التزاور في الأعياد في ضوء هَدي أهل البيت (عليهم السلام): بُعدٌ ديني وأثرٌ اجتماعي

2026/03/17

زهراء محمد مهدي/ بغداد

 

إنّ من القيم الاجتماعية الأصيلة التي أكّد عليها الإسلام، وأولاها عنايةً واضحةً في النصوص الدينية وسيرة المعصومين (عليهم السلام)، قيمة التزاور وصِلة الأرحام؛ لما لها من أثر بالغ في بناء المجتمع المتماسك، وترسيخ روح الألفة والمحبّة بين أفراده، وقد وردت في هذا المعنى نصوص عديدة في تراث أهل البيت (عليهم السلام)، من أبرزها ما رُوي عن الإمام عليّ (عليه السلام) قوله: "زُر في الله أهل طاعته، وخذ الهداية من أهل ولايته"(1)، وهي كلمة موجزة في ألفاظها، عميقة في دلالاتها، إذ تشير إلى أنّ التزاور إذا انطلق من دافع الإيمان والولاء لله تعالى، فإنّه يتحوّل إلى وسيلة للهداية، وتعزيز الروابط الروحية والاجتماعية بين المؤمنين.

وعن طريق التأمّل في هذا التوجيه العلوي، يتّضح أنّ التزاور ليس مجرّد ممارسة اجتماعية عابرة، بل هو سلوك قيميّ يندرج في ضمن منظومة الأخلاق الإسلامية التي تهدف إلى تقوية بنية المجتمع وتحصينه بروابط المودّة والرحمة، ولهذا نجد أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) قد جسّدوا هذه القيمة في سيرتهم العملية، فكانوا يحرصون على صِلة الأرحام، وتفقّد الأقارب والأصحاب؛ لما يترتّب على ذلك من توثيق العلاقات الإنسانية، وإحياء روح التكافل والتراحم بين الناس.

وفي ضوء ذلك، يتبيّن أنّ صِلة الأرحام والتقارب بين أفراد الأسرة والمجتمع ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل هي واجب ديني ومسؤولية اجتماعية ينبغي أن تضطلع بها الأسرة في المقام الأول، فغرس معاني الرحمة والمودّة بين الإخوة وذوي القربى، وتذكير الأبناء بأنّ صِلة الرحم من أسباب رضا الوالدين ونيل رضا الله تعالى، يُعدّ من الركائز الأساسية في التربية الإسلامية، مثلما أنّ التراحم بين الناس سبب لنزول رحمة الله تعالى، وقد ورد عن النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) قوله: "أفضل الفضائل أنْ تصل مَن قطعكَ، وتعطي مَن حرمكَ، وتعفو عمّن ظلمكَ"(2)، وهو توجيه نبوي يجسّد أرقى صور الأخلاق الاجتماعية التي يقوم عليها بناء المجتمع المتراحم والمتكافل.

 

ومن هنا يمكن القول إنّ التزاور، لاسيّما في مواسم الأعياد، يمثّل مدرسة تربوية واجتماعية تسهم في تنشئة الأجيال على قيم التواصل والتراحم والتكافل، مثلما يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الهوية القيمية للمجتمع الإسلامي؛ ليبقى العيد مناسبةً تتجدّد فيها معاني الأخوة والمحبّة، وتُستعاد فيها الروابط الإنسانية التي دعا إليها الإسلام، وأكّدها أهل البيت (عليهم السلام) في أقوالهم وسيرتهم العملية.

...............

(1)    بحار الأنوار: ج77، ص192 .

(2)   الكافي: ج2، ص107.

أخترنا لك
شعبة التوجيه الديني النسوي في العتبة العباسية المقدسة تنظّم الدورات الصيفية المتنوّعة

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة