبلها الذي تقدم عليه، ولتكتشف منه أيضا بعضاً من عوامل رقيها وانحطاطها، ليكون ذلك معيناً لها على بناء نفسها بناء قوياً وسليماً، والإعداد لمستقبلها على أسس متينة وقوية وراسخة.

الهدف من دراسة التأريخ:
يمكن إجماله بما يلي:
أولا: أخذ العبرة والموعظة، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، حيث نجد في القرآن الكريم، ومن خلال ما فصّل الله تعالى لنبيه من قصص الأمم الماضية، من جحودهم استكبارهم عن قبول الحق فساقهم إلى الهلاك وعذاب الاستئصال، نجد في ذلك عبرة لنا.

ثانياً: التعرف على السنن الإلهية في الأمم الماضية، قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، والسنن جمع سُنّة، وهي الطريقة المسلوكة في المجتمع والأمر بالسّير في الأرض لمكان الاعتبار بآثار الماضين، من الأمم الغابرة، حيث لم تنفعهم شواهق قصورهم، وقد جعلهم الله أحاديث يعتبر بها المعتبرون.

وقال الله سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...) فالله سبحانه يبين لنا طرق حياة السابقين من الأنبياء والأمم الصالحة، لنكون على بصيرة بالحق منها وندع الباطل.

وفي وصية الإمام علي (ع) التي كتبها لولده الحسن (ع) إشارة إلى هذين الهدفين، فالإمام يأمر ولده بالاطلاع على مجريات الأحداث في التأريخ والتأمل في أوضاع الأمم السابقة ورجالاتها وتأريخ وأسباب نجاحها وفشلها فيقول: (أحْي قلبكَ بالموعظة، وأمتْهُ بالزّهادة، وقوّهِ باليقين، ونوّرهُ بالحكمة، وذلِّلْـهُ بذكرِ الموت، وقرّره بالفناء، وبصّره فجائعَ الدنيا، وحذّره صولة الدهر وفَحش تقلب الليالي والأيام، واعرِض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين، وسِر في ديارهم وآثارهم فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا وأين حلُّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلُّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم. فأصلح مثواك، ولا تَبع آخرتك بدنياك).

المصادر/
١- الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج١، المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي.
٢- دروس في السيرة النبوية ج١، الدكتور الشيخ عدنان فرحان آل قاسم.

أخترنا لك
الأقوال في السورة الأولى نزولاً، وشاهدٌ تاريخي على كونها سورة العلق

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف