إن مسألة الفارق الفكري بين العمل والملل تأتي من حيث التأكيد على جانب مهم من حياة البشر، ألا وهو التفكر الناتج من الفكر: وهو إعمال الخاطر في الشيء، والتفكر التأمل، ويقال فكر في الأمر تفكيرا، أي أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى المجهول(1).
واصطلاحا يعد التفكير عملا عقليا عاما، يشمل التصور، والتذكر، والتخيل، والحكم، والتأمل، ويطلق على كل نشاط عقلي(2).
أما الغاية من ذكرنا لعلاقة الفكر بالعمل، فإننا عبر ما يواجه المجتمع الإسلامي من تحديات صعبة على الصعيد العقائدي، والاجتماعي، والأخلاقي، نتوجه بالقول إلى المتصدين لأمر التربية، منهم الأب والأم في محيط الأسرة، والتربويون في المؤسسات الدينية، والتعليمية، والثقافية، وغاية العمل في هذا المجال يحمل بعدين، هما:
أولا: الحفاظ على الأصول التشريعية الدينية من حيث العمل بها، ونشرها في أرجاء المعمورة.
ثانيا: الحفاظ على الأمة الإسلامية من كيد أصحاب العقائد الفاسدة الذين يحاولون سلب الهوية الإسلامية ممن يعتنقونها، ويبثون أفكارهم المغرضة التي تسعى إلى تغيير اتجاهات الفكر الأصيل إلى هاوية الضلالة.
لذلك فإن إعمال الفكر في سبيل النصح، والإرشاد، والبناء الإنساني في قبال هذه التحديات، يحتاج إلى جهد كبير، وأساليب متعددة، ومن اللازم أن يعي كل منا أنه لا مجال للملل، والخضوع، والتراجع، ولو حدث هذا الأمر، فما عواقبه؟
يقول الله تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (آل عمران:139)، فلو تدبرنا نص الآية الكريمة، فسنجد أن معنى كلمة (تهنوا) يدل على الوهن والضعف من حيث العزيمة على إقامة الدين، ولأن الدين هو روح الحياة، وهو الذي يقود الحياة، فلا وهن ولا ضعف في الإرادة والعمل من أجل الإصلاح الديني، والمكافأة هي العلو (وأنتم الأعلون)، فمن هم الأعلون؟ هم المؤمنون: (إن كنتم مؤمنين)، ولو تدبرنا قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (آل عمران:141)، وذلك لأننا نعيش الاختبار الذي يمحص المؤمنين من الكافرين، فلو تقبلنا مسألة ترك الدفاع عن العقيدة والأخلاق بسبب الضعف والوهن والملل لكثرة الفتن وتزاحمها علينا، فكيف سنمحص ونعرف بأننا مؤمنون؟
لعلنا نذكر شيئا من نتائج ترك العمل الرسالي ضد الشر والضلال بسبب الملل والخضوع لليأس، كالآتي:
1ـ انقطاع الصلة بين الجانب الروحي والعمل من حيث القنوط والاستسلام، فلا يكون للحياة معنى أخلاقي قيمي.
2- سيادة نظام الغاب الذي يأكل فيه القوي الضعيف، وذلك لعدم وجود متصدين لإقامة العدل.
3- انقطاع نسل المصلحين في هذه الحياة الدنيا لانتشار الفواحش.
4- انعدام الأمن، والأمان، والاستقرار بسبب انعدام النظام، وإهمال الأحكام السماوية.
لذلك فإن النفس البشرية التي تميل إلى حالات عديدة وفق الظروف التي تمر بها، تحتاج إلى وقفة فكرية تردعها عن القنوط، وتأخذ بها إلى الارتقاء، فالإصلاح في المجتمع مسؤولية كل فرد، حيث روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "إن الله تبارك وتعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا زبر له، وقال: هو الذي لا ينهى عن المنكر"(3)، ونؤكد أهمية دور الوالدين التربوي والإصلاحي الذي يأتي بثماره في الأولاد لكونهما المؤسس الفكري الأول لهم، ومن ثم التعاون مع المؤسسات الدينية والتربوية والثقافية؛ ليتحقق مبدأ الوحدة والقوة الإسلامية بعيدا عن الكسل والملل والخضوع؛ لتبقى شمس الدين والحق ساطعة، لا تحجبها غيوم الضلال.
..........................
(1) ينظر: لسان العرب: ج5، ص65، وموسوعة المفاهيم الإسلامية العامة: ص149.
(2) ينظر: موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة: ص149.
(3) بحار الأنوار: ج97، ص77.