بغداد / هدى العزاوي
تحتَ وطأة الأزمة الاقتصادية والصحية التي يمر بها العراق تظهر المؤشرات المالية استمرار العجز في الموازنة العامة وقلة الحلول وضعف الإدارة التي تسببت في تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، وحذر عدد من النواب والمختصين في تصريحات من الآثار الخطيرة سواء الاقتصادية أو القانونية أو الاجتماعية أو النفسية التي ترتبت بسبب تأخر صرف رواتب الموظفين .
مقرر اللجنة المالية النيابية أحمد الصفار دعا الى إلزام الحكومة بدفع الرواتب في الوقت المحدد، خاصة أن «هناك سيولة تقدر بـ 8 ترليونات دينار تم توفيرها من القرض الداخلي»، عاداً «أي تلكؤ في توزيع الرواتب خلال الثلاثة أشهر المقبلة تقصيرا إداريا وفنيا»، مبيناً أن «الرواتب بشكل عام مسألة عقدية يلتزم خلالها الموظفون بواجباتهم مقابل أن تصرف رواتبهم بالوقت المحدد من قبل الحكومة»، معرباً عن أمله بأن «تقوم وزارة المالية بواجبها وتوزع رواتب شهر تموز الحالي قبل عيد الاضحى».
وأشار الصفار في حديث إلى أن «السلطة التشريعية قامت بواجبها، وما على الحكومة إلا إطلاق الرواتب في المواعيد المحددة التي تكون عادة في الخامس والعشرين من كل شهر، او وفقا لتوقيتات كل دائرة حكومية»، وأكد أن «ما حدث من تأخير في صرف الرواتب كان خارجا عن إرادة الدولة، والمسألة غير مقصودة وحدثت بسبب الأزمة المالية والصحية التي ما زالت آثارها واضحة وعدم وجود سيولة، الا أن هذه الاسباب انتفت بعد أن تم التصويت على قانون الاقتراض الداخلي والخارجي».
ونوه مقرر اللجنة المالية النيابية بأن «جميع المؤشرات تؤكد أن الوضع يسير نحو التحسن، خاصة أن سعر برميل النفط اليوم وصل الى 43 دولارا، ولن تتكرر هذه الأزمة».
وتوافق الصفار الرأي عضو لجنة الاستثمار والاقتصاد النيابية ندى شاكر جودت التي بينت أن «ما حدث من تأخير في تسليم الرواتب كان بسبب عدم وجود سيولة وليس له علاقة بفساد أو سوء إدارة، وهذا الأمر لن يتكرر خلال الأشهر المقبلة»، وتؤكد جودت خلال حديثها لـ «الصباح» أن «التصويت على قانون الاقتراض من قبل مجلس النواب جاء على مضض، لأنه سيكبل العراق ويرهنه الى فترات بعيدة الأمد، ولكن لحرصنا على توفير مستحقات المواطنين تم التصويت عليه».
الآثار القانونية
من جانبه أفاد عضو اللجنة القانونية النيابية النائب حسين العقابي في تصريح خاص بأن «هناك آثارا قانونية ترتبت على تأخير رواتب موظفي دوائر الدولة ممن لديهم التزامات اجتماعية وصحية»، لافتاً إلى أنه «حتى نستطيع أن نؤمن رواتب الموظفين في وقت مبكر؛ يجب أن يكون الحل من خلال معالجة أسس الأزمة الاقتصادية للدولة العراقية، ولا يمكن أن نغفل نقطة جوهرية هي أن الاقتصاد الداخلي ينتعش بصورة غير مباشرة ويوفر سيولة مالية لرواتب خمسة الى ستة ملايين من المواطنين بين موظف ومتقاعد ورعاية اجتماعية».
ويرى الخبير القانوني علي التميمي أن «نظام العمل الوظيفي في العراق يقوم على أساس صرف الراتب كل 30 يوما، وهو معتمد في أغلب دول العالم، وهذا ما نصت عليه قوانين الخدمة المدنية 24 لسنة 1960 وقانون سلم الرواتب 22 لسنة 2008 وغيرها».
ويضيف التميمي خلال حديثه أنه «إذا كان تأخير صرف الرواتب ناجما عن ترتيب أو جرد فلا بأس به، ولكن تكرار الحالة يخالف القوانين ويمكن الطعن به أمام القضاء الإداري واستحصاله بأثر رجعي؛ خاصة أن أغلب الموظفين يعتمدون على هذه الرواتب في إيجارات وسلف ومعيشة لا تحتمل التأخير».
وفي ما يتعلق بقانون الاقتراض الداخلي والخارجي الذي شرعه البرلمان، أوضح التميمي أنه «نافذ منذ تاريخ التصويت، وأتاح للحكومة العراقية الاقتراض وصرف الرواتب، لذا يجب على البرلمان البحث عن أسباب التأخير».
الآثار الاقتصادية
وفي ما يتعلق بالآثار المترتبة على تأخير الرواتب من الناحية الاقتصادية، يعود مقرر اللجنة المالية النيابية أحمد الصفار للتوضيح بأن «هناك آثارا شخصية وآثارا عامة في اقتصاد البلد، وسنأخذ بنظر الاعتبار الجانب العام للاقتصاد، فالنظرية تقول إن (الميل الحدي للاستهلاك عند الطبقات الوسطى والفقيرة مرتفع) وإن دخلهم موجه لشراء السلع والبضائع والاحتياجات الأخرى، بالتالي النسبة العظمى تذهب للسوق»، مشيراً الى أن «تأخير الراتب سيؤثر سلبا في حجم الطلب الاستهلاكي على السوق ويؤدي الى زيادة حجم الركود والكساد الاقتصادي الذي ينتعش من رواتب الموظفين».
وتعود عضو لجنة الاستثمار والاقتصاد النيابية ندى شاكر جودت لتبين خلال حديثها لأن «الموارد محدودة وليس لدينا مشاريع اخرى لإنعاش الاقتصاد الداخلي؛ إلا من خلال هذه الرواتب، لذا فإن عملية تأخر صرفها في ظل هذه الظروف الاقتصادية والصحية لها ضرر نفسي على المواطنين، خاصة أن أغلبهم لديهم التزامات، بالاضافة الى انتشار الوباء وحاجتهم الى المستلزمات الصحية الاخرى لحمايتهم من الاصابة».
التزامات مالية
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي فالح الزبيدي في تصريح خاص ، إلى أن «حجم الطلب على السلع في السوق يعتمد بشكل كبير على دخل المواطن، لذا فإن تأخر الدخل سيقلل من حجم الطلب وتتوقف الكثير من الأعمال، بالاضافة الى أن هذا له آثار نفسية في الموظفين الذين لديهم التزامات مالية تتعلق بالايجارات وأقساط القروض وغيرها من الالتزامات».
وأضاف أن «قلة الدخل تؤدي الى زيادة الفقر، خاصة أن نسبة الفقر قبل جائحة كورونا كانت 20 بالمئة، والآن وصلت الى 30 بالمئة، وهذه نسبة كبيرة جدا لبلد نفطي».
وكان وزير التخطيط خالد بتال النجم أعلن الاربعاء الماضي ارتفاع نسبة الفقر في العراق إلى 31.7 بالمئة مقارنة بما كانت عليه النسبة عام 2018 البالغة 20 بالمئة.
حلول آنية
إن «أغلب الدول التي تعرض اقتصادها إلى الانهيار، تأخّر صرف الرواتب فيها بسبب أزمة كورونا»، بهذه العبارة استهل الباحث في الشؤون المالية عماد الحرش التميمي حديثه ، موضحاً أن «الموظف أو المتقاعد أو المشمول بالرعاية الاجتماعية، ليس أفضل من العامل أو الكاسب أو الشخص الذي ليس لديه مصدر يتسلم منه راتبا، لكن ذلك لا يعني السماح باستقطاع جزء من الراتب أو التأخير في تسليم الراتب لهذه الشريحة، لذا يجب على الدولة اللجوء إلى الحلول والأفكار الناجعة التي تستطيع من خلالها معالجة الأزمة المالية وتمويل رواتبهم والتفكير بشكل غير نمطي لمواجهة الأزمة المركبة المالية والصحية، وتصحيح المسارات بشكل واقعي».
وبناء على الواجب والمسؤولية الوطنية والمهنية الملقاة على عاتق الشخصيات الاكاديمية والباحثين في الشؤون المالية، وضرورة إيجاد حلول ناجعة لمعالجة عجز الموازنة التشغيلية في ظل تلك الأزمات، يقترح التميمي وهو اختصاص «دكتوراه محاسبة» خلال حديثه «مشروع المطورين الوطني للشؤون التمويلية والائتمانية نموذج التمويل الابتكاري، وتبني هذا المشروع من قبل الحكومة التنفيذية وتوفير الغطاء القانوني له».
مبينا أن «فحوى المشروع هو تخطي المأزق المالي الحالي بتأمين السيولة النقدية من مؤسسات وشركات التمويل الخاصة بآلية محددة عن طريق الاقتراض الداخلي، وسد النقص في عملية التمويل بضمان البنك المركزي وإصدار غطاء تأميني لمخاطر تأخر التسديد، وذلك عن طريق غطاء تأميني من شركات التأمين الحكومية الوطنية والعراقية».
الأسباب والمسببات
ويقول الباحث المالي عقيل جبر علي المحمداوي في تصريح : «يقع على عاتق المختصين والباحثين والخبراء الماليين والاقتصاديين المتخصصين ضرورة تحليل آثار ومعطيات تأخير إطلاق الرواتب في المواعيد المحددة لها وتغيير موعد تسلم الراتب لمدة تتراوح الى أكثر من (40) يوما لكل حالة تسلم راتب جديد».
وطالب الباحث «بإعداد دراسة متخصصة للوقوف على الاسباب والمسببات بتأخير صرف الرواتب، وتحليلها بشكل مهني لإيجاد البدائل والحلول المقترحة، واتخاذ التدابير اللازمة والاجراءات الاحترازية للتحوط من تكرار تأخر توزيع رواتب الاشهر المقبلة، فضلا عن تلافي المشكلات الاجتماعية والنفسية المترتبة على هذا التأخير».