أكد الإعلامي اللبناني "فادي بودية" أن إيران أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على الصمود في مواجهة العقوبات والضغوط الأمريكية، مشيراً إلى أن محاولات عزلها اقتصادياً وسياسياً، وصولاً إلى التضييق على حركة الطيران، تستهدف قطع صلاتها بمحيطها الإقليمي وتفكيك ارتباطاتها الجغرافية، إلا أن هذه الضغوط لم ولن تتمكن من إخضاعها.
وفي حوار خاص اجرته وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (إرنا)، مع الباحث المتخصص بالشؤون الدولية مدير مجلة مرايا الدولية، الاعلامي اللبناني فادي بودية، تناول آخر التطورات الإقليمية، ولا سيما الضغوط والعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وانعكاساتها على حياة الشعوب، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة الطيران الإيراني، اعتبر "بودية" أن التعامل الدولي مع هذه الإجراءات يكشف عن فجوة كبيرة بين القوانين والمواثيق الدولية وبين آليات تنفيذها على أرض الواقع.
وأوضح أن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لا يجيزان فرض مثل هذه الإجراءات ولا احتلال دولة لأخرى أو شن الحروب عليها، كما لا يمنحان الولايات المتحدة الحق في شن الحروب على إيران أو أي دولة أخرى، إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه القوانين والمواثيق لا تجد طريقها إلى التنفيذ عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
وقال "بودية" إن الولايات المتحدة تتعامل مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وفق مصالحها، موضحاً أنها تلجأ إلى الخيار العسكري عندما ترى فيه وسيلة لتحقيق أهدافها، وإلى الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية عندما تعتقد أن ذلك يحقق غايتها، بينما تعود إلى القانون الدولي عندما تعجز عن تحقيق أهدافها بالوسائل الأخرى.
وأشار إلى أن التعويل على القانون الدولي، في ظل غياب آليات فاعلة لتنفيذ أحكامه، يبقى ضعيفاً، مستشهداً بالمجازر التي ارتُكبت بحق الأطفال والنساء أمام مرأى قوات الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل، من دون أن تتمكن هذه القوات من التحرك لمنعها.
وفي السياق ذاته، رأى الاعلامي اللبناني أن استمرار الحديث عن القوانين والمواثيق الدولية يصبح بلا جدوى إذا لم تقترن النصوص بآليات حقيقية لتنفيذها، متسائلاً عن قيمة الوثائق والقوانين التي لا يتم تطبيقها، في ظل انتهاكات الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي لها.
*إيران وقدراتها الذاتية في مواجهة العقوبات
وفي معرض حديثه عن تداعيات العقوبات والضغوط، أكد الباحث المتخصص في الشؤون الدولية أن إيران تمكنت من بناء قدراتها اعتماداً على إمكاناتها الذاتية، مشيراً إلى أنها استطاعت تطوير العلوم وإنتاج الأدوية وإنشاء معامل للأدوية والغذاء، بما مكّنها من الاعتماد على نفسها في العديد من المجالات.
وأضاف أن إيران تمكنت كذلك من تحقيق مكانة دولية مرموقة في المجالات العلمية والتعليمية، معتبراً أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من القدرات العلمية التي استطاعت إيران تطويرها بنفسها.
وأكد "بودية" أن هذه القدرات تجعل من الصعب إخضاع إيران عبر الحصار، وقال إن الولايات المتحدة قد تستطيع فرض الحصار، إلا أن إيران، بفضل قدراتها الذاتية، لا تُحاصر بالمعنى الذي يمكن أن يؤدي إلى إخضاعها.
وفي هذا السياق، انتقد الاعلامي اللبناني مواقف الدول التي ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، متسائلاً عن موقف هذه الدول من المجازر التي ترتكبها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في المنطقة، ومن بينها ما يحدث في غزة وجنوب لبنان، فضلاً عن الهجوم على مدرسة ميناب جنوب ايران.
وقال إن عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان تبدو جميلة عندما تُرفع كشعارات، إلا أن الواقع، يكشف عن عدم الالتزام بها، مشيراً إلى أن دولاً غربية مثل فرنسا والمانيا تواصل تقديم السلاح والمال والمعدات إلى الكيان الصهيوني، ومتسائلاً عن مدى اتساق ذلك مع الحديث عن حقوق الإنسان.
*حظر الطيران ومحاولة عزل إيران
وفيما يتعلق بالقيود المفروضة على حركة الطيران المدني الإيراني، اعتبر "بودية" أن الولايات المتحدة لجأت إلى هذا الخيار بعد فشل محاولات العقوبات والحصار الاقتصادي والحرب العسكرية في تحقيق أهدافها تجاه إيران.
وأوضح أن واشنطن تسعى، من خلال التضييق على الطيران الإيراني، إلى عزل إيران وتفكيك ارتباطاتها الجغرافية، عبر الحد من حركة الإيرانيين إلى دول المنطقة ومنع التواصل بين الشعوب.
ومضى الباحث المتخصص في الشؤون الدولية مبينا، ان الهدف من هذه الإجراءات يتمثل في المحاولات الرامية الى قطع العلاقات بين الشعوب، ويستهدف كل أشكال الاتصال مع إيران وعزلها عن محيطها.
وأضاف أن مثل هذه الإجراءات لا تعكس، أي اعتبارات إنسانية، وإنما تأتي في إطار تنفيذ سياسات تستهدف إيران، منتقداً في الوقت نفسه تحول النقاش من مساءلة الجهات التي تشن الحروب وتعتدي على الشعوب إلى مطالبة إيران و قوى المقاومة في المنطقة بالاستسلام.
*انتقاد ازدواجية المعايير
وانتقد الإعلامي اللبناني ازدواجية التعامل مع أطراف الصراع، قائلاً إن بعض المحللين والقنوات والسياسيين يتحدثون عن ضرورة استسلام إيران حتى لا تواصل الولايات المتحدة حربها، بدلاً من التركيز على الجهة التي بدأت الاعتداء.
وأضاف أن المشكلة تُوضع، في بعض الخطابات، في إيران أو المقاومة في لبنان أو العراق أو اليمن، بينما لا يتم الحديث بالقدر نفسه عن القوى التي تعتدي وتقتل وتنتهك كرامة الشعوب.
واعتبر الباحث في الشؤون الدولية أن هذا النهج يؤدي إلى قلب صورة الصراع، بحيث تتحول الأنظار من أفعال الولايات المتحدة والجهات التي تفرض العقوبات والقيود إلى ما ينبغي على إيران أن تفعله، مشيراً إلى أن التضييق على الطيران الإيراني يمثل جزءاً من هذا المسار الهادف إلى عزل إيران.
وفي ختام حديثه، شدد "بودية" على أن الضغوطات والعقوبات ومحاولات العزل لم تغيّر من قدرة إيران على الاعتماد على نفسها، معتبراً أن امتلاكها للقدرات العلمية والإنتاجية، إلى جانب قدرتها على مواجهة الضغوط، يمثل أحد أبرز العوامل التي حالت دون إخضاعها عبر العقوبات والحصار.