إبراهيم السعيد رائد‮ (‬مجلتي‮)‬.. من‮ ‬يزيل الصدأ عن التجربة ؟

2020/06/04

جمال العتّابي
كان لعدد من الأدباء والكتاب‮ ‬،‮ ‬منذ أواسط القرن الماضي،‮ ‬فضل تمثيل الإتجاه الجديد في‮ ‬الكتابة للطفل‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬بدأ‮ ‬يتنامى في‮  ‬بعض كتاباتهم،‮ ‬وذهب إبراهيم السعيد بالنصيب الأكبر في‮ ‬فضل الريادة والتوجيه‮ ‬،‮ ‬لتحويل هذا الإتجاه إلى حقيقة شاخصة في‮ ‬الواقع العملي‮ ‬،‮ ‬فأضحى مشروعاً‮ ‬ثقافياً‮ ‬رائداً‮ ‬،‮ ‬تمكّن بفضل مقومات شخصيته العقلية والنفسية،‮ ‬أن‮ ‬يقنع أجهزة الثقافة والإعلام بعد إنقلاب تموز‮ ‬1968 بتوفير الدعم والرعاية له،‮ ‬وهو مامكّنه كذلك للقيام بهذا الدور التاريخي‮ ‬في‮ ‬صحافة الطفل‮ .‬
لهذا السبب‮ ‬،‮ ‬ربما نخص هذا الرجل‮ (‬البعيد عن أرض الوطن الآن‮ ) ‬بإهتمامنا‮ . ‬إذ لم تغادر فكرة الكتابة عن‮ (‬مجلتي‮). ‬التي‮ ‬إقترنت بإسمه منذ مرحلة‮  ‬التأسيس الأولى‮ ‬،‮ ‬والتنبيه لدوره المتميز في‮ ‬تحقيق هذا المنجز الثقافي،‮ ‬لما‮ ‬يتمتع به من عقل ناقد‮ ‬،‮ ‬وعزيمة ماضية‮ ‬،‮ ‬وبصيرة ترنو من وراء الحُجب إلى آفاق المعرفة‮ ‬،‮ ‬وإرادة تُحيل الضعف إلى قوة،‮ ‬والقيد إلى حرية وإنطلاق‮ .‬
‮  ‬فطنة إبراهيم السعيد قادته إلى الثراء الكامن في‮ ‬الروح العراقية،‮ ‬المتمثل بطاقات هائلة‮ ‬يحملها عدد كبير من المبدعين العراقيين،‮ ‬رسامين‮ ‬،‮ ‬وكتّاب،‮ ‬فمنحهم فضاءً‮ ‬حراً‮ ‬غير مسبوق بإشتراطات سلطوية أو حزبية جائرة‮ ‬،‮ ‬فهو مؤمن أشد الإيمان إن المثقف والفنان‮ ‬يرتكز أساساً‮ ‬على الحرية في‮ ‬مداها الواسع‮ ‬،‮ ‬فأطلق مشاعرهم في‮ ‬التعبير‮ .. ‬وكان له أبعد الأثر وأعمقه في‮ ‬نجاح التجربة وفرادتها في‮ ‬سنوات التأسيس الأولى‮ .‬
بعد ما‮ ‬يقارب خمسة عقود من الزمن‮ ‬،‮ ‬أجد من المهم والإنصاف والوفاء‮ ‬،‮ ‬أن نسجل لهذا الرجل مأثرته بهذا الفعل الذي‮ ‬ظل على الدوام‮ ‬يحمل بصماته الأولى‮ ‬،‮ ‬على الرغم من كل محاولات التشويه‮ ‬،‮ ‬والإسفاف‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬لم تتمكن النيل من مضمونه الإنساني‮ ‬الجميل ومعانيه الرائعة بمخاطبة الطفل‮ .. ‬سواءً‮ ‬كان ذلك في‮ ‬تسيس المشروع،‮ ‬أم في‮ ‬إختيار بعض الإدارات الحزبية التي‮ ‬تسللت إليه‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يكن للشرط الإبداعي‮ ‬دور في‮ ‬الإختيار،‮ ‬فأسهمت في‮ ‬توظيف الأهداف لأغراض سياسية ودعائية في‮ ‬مراحل لاحقة‮ ‬،‮ ‬ومن الإنصاف أن نستثني‮ ‬إدارات أمل الشرقي،‮ ‬ومالك المطلبي،‮ ‬وفاروق سلوم،‮ ‬إذ شهدت المؤسسة إزدهاراً‮ ‬ملحوظاً‮ ‬في‮ ‬التنوع والإنتشاربعد أن تحولت إلى مديرية عامة لثقافة الأطفال،وبفضل الدعم المالي‮ ‬اللامحدود لها،‮ ‬إستطاعت أن تطبع إصداراتها في‮ ‬دول متقدمة‮ ‬،‮ ‬كاليابان مثلاً،‮ ‬وإتسعت منافذ توزيعها إلى معظم البلدان العربية،‮ ‬ولا سيما في‮ ‬بلدان شمال أفريقيا،‮ ‬وفي‮ ‬أغلب الأحيان كانت توزع‮  ‬بصيغة الهدايا‮ .‬
إن قدرة السعيد تتجلى بهذا الإنفتاح الواسع على الخبرة والكفاءة والإبداع الذي‮ ‬قطع أشواطاً‮ ‬بعيدة في‮ ‬منهجه‮ ‬،‮ ‬وكيانه الفكري،‮ ‬بإسلوب فيه طابع العصر،‮ ‬وجاذبيه الجديد،‮ ‬ولم‮ ‬يكتف بتوظيف تلك الإمكانات‮ . ‬بل حوّل‮ ( ‬مجلتي‮ ) ‬إلى ورشة عمل دؤوبة لتدريب الطاقات الشابة‮ ‬،‮ ‬فكانت المدرسة التي‮ ‬ضمّت العديد من الأسماء‮ .. ‬والتي‮ ‬أصبحت بفترات لاحقة عناصر مهمة وأساسية في‮ ‬إستمرار التجربة‮ ‬،‮ ‬وغيرها من التجارب الصحفية‮ .‬
‮   ‬أتذكر جيداً‮ ‬تلك الأعوام الأولى من السبعينات‮ . ‬التي‮ ‬إلتحقتُ‮ ‬فيها بمهنة التدريس خارج‮  ‬العاصمة‮ ‬،‮ ‬وتحديداً‮ ‬في‮ ‬مدينة الفلوجة‮ ‬،إخترتها بعناية لكي‮ ‬أواصل العمل في‮ ‬بغداد مساءً،‮ ‬وأنا أقطع المسافات‮ ‬يومياً‮ ‬بين المدينتين ذهاباً‮ ‬وإياباً،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬بدأت فيه أضع خطواتي‮ ‬الأولى في‮ ‬العمل الفني‮ ‬الصحفي،‮ ‬مع نخبة من المبدعين في‮ ( ‬مجلتي‮ ) ‬في‮ ‬أوقات العمل المسائي‮ .‬
ذات‮ ‬يوم قائظ،‮ ‬شديد الحرارة،‮ ‬قادني‮ ‬إبراهيم السعيد،‮ ‬وبتواضع شديد،‮ ‬وبساطة متناهية،‮ ‬إلى مبنى وزارة الثقافة والإعلام في‮ ‬ساحة التحرير،‮ ‬سرعان ما وجدنا أنفسنا في‮ ‬مكتب المرحوم الشاعر زكي‮ ‬الجابر‮ (‬المدير العام في‮ ‬الوزارة‮ )‬،‮ ‬المشرف العام على المجلة‮ . ‬بعد أن قطعنا المسافة بين مبنى وكالة الإنباء العراقية المطلة على شارع أبي‮ ‬نؤاس،‮ ‬الذي‮ ‬تشغل‮ (‬مجلتي‮) ‬طابقيه السابع والثامن،‮ ‬ومبنى الوزارة‮  ‬مشياً‮ ‬على الأقدام،‮ ‬إذ لم‮ ‬يخطر ببال السعيد أن‮ ‬يمتلك سيارة خاصة به‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬يستخدم إحدى سيارات‮ ( ‬الحكومة‮ ) .‬
لم أتخيل إنني‮ ‬سأفلت من‮ ( ‬الفلوجة‮ ) ‬بهذه السرعة،‮ ‬بعد أن قدمني‮ ‬السعيد للسيد الجابر،‮ ‬ملمحاً‮ ‬لحاجة‮ ( ‬مجلتي‮ ) ‬لخدماتي،‮ ‬وتجاوزاً‮ ‬لكل الروتين والتعقيد البيروقراطي‮ . ‬نُسبت للعمل فيها‮ .. ‬وصدر أمر وزاري‮ ‬بالتكليف‮ . ‬كنت حينذاك في‮ ‬غاية السعادة‮ ‬،‮ ‬لا لسرعة إنجاز الأمر،‮ ‬إنما لموقف‮ ( ‬رئيس التحرير السعيد‮ ) ‬الذي‮ ‬كان متسقاً‮ ‬مع نهجه الواضح في‮ ‬العمل‮ .. ‬فأنا لا أرتبط معه بصداقة بعيدة العمق‮ . ‬ولم تتجاوز فترة العلاقة الوظيفية سوى بضعة أشهر‮ .. ‬لكنه لم‮ ‬يكن‮ ‬يعمل على وفق هذا المنطق،‮ ‬إنه‮ ‬يتحرك بإيمان عميق‮ ‬،‮ ‬بحرية التفكير والفن‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يتطلع دون تدخل مباشر منه إلى ممارسة هذا الدور بإبداع‮ ‬،‮ ‬وصدق في‮ ‬التعبير،‮ ‬هو معني‮ ‬بحاجة المجلة للكفاءات،‮ ‬وبمقدار مساهمتي‮ ‬في‮ ‬العمل،‮ ‬والمشاركة فيه بإخلاص وجد،‮ ‬والتفاعل الإيجابي‮ ‬مع الآخرين،‮ ‬ألا تستحق هذه التجربة من‮ ‬يزيل عنها الصدأ‮ .. ‬ويعيد ألقها وفتوتها‮ .. ‬أم أننا إعتدنا أن نقتل الأشياء الجميلة‮ ‬،‮ ‬ونطمرها‮ .. ‬لا لنذرف الدموع عليها‮ .. ‬إنما لنستعد لتشييع خضرة أخرى ؟
إن أحد أسباب نجاح تجربة‮ ( ‬مجلتي‮ )‬،‮ ‬أنها إستطاعت أن تستقطب أكثرالرسامين والفنانين والكّتاب إبداعاً،‮ ‬ومن حق العراق أن‮ ‬يعتز بالإنجاز الذي‮ ‬حققه أولئك الذين إمتلأ بهم ثراءً،‮ ‬أعتذر سلفاً‮ ‬إن خانتني‮ ‬الذاكرة في‮ ‬ذكر بعض الأسماء المبدعة‮ ‬،‮ ‬لكنني‮ ‬لا أنسى‮ : ‬طالب مكي‮ ‬،‮ ‬فيصل لعيبي‮ ‬،‮ ‬صلاح جياد‮ ‬،‮ ‬وليد شيت‮ ‬،‮ ‬بسام فرج،‮ ‬عصام الجبوري،‮ ‬ضياء الحجار‮ ‬،‮ ‬مؤيد نعمة،‮ ‬نبيل‮ ‬يعقوب،أديب مكي،‮ ‬كاظم شمهود،‮ ‬منصورالبكري،‮ ‬عبدالرحيم‮ ‬ياسر،‮ ‬ميسرالقاضلي،‮ ‬قيس‮ ‬يعقوب،‮ ‬مصدق الحبيب،‮ ‬حسام عبد المحسن،‮ ‬صبيح كلش،‮ ‬عادل صبري،‮ ‬وغيرهم من الرسامين،‮ ‬وبمشاركة أبرزالكّتاب،‮ ‬وفي‮ ‬مقدمتهم‮: ‬فاضل العزاوي،‮ ‬يوسف الصائغ،‮ ‬سالمة صالح،‮ ‬وصادق الصائغ،‮ ‬عبد الاله عبد الرؤوف،‮  ‬كاظم صالح،‮ ‬عدنان حسين،‮ ‬سامي‮ ‬الزبيدي،‮ ‬خالد‮ ‬يوسف،‮ ‬سهيل سامي،‮ ‬نبيل‮ ‬ياسين،‮ ‬فاروق سلوم،‮ ‬ومن ثم جيل آخر‮ ‬يتقدمهم عبد الرزاق المطلبي،‮ ‬محمد شمسي‮ ‬،‮ ‬زهير رسام‮ ‬،‮ ‬طلال حسن‮ ‬،‮ ‬حسن موسى‮ ‬،‮ ‬فاروق‮ ‬يوسف‮ ‬،‮ ‬جعفر صادق،‮ ‬كاظم سعد الدين‮ ‬،‮ ‬كاظم المقدادي،‮ ‬منى سعيد‮ ‬،‮ ‬سعيد شنين،‮ ‬شفيق مهدي،‮ ‬معد فياض،‮ ‬إسماعيل خليل،‮ ‬وعدد كبير من المساهمين من خارجها من الشعراء‮ ‬،‮ ‬وكتاب القصة أو السيناريو‮ .‬
وبمعية أولئك‮ ‬،‮ ‬عدد من المصممين والخطاطين والمصورين‮ : ‬عامر العبيدي‮ ‬،‮ ‬عارف علوان‮ ‬،‮ ‬حميد‮ ‬ياسين‮ ‬،‮ ‬جمال العتّابي‮ ‬،‮ ‬بلاسم محمد،‮ ‬سعدي‮ ‬الموسوي،‮ ‬ثامر الخفاجي،ومع الكادر الفني‮ ‬،‮ ‬كاك صلاح ومخلد المختار وعادل العرداوي،وفي‮ ‬إدارة المجلة والمكتبة‮ ‬،جواد كاظم وقسيمة البدري،‮ ‬وميعاد القصاب‮ .‬
في‮ ‬وسط حاشد من المبدعين‮ ‬،‮ ‬ظهرت قدرة إبراهيم السعيد في‮ ‬التمكن من إدارة هذا الجمع‮ . ‬بغض النظرعن إنتماءاتهم،‮ ‬وتلويناتهم الفكرية والسياسية‮ .. ‬إذ لم‮ ‬يشهد الوضع السياسي‮ ‬أنذاك صراعات طائفية أو مذهبية أو عرقية‮ . ‬كان إبراهيم‮ ‬يجد في‮ ‬العمل الصحفي‮ ‬الخاص بالطفولة صيغة جمال مطلقة‮ ‬،‮ ‬فإعتمد أساليب عمل نيرة وساحرة،‮ ‬مختلفة عن التقليد وترفض الجمود،‮ ‬وأسهم في‮ ‬حالة الإنطلاق الأولى‮ ‬،‮ ‬لتصبح بالإرادة والتحدي‮ ‬ظاهرة تفرض نفسها على الآخرين،‮ ‬والسمة الأبرز في‮ ‬أجواء العمل آنذاك،‮ ‬لأن السعيد‮ ‬يدرك تماماً‮ ‬أن الخوض في‮ ‬هذا الميدان‮ ‬يتطلب عناءً‮ ‬ومشقة‮ ‬،‮ ‬وعليه أن‮ ‬ينأى بالمشروع من سلطة الفكر الشمولي‮ ‬،‮ ‬وتوجهات الفكر الشمولي‮ ‬من جهة،‮ ‬والتأسيس لأدب راقٍ‮ ‬ينسجم مع عقلية الصغار لتطوير قدراتهم وتجديد إبداعاتهم من جهة ثانية،‮ ‬فكانت خطواته الأولى على هذا الطريق الشائك والوعر‮ .‬
وإنفرد إبراهيم السعيد بخصال كثيرة‮ ‬،‮ ‬أبرزها خصلتان‮ ‬،‮ ‬حكمتا مسلكه الصحفي‮ ‬والثقافي‮ ‬عبر مسار تجربته الصحفية‮ ‬،‮ ‬وهما‮ : ‬مهنيته الفريدة‮ ‬،‮ ‬وتجرده عن الأنانية ومحبته للآخرين‮ ‬،‮ ‬ونختار للسعيد هاتين الخصلتين لأنهما في‮ ‬تقديرنا‮ ‬يفسران إسلوبه ومنهاجه في‮ ‬العمل،‮ ‬وما فجّره من طاقات بين العاملين في‮ (‬مجلتي‮) . ‬وإذا أردنا أن نتحدث عن صداقاته‮ ‬،‮ ‬وتواضعه‮ ‬،‮ ‬وإخلاصه‮ ‬،‮ ‬وتفانيه في‮ ‬العمل‮ ‬،‮ ‬فتلك مزايا لاحدود لها
وجد السعيد نفسه فيما بعد‮ ‬،‮ ‬أنه أسير أنماط جامدة متوارثة‮ ‬،‮ ‬حاولت إغلاق أبواب الإبتكار‮ ‬،‮ ‬وأمعنت في‮ ‬شل قدرات التغيير‮ ‬،‮ ‬فتحدى إبراهيم الجمود‮ ‬،‮ ‬ونظر إلى صحافة الأطفال‮ ‬،‮ ‬على أنها قوة الحياة،‮ ‬فكانت المجلة بيتاً‮ ‬مليئاً‮ ‬بالحيوية والفرح والحب‮ ‬،‮ ‬بما أشاعه من أجواء مودة وإلفة وصفاء بين العاملين‮ ‬،‮ ‬فكنّا لا نبارح المكان،‮ ‬ولا نتقيد بساعات عمل روتيني‮ .. ‬ولا تتسلل لنفوسنا الكآبة والملل،‮ ‬فأن شئنا نفتح النوافذ المطلّة على دجلة المنساب هادئاً‮ ‬نحو الجنوب بزرقة باهتة‮ .. ‬وهو‮ ‬يعدنا بنزهة أو جلسة على ضفافه،‮ ‬وأخرى في‮ ‬كافتيريا نادي‮ ‬الإعلام تزيح متاعب العمل،‮ ‬إنها النوافذ المفضية إلى قلب المدينة‮ .‬
‮ ‬أكاد أقول بكل إعتزاز وثقة‮ ‬،‮ ‬إن التجربة تلك تستحق أن تكون نموذجاً‮ ‬رائداً‮ ‬للعمل والإدارة في‮ ‬كل المؤسسات والهيئات والجمعيات الثقافية،‮ ‬وهي‮ ‬دعوة كذلك لهذه الجهات أن تدرس أسباب النجاح،‮ ‬والتمكن بالفعل الجاد من وضع مفردات التقدم وتجاوز الصعوبات موضع التطبيق،‮ ‬إن هذه المؤسسات بحاجة إلى طعم فني‮ ‬في‮ ‬الأداء،‮ ‬وهواجس ثقافية عميقة،‮ ‬وصدق العلاقات‮ ‬،‮ ‬وقبل كل هذا،‮ ‬الشعور بالمسؤولية الثقافية الوطنية،‮ ‬بتجرد وأمانة‮ .‬
ومن حقنا التساؤل عن وجود أي‮ ‬اثر لهذا النموذج في‮ ‬السلوك أو الإدارة بين مؤسسات الإعلام والثقافة اليوم‮ .. ‬أكاد اشك أن تتكرر هذه التجربة بنفس المواصفات،‮ ‬ومن‮ ‬غير المنطقي‮ ‬نسخها بكل تفاصيلها‮ . ‬وبمعانيها الإنسانية النبيلة،‮ ‬لذا فأن مزيداً‮ ‬من الشعور بالإحباط‮ ‬يداهمني،‮ ‬وأنا أرى الدار تتعثر في‮ ‬مسيرتها وأدائها منذ عام‮ ‬2003? لأسباب عديدة،‮ ‬شانها شأن المؤسسات الثقافية الأخرى،‮ ‬ومعظم دوائر الدولة‮ .‬
‮  ‬فأين نحن من إبراهيم السعيد ؟ الحالم‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬أراد تغيير العالم بالكلمة‮ . ‬فواجه بثبات ألآت المؤسسات الحزبية التي‮ ‬أرادت أن تصادر منه بيان الأفكار وطعم الطفولة،‮ ‬وعلى الرغم من قوة صموده‮ ‬،‮ ‬فأنه فقدَ‮ ‬قوة المواجهة‮ ‬،‮ ‬حينما حاولوا أن‮ ‬يجبروه على تبني‮ ‬توجهات الحزب القائد،‮ ‬فرفض الإنصياع‮ ‬،‮ ‬وإختار الأصعب،‮ ‬وهوالفرار‮ ‬،‮ ‬لكن إلى أين ؟ إلى مملكة الحرية‮ ... ‬إنه الموقف الذي‮ ‬حررّ‮ ‬به نفسه من رواسب الإملاءات المقيتة،‮  ‬ليتناغم مع إسلوبه في‮ ‬إستعادة ذاته،‮ ‬منسجماً‮ ‬مع معايير الزمن المتجدد‮ ‬،‮ ‬لكي‮ ‬لا تسوقها أفاعي‮ ‬السياسة السامة‮ .‬
تحية لك أيها السعيد‮ ‬،‮ ‬الباحث عن الضوء‮ ‬،‮ ‬وسط ظلام وصخب العالم وفوضاه‮ ‬،‮ ‬تحية لك أيها الباهر‮ ‬،‮ ‬ومعذرة إن تأخرنا عنك‮ ‬،‮ ‬لكنني‮ ‬أشعر بالغبطة والإرتياح‮ ‬،‮ ‬بعد أن سددت ديناً‮  ‬برقبتي‮ ‬،‮ ‬وأزحتُ‮ ‬هماً‮ ‬عن نفسي‮ ‬رافقني‮ ‬منذ عشرات السنين،‮ ‬وليس لي‮ ‬شأن بما سيتركه هذا الوفاء من صدى عند الآخرين‮ . ‬على الأقل عند أولئك المتسيدين للمشهد الثقافي‮ ‬،‮ ‬فأنا مطمئن أن البعض منهم‮ ‬غير معني‮ ‬بإبراهيم السعيد‮ ‬،‮ ‬ولا أجداد إبراهيم،‮ ‬ولا بمبدع آخرغير إبراهيم،‮ ‬فليذهب حيث إختار في‮ ‬أقاصي‮ ‬الدنيا‮ .!‬

67131

أخترنا لك
السعودية: إيقاف الصلاة في المساجد باستثناء الحرمين الشريفين

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة