جهاد في‮ ‬الفن‮.. ‬جهاد في‮ ‬الحوار

2020/11/08

حنون مجيد


يغري‮ ‬كتاب‮ " ‬جهاد في‮ ‬الفن‮" ‬على أكثر من قراءة ممتعة،‮ ‬لأنه‮ ‬يسرد على لسان الكاتب المصري‮ ‬الكبير‮ ‬يحيى حقي،‮ ‬تجربته الغزيرة في‮ ‬مجال السرد القصصي‮ ‬والروائي،‮ ‬واليوميات والدراسات والمسرح والترجمات،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن عمله الدبلوماسي‮ ‬في‮ ‬السفارة المصرية في‮ ‬أكثر من بلد عربي‮ ‬وأجنبي،‮ ‬ونشاطه هناك‮. ‬الكتاب جاء عبر حوار طويل أجراه معه الصحفي‮ ‬والكاتب المصري‮ ‬البارز مصطفى عبد الله،‮ ‬بذل فيه جهداً‮ ‬بالغاً،‮ ‬ليكشف لنا قارة هذا الكاتب الكبير،‮ ‬وبتفاصيل ثرية في‮ ‬الحياة والإبداع والفكر والسياسة والعلاقات والأخلاق،‮ ‬لم نكن عرفنــــــاها بهذا الشمول من قبل‮. ‬يصدّر الكاتب عبد الله صفحات كتابه،‮ ‬بمقطع صغير على لسان الكاتب الكبير‮ ‬يحترس فيه من‮ "‬قولة‮" ‬أنا التي‮ ‬سترد ما دام الحديث‮ ‬يصب في‮ ‬التجربة الشخصية‮: " ‬أنا مع احترامي‮ ‬والتزامي‮ ‬بالحكمة القديمة،‮ ‬أعوذ من قولة أنا‮" ‬ص5بدأت تجربة الأستاذ عبد الله مع‮ ‬يحيى حقي‮ ‬عندما سافرا معاً‮ ‬عام‮ ‬1984الى إيطاليا،‮ ‬بمناسبة الاحتفالية بتوفيق الحكيم التي‮ ‬أقامها المكتب الثقافي‮ ‬المصري‮ ‬هناك،‮ ‬وأناب عنه حقي‮ ‬لمرض طارئ ألمّ‮ ‬به،‮ ‬فكانت اللقاءات هناك،‮ ‬اللقاءات التمهيدية للاستمرار في‮ ‬ما سوف‮ ‬يؤلف هذا الكتاب‮. ‬يقسم الكاتب كتابه إلى أقسام تبدأ بالحوار الذي‮ ‬استغرق مائة وخمس عشرة صفحة،‮ ‬وموضوعات أخر؛ هي‮ ‬عبارة عن ملاحق وشهادات بدأت بشهادة نجيب محفوظ،‮ ‬وانتهت بشهادة محمد روميش وهو كاتب مصري‮ ‬كبير وغزير الإنتاج،‮ ‬مروراً‮ ‬بأسماء مهمة في‮ ‬عالم الثقافة والأدب مثل؛ فؤاد دوارة،‮ ‬د‮. ‬لويس عوض،‮ ‬أدور الخراط،‮ ‬فتحي‮ ‬غانم،‮ ‬جمال الغيطاني،‮ ‬سعيد الكفراوي‮ ‬وأسماء كبيرة أخرى‮.‬
إنّ‮ ‬ما‮ ‬يحفز على القراءة الممتعة والنافعة في‮ ‬آنٍ‮ ‬واحد،‮ ‬الآراء النقدية‮  ‬والفكرية التي‮ ‬تتعلق بموجهات الكتابة الأدبية،‮ ‬والجانب الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تنتهجه الكتابة المصرية والعربية،‮ ‬وهو هنا حسب منطق الكاتب الكبير،‮ ‬الجانب الاجتماعي‮ ‬تحديداً،‮ ‬مع إيمانه بمتطلبات الكتابة الحديثة وتقنياتها المتجددة‮.‬
افكار ورؤى
وبرغم أن الحوار وما تخلله من أفكار ورؤى ولغة كان ارتجالياً،‮ ‬قائماً‮ ‬على آلة تسجيل،‮ ‬فلقد كان‮ ‬يؤشر على البعد الثقافي‮ ‬واللغوي‮ ‬للرجل الذي‮ ‬كان من دعواته للمثقفين الشباب،‮ ‬إتقان لغة ثانية ولاسيما ألإنكليزية،‮ ‬من أجل قراءة الكتاب بلغته الأم وليس مترجماً‮ ‬ترجمة ركيكة في‮ ‬أغلب الأحوال.لذا فإن إجادة لغة ثانية للشباب العربي‮" ‬إنما هي‮ ‬مسألة حياة أو موت‮" ‬ص73 وهو‮ ‬يجيد ثلاث لغات أو أكثر كالإنكليزية والفرنسية والإيطالية،‮ ‬وله في‮ ‬ذلك ترجمة عدد من‮  ‬المسرحيات والروايات‮.‬يولي‮ ‬الكاتب الكبير عربيته عناية فائقة،‮ ‬ولعل من طريف ذلك أنه أعاد صياغةَ‮ ‬جملةٍ‮ ‬ذات مرةٍ،‮ ‬أكثر من خمس وثلاثين مرةً‮ ‬على سبيل المثال‮. ‬فهو له جهاد مع اللغة‮ ‬يتمنى ألّا‮ ‬يجور أحد على جهاده معها،‮ ‬فما‮ " ‬قنديل أم هاشم‮" ‬إلّا اللغة التي‮ ‬أحاطت ميدان السيدة زينب،‮ ‬بعيون ثلاث؛‮ "‬عين محايدة،‮ ‬عين‮ ‬غاضبة،‮  ‬وعين راضية وكيف انعكس هذا على الأسلوب‮" ‬ص43 ثم أنه في‮ ‬فقرة أخرى من حواره‮ ‬يربط بين اللغة والنهضة الأدبية فيضيف؛‮  " ‬وذلك لأن اللغة هي‮ ‬وعاء الفكر،‮ ‬فإذا ما كانت‮" ‬مبهوقة‮" ‬أو ضيقة‮ ‬يتأثر الفكر بالضرورة،‮ ‬لأننا‮ ‬يجب علينا لكي‮ ‬نتبادل أفكارنا أن نستخدم لغة دقيقة‮. ‬وأنا مؤمن بأنه لا‮ ‬يمكن أن تنمو عندنا نهضة أدبية حقيقية،‮ ‬إلا إذا توجه الاهتمام إلى ضبط الأسلوب وإحكامه بحيث‮ ‬يعكس نصاعة الفكر‮..."‬ص100 ومن إنسانيته وتواضعه ورقّة قلبه وقوفه مع الكومبارس ضد الأبطال،‮ ‬أو بعبارة‮ ‬يمكن تعديلها لسعة دلالتها أنه مع الكومبارس أكثر من الأبطال مستعيناً‮ ‬على موقفه هذا بالمثل الشعبي‮ " ‬العين لا تعلو على الحاجب‮" ‬ثم‮ ‬يقول‮" ‬أنا لم أجرِ‮ ‬وراء الأبطال لكنني‮ ‬مددت من قلبي‮ ‬خيوطاً‮ ‬من الود تربطه بكل كومبارس أقابله أو حتى أشاهده من بعيد على المسرح أو في‮ ‬الشارع‮...."‬ص‮ ‬109 ‮.  ‬
ويجمع حقي‮ ‬بين عمله الدبلوماسي‮ ‬والصياغة الفنية لأدبه،‮ ‬حينما‮ ‬يردّ‮ ‬على السؤال عن إفادته فنياً‮ ‬من حقله الدبلوماسي،‮ ‬إذ‮ ‬يقول؛‮ ".. ‬ومن الدبلوماسية‮ ‬يتعلم الإنسان حسن التصرف،‮ ‬وكيف‮ ‬يتعامل مع المواقف والبشر بلباقة،‮ ‬وهذا كله‮ ‬ينعكس على أسلوب الكاتب عند الكتابة‮" ‬ص78
استعراض‮  ‬صفحات
وحين‮ ‬يستعرض بعض صفحات حياته‮ ‬يشير،‮ ‬من حيث‮ ‬يدري‮ ‬ولا‮ ‬يدري،‮ ‬إلى بعض أوجه الشبه بعميد الأدب العربي‮ ‬طه حسين،‮ ‬إذ كلاهما تزوج من فرنسية،‮ ‬وكلاهما أفاد أو استعان بعينيها،‮ ‬الأول منذ اقترانه بزوجته،‮ ‬والثاني‮ ‬منذ أن كلّ‮ ‬نظره قبل أكثر من عشر سنوات قبل رحيله‮. ‬وهو وطني‮ ‬ونزيه الروح،‮ ‬لم‮ ‬يركض عمره‮ "‬خلف الفلوس‮" ‬ص‮ ‬95 ويضرب أمثلة محلية على ذلك،‮ ‬ثم‮ ‬يفضل عرضاً‮ ‬بإعادة طبع أعماله في‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب،‮ ‬على عرض السفارة الأمريكية في‮ ‬القاهرة على الموضوع عينه،‮ ‬برغم تفاوت المقابل المادي‮ ‬بين العرضين‮! ‬ويبرر ذلك بقوله‮ " ‬لأن علاقتنا مع أمريكا لم تكن على ما‮ ‬يرام ذلك الوقت‮" ‬ص‮ ‬96 ويدافع عن نجيب محفوظ أمام المتشككين بأدبه‮ " ‬والله العظيم أنا أعتبر نجيب محفوظ من معالم مصر الأثرية،‮ ‬لأن هذا الرجل منذ بدأ‮ ‬يكتب عبّر عن عبقرية وأصالة لا حدّ‮ ‬لهما،‮ ‬كما عبّر عن فكر ليبرالي‮ ‬لم‮ ‬يتحول عنه طوال مراحل إبداعه‮" ‬ص‮ ‬101‮. ‬لقد كانت الرحلة مع الكاتب الكبير في‮ ‬ما أفاض به فسحة طويلة عريضة متصلة،‮ ‬أتاحت لنا معرفته من قرب،‮ ‬بقلم كاتب صحفي‮ ‬كبير هو الآخر كان لصبره وجهده ما عرّفنا على شرف العمل الصحفي‮ ‬حينما‮ ‬يكون إبداعاً،‮ ‬يضاف إلى ذلك الشهادات الكريمة والصادقة والممتعة معاً‮ ‬التي‮ ‬صدرت بحق الكاتب الكبير،‮ ‬فدلت دلالة جلية على مكانة الكاتب،‮ ‬ونبل الشهود وكرامة الساحة التي‮ ‬توزعت عليها أعماله الخالدة‮.  ‬الكتاب من إصدارات المجلس الأعلى للثقافة‮  ‬عدد الصفحات مع الصور‮ ‬221 من الحجم الكبير‮.  ‬سنة الطبع‮ ‬.2005


أخترنا لك
هكذا يفتك «فيروس كورونا» بالعالم .. بالأرقام والإحصائيات

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة