بقلم : نجوى معروف/ الراية
في إحدى زياراتي لأمريكا في الثمانينيات، أدهشتني إعلانات المفقودين من الأطفال في كل مكان، حتى إن صورهم كانت على علب الحليب! مما زادني حرصًا على أطفالي، حتى إنني اشتريت أساور بلاستيكيّة خاصة كتبت عليها أسماءهم مع العنوان ورقم الهاتف، مع أنني لم أكن أفارقهم، إلا أن التفكير بالمفقودين أقلقني حد الوساوس، تُرى هل ضاعوا أو خُطفوا، هل هم أحياء أم ..؟
وأحزنتني أقوال إحدى أمهات المفقودين في مقابلة تلفزيونية: أتمنى أن يكون طفلي ميتًا لا مخطوفًا، أخشى أن يكون خائفًا يتعرض للتعذيب أو غيره من الإساءات، فالله أرحم به من البشر.
ومع كثرة الكوارث في العالم، وتزايد مشاهد المعاناة من الفقر والتشرد، من الجوع والبرد، من التهجير والموت، كانت قلة الحيلة تقتلني كغيري ببطء مؤلم، فالكوارث الطبيعية والمصطنعة، أصبحت تعتصر إنسانيتنا الفطرية، حتى بتنا ننام على أمل نشرة أخبار خالية من مشاهد الموت، بِتنا ننتظر معجزة إلهية تنهي مآسي هذا العالم، ولكن هيهات هيهات.
وبقدر ما تعاطفت كغيري مع الطفل ريان وذويه، بقدر ما قاومت مشاعر اليأس من نجاته، متمسكة بشعاع التفاؤل، لأبدد عتمة الأفكار بالدعاء والترقب، مُذكرة نفسي بنجاة سيدنا يونس من بطن الحوت، وقصة سيدنا يوسف، ونجاة سيدنا موسى من أوامر فرعون بقتل كل مولود ذكر، لدى سماعه نبوءات الكهنة بولادة ولد يهدد عرشه، صحيح أن سيدنا موسى نجا وعاش في بيت فرعون، إلا أن أغلب المواليد قُتلوا، وذاق ذووهم الحسرة.
بئس العروش التي تدفع بأحدهم للقضاء على البشر كالذباب، ويا لطاعة المعاونين العمياء، في تنفيذ الأوامر دون أن يفكر أحدهم بالخلاص من فرعونه، الذي سيأمره يومًا بقتل أبنائه!
حين يخاف الإنسان من الإنسان، لا عليه، يختل ميزان العدالة، وتعمّ الفوضى وتتفاقم المآسي، حتى يتهيأ لنا أن الحلول مستحيلة.
يكاد عامل الوقت أن يكون المحور الرئيس في حياتنا، بدءًا من مواقيت الصلاة والصيام وإخراج الزكاة، حتى الحج لبيت الله.
فحين يَقتُل أحدنا شخصًا تعدّى عليه، وهو في حالة دفاع عن النفس، لا يُعتبر مُذنبًا، لكنّه إن لم يدافع عن نفسه في التو واللحظة، وأجّل ذلك لينصب له كمينًا أو يجمع معاونيه لمساعدته على قتل المُعتدي، عندها يُصبح مُجرمًا.
القضاء والقدر شيء، وعدم المحاولة في الوقت المناسب شيء آخر.
القحط، التصحّر، الفيضانات، احتلال فلسطين، قضية سوريا، وأزمة لبنان، سد النهضة ونهر النيل، العراق، اليمن، كلها كوارث تفاقمت بسبب التأجيل والتسويف وضاع الوقت في الاستنكار والشجب، ثم التدحرج في نفق الروتين من إعداد اللجان والمؤتمرات والبحوث ودراسة القرارات، والاختلاف في إيجاد الحلول، ثم خلق العقبات في سبيل تطبيقها، وكلما تم الاتفاق على حلّ ما، انفجرت كارثة جانبية أخرى، أو جائحة أو مجموعة متمردة تحت راية لم نسمع بها قط، أو حادث اغتيال، أو فيلم سخيف يختلف عليه القوم ويستنكرون أحداثه التي هزّت أعماقهم ولوثت عيونهم، وشوّهَت حُسن أخلاقهم، وكأنهم مُجبرون على متابعة الفيلم وإبداء آرائهم وصب جام غضبهم فيه، بينما لم يهزّهم تجمد أطفال الملاجئ، وإخراجهم من أحضان أمهاتهم كالدواجن المثلجة!
كثيرًا ما يحتشد الناس في الحوادث القريبة منهم، مبدئيًا من باب الفضول، ثم التعاطف، ثم محاولة تقديم المساعدة، مع أن الأجدى بهم الابتعاد وترك المجال لمن يستطيع المساعدة، دون انتظار أوامر رجال الأمن بإخلاء المكان ووضع الحواجز، وهذا المشهد يتكرر ويُعطّل، ولا حياة لمن تنادي.
قصة ريّان جمعت القلوب ووحدت الدعاء، لكن قدّر الله وما شاء فعل، ثمّة درس خلف كل مأساة، فنحن نجتمع في بيوت العزاء بدافع المواساة والواجب، لكننا لا نشارك في الأفراح إلا ببطاقة دعوة، تُرى متى سنجتمع على هدف واحد ينقذ ما يمكن إنقاذه؟.