قراءة في رواية موت الأم.. اليقظة بفضل تيار الوعي

2020/07/14

عبد الحسن علي الغرابي

صدر آخر منجز للكاتب حنون مجيد روايته الموسومة بعنوان " موت الأم " بطبعة أنيقة صادرة عن دار أمل الجديدة سوريا ـ دمشق الطبعة الأولى 2020 م تضمنت 264 صفحة من الحجم المتوسط .. تناولتها بشغف كموقفي من رواياته وقصصه القصيرة السابقة. ولمعرفتي بقدرات الكاتب تولدت لدي رغبة مسبقة لمتابعة كل ما يصدر له كون الروائي يضع أمام خيالنا مواقف وصوراً وأماكن تتحرك فيها شخصيات حية تشد القارئ بصدق سلوكها ويعبر من خلالها عن فكرة ورأى. هذا ما عودنا عليه دائماً إذ لا يستطيع أن يكتب إلا وفي خياله فكرة معينة يريد أن يثب بها ويضع الدليل على صدقها ، لذلك تجده يتوجه ككاتب موهوب إلى الإخلاص الفني والإبداع.

إن من المسلم به أن جوهر العمل الفني هو المضمون الذي يتلمسه القارئ في مدار الأحداث التي أحاطها بتأثير الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية ونرى انه اعتمد في معظم أجزائها على تيار الوعي فكان يقظاً يرصد المكان والمنظر والحدث ويحرك شخوصه في وسط اجتماعي سكن وتعايش معه وسلك دهاليزه وعرف دروبه وسلوك من حوله  ليزيد من درامية الحدث ويضعنا وجهاً لوجه أمام المأساة التي يطويها كل بطل في أعماقه ليصل بالنهاية إلى الفاجعة والحزن الذي ساد بعتمته أغلب أجواء الرواية ، وهنا تجدر الإشارة إلى أنها من الروايات الطويلة الجادة، كما أنها تختلف عما كتب قبلها وبلا ريب. لقد جاءت هذه الرواية في حقبة حرجة من حياة الشعب العراقي ، تمكن باقتدار عرض الواقع والبناء الاجتماعي المحيط بشخصيات الرواية وجسد تلك المؤثرات المنهجية الفكرية والموروثة والمكتسبة ، والمنعكسة بطريقة تفكيرها وممارساتها السلوكية وأحاط الأحداث بمجالها الاجتماعي في سوسيولوجية الحياة اليومية ، كما لم يغفل عن إيجاد أجوبة ناجعة عبر مساحة ميدان محدد في وسط رصافة العاصمة بغداد التي تعتبر من أقدم مناطقها المأهولة بكثافة اتساع عمقها السكني ، شوارع تجارية وصناعية ، أسواق مكتظة بالحركة من الصباح للمساء ، من هنا تتاح فرصة للقارئ أن يمسك الخيط الأول ليرافق أديباً يتحدث بعاطفته وخياله الخصب ليعالج أمراضاً اجتماعية خلفتها محنة سياسية، ليرسم بإسلوب زاخر بصور مشبعة بالعاطفة وأطرها بالحزن العميق ، لذا وقع اختيار عنوان " موت الأم " فكان اختيارا موفقاً محملاً بفاجعة أم أبنائه ( ليلى ) التي قد تكون الخيط المهم الآخر بما يرمز إليه المؤلف الذي استطاع أن يرصد ويصور بدقة مسرح الرواية في المنطقة التي رسم حدودها الجغرافية توحي للقارئ صورة مصغرة للوطن الكبير بكل ما احتوت ألوانه من أعراق وأديان وطوائف فنجد العرب والكورد والتركمان وصروحاً شامخة وأضرحة لها هالة قدسية بمساجدها وكنائسها.

رؤية تعايش

هكذا انتظم تكوينها ليجمع الدين والدنيا بسلام وأمن واستقرار، وبهذه الرؤية تعايش الجميع بود وعلاقات حميمة رغم تعدد توجهاتهم في ص 102 الشارع منذ الصباح مزهو بالشمس، والحركة عليه دائبة بنظام والأذان في الشيخ كما هو معهود، جميل يطيّب النفس، إنما هو نفسه في الجوامع القريبة، جامع الخلّاني الذي لا يبعد سوى مئات الأمتار مثلاً ، أو حتى جامع المصلوب إن أطرقت ، ليس غير الله يعلم الأسرار. ) نعم إن الخفايا كثيرة وأسرارها تتطلب لمن يقرأ الرواية الطويلة ، رصيداُ معرفياُ نفسياُ واجتماعياً ، لحل رموز المضامين الفكرية التي اقتحمها المؤلف الذي تمرس في احتراف صناعة النص المتقن ، والدافع الخفي الذي كان أكثر إيضاحا ما قادنا إليه في منعطفات كثيرة مثيرة كشف فيه أهم سر ألا وهو الحدث السياسي الذي اتسع تأثيره على الحياة كهزة عنيفة صاخبة عكّرت المياه الساكنة الصافية في صباح دامٍ معتم ليكن بداية  المأساة والحزن  ( ص 34 ) .. قبل أن ينهي عامه الدراسي الجامعي الأول حدث انقلاب 8 شباط  1963 فأصبح مطلوباً للقانون ، كونه عضواً ناشطا في اتحاد الطلبة العام الذي يديره الطلبة الشيوعيون .

لم يُلقَ القبض عليه إذ بادر إلى السفر إلى كركوك ، واختبأ تحت حماية مسؤول كبير من حزب السلطة الجديدة هناك يدعى عادل عثمان . بيد أنه عاد إلى الحياة العامة بعد أن توسط له هذا المسؤول ، وبعد أن ثبت أنه لم ينتم لحزب من الأحزاب.

 الراوي الحزين يستدرج القارئ ويضعه أمام توصيف دقيق للحظات عاش تأثيرها بكل التفاصيل ذات الدلالات الاجتماعية ، استخدمها ليوظفها ضمن سياق مناخ الرواية ليحاكي من خلالها الواقع ويعكس صورة لحدث ذي أهمية يدعنا نمسك أحد الخيوط التي ترمز بوضوح لما يهدف إليه الراوي حين وضع البطل عبد الغفور في مأزق خلق شرخاً غاب عنه إتقان حسابه ونتائجه المؤلمة المؤثرة على نفس شريكة حياته الزوجة ألأم المريضة حيث أضاف إلى معاناتها جراء سقوطها على أثر مرور طائرة أمريكية ألماً مضنياً آخر كمن يدس السم ليستعجل الموت بالمظلة النسائية الزرقاء التي خرق بها عقل (ليلى) ليغرس الشك والقلق والأرق بما خلفت من رائحة خيانة كانت قاسية، على نفسها الرقيقة الطاهرة.

تسلل العدو

وما زاد الطين بلّة أنهاعندما حققت ودققت جاءها الرد واهياً وغير مقنع. لم تكن مظلة بل صدمة، عدو تسلل ليفتك بجسد عليل يقترب من النهاية. كما أن الندم أحياناً قد يأتي متأخراُ " إذ أن الشيء الطارئ غير المبهج وغير المحبوب ، لو تيسر له أن يلقي بالمظلة خارج الدار لألقاها ، إذ لا يدري كيف ارتبط وجودها بهذه الغيوم التي تعكر سماء البيت . " هكذا اعتمد الواقع ليقدم توصيفاً دقيقاً للحظات عاش تفاصيلها المتشعبة بما استحضر الكثير من الأحداث ذات الدلالات الاجتماعية والنفسية.

هنا تمكن المؤلف أن يستقطب آليات الفعل السردي بما يسهم في تسليط الضوء على أبعاد أغنت الإيحاء بتعبير لغوي سلس، حيث تناول الأحداث التي تفجرت بانقلاب النظام السياسي والأهوال المرعبة الصادمة التي هزت الحي السكني بسقوط الطائرة وما خلفته من خوف وهلع زلزلت البيوت المقاربة لدار سكن بطلة الرواية ليلى ليحدث انقلاباً نفسياً تظهر أعراضه في سلوك الأم حيث يتأزم ويشتد بمفاجأة دخول المظلة الزرقاء وما تلاها من قناني العطور التي لم تألفها سابقا.

امتازت الرواية كرواياته السابقة بالحبكة وبأسلوب شفاف رصد كل التحركات من جهاته المتعددة عبر حوار رصين ولم يغفل عن جوانب التشويق فكان لشخصية الجارة الأرملة أم سمير وعلاقتها السرية بالفتى المراهق رأفت ليروي غليلها ويطفئ لهيب الجسد ( ص203 ) .. ضمتني إليها بلهفة جامحة وختمت قبلة عميقة على فمي قطعت أنفاسي، وهي تتعرف بلمس كما لو غير مقصود على محرار لهيبي والتهابي وتغلق خلفنا الباب . لا أتذكر يوماً أصبحتُ فيه أكثر حمّى مني الآن ، وهي تعود تضمني إليها بصورة أشد ، تطوقني بذراعيها وتحثني على أن أطوقها بذراعيّ وأكاد أخترق ملابسها . تسحب يدها اليمنى من وراء ظهري ، وتفتح زيقها ، وتلقم فمي حلمة ثديها ، حتى تصبح أقرب إلي من روحي ، تلهج بلغة فائرة يشوبها نواح معتم ، أنت ابني ، أنت روحي ، أنت حبيبي ؛ ... )

 تدارك المؤلف حاجة القارئ لما هو مشوق ويبدد مسحة الحزن التي سادت وعتمت مناخ الرواية فأضاف على مائدة السرد مطيبات تبهج المتلقي كحكاية شيخ إعرابي وفد العاصمة واعترضه أحد الظرفاء ليقع في مقلب ساخر .. أن هذا الامتزاج مطلوب من دون الجنوح بعيدا كي لا ينقطع الخيط الذي يوصلنا للهدف والرمز الذي يختم به المؤلف روايته الممتعة " عد يا أخي من حيث أتيت ، أو ابقَ لتبدأ من جديد ، فلقد تبدلت الأدوار ، الطريق شاق والضريبة عاتية ، لك وحدك الخيار ، وأنت وحدك المسؤول عنك .. هّدوا الخيمة ، وافسحوا الطريق للعابرين
أخترنا لك
حملت جنازة عقلي معي

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة