من مكة إلى باب المندب.. هل تغيّرت بوصلة التحالفات الإسلامية؟

2026/10/07

يؤكد الكاتب والباحث السياسي اليمني "عدنان عبدالله الجنيد"، وفي معرض تقييمه للتحالف السعودي – التركي – الباكستاني، انه لا يمكن قراءة هذا التحالف بمعزل عن السؤال الأكبر؛ أين ينبغي أن تتجه البوصلة الإسلامية؟ لافتا الى ان فلسطين ليست قضية هامشية في الوعي اليمني، بل قضية مركزية ترى صنعاء أن نصرتها واجب ديني وأخلاقي وإنساني، وأن أي تعاون إسلامي حقيقي ينبغي أن يصب في حماية الشعب الفلسطيني ووقف العدوان على غزة.

وفي مقال اختصه بوكالة الجمهورية الاسلامية للانباء (ارنا) لفت هذا الخبير اليمني، الذي يشغل أمينا عاما لملتقى كتاب العرب والأحرار، وعضوا في الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، لفت الى ان التحالف الثلاثي (السعودي والتركي والباكستاني) من شانه ان يحوّل الموارد العسكرية والسياسية الإسلامية من فلسطين إلى صراع داخلي، وحذر بان النتيجة الموضوعية لذلك ستصب في مصلحة "إسرائيل"، حتى لو لم يكن الهدف المعلن للتحالف.

وتساءل إذا كان الهدف من هذا التحالف هو الأمن الإسلامي، فلماذا لا تكون فلسطين في مقدمة هذا الأمن؟؛ مردفا انه "كلما اتسعت دائرة الصراع الإسلامي–الإسلامي، تراجعت وحدة الجهد الموجه نحو الاحتلال الصهيوني".

وفيما ياتي نص مقال الباحث السياسي اليمني عدنان الجنيد تحت عنوان:-

 

من مكة إلى باب المندب.. هل تغيّرت بوصلة التحالفات الإسلامية؟

في زمن تتعرض فيه غزة لحرب مدمرة، يتحول اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان إلى اختبار تاريخي لمعنى التضامن الإسلامي: هل تتجه الجيوش والقدرات إلى حماية فلسطين، أم إلى توسيع المواجهة مع اليمن الذي يربط موقفه البحري والسياسي بوقف الحرب على الفلسطينيين؟

 

فلسطين أولًا.. حين تصبح البوصلة معيار التحالفات

لا يمكن قراءة التحالف السعودي–التركي–الباكستاني بمعزل عن السؤال الأكبر: أين ينبغي أن تتجه البوصلة الإسلامية؟ ففلسطين ليست قضية هامشية في الوعي اليمني، بل قضية مركزية ترى صنعاء أن نصرتها واجب ديني وأخلاقي وإنساني، وأن أي تعاون إسلامي حقيقي ينبغي أن يصب في حماية الشعب الفلسطيني ووقف العدوان على غزة.

ومن هنا جاءت دعوة قائد الثورة اليمنية إلى تركيا وباكستان بأن تكون قدراتهما العسكرية والسياسية في خدمة القضية الفلسطينية، وأن تنظرا بعين الإنصاف إلى مظلومية الشعب اليمني، بعيدًا عن الاصطفافات التي قد تدفع المنطقة إلى حرب جديدة.

ويختصر الموقف اليمني قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]؛ أي تحويل التهديد إلى ثبات، وكثرة الخصوم إلى مزيد من الإيمان.

 

اليمن.. سيادة وأزمة إنسانية

منذ اندلاع الحرب، فُرضت قيود جوية وبحرية واسعة على اليمن، وأُغلق مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية في مراحل طويلة، فيما انعكست القيود على حركة الواردات والوضع الإنساني.

 ووفق الرواية التي تتبناها صنعاء، امتدت المأساة إلى حرمان اليمن من موارده النفطية والغازية وتجميد إيراداتها، وما ترتب على ذلك من أزمات في المرتبات والخدمات والاقتصاد.

 

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون يمني يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وأن 18.3 مليونًا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد.

ومن ثم يبرز السؤال: هل يكون الرد على هذه المظلومية بمزيد من الضغط، أم بفتح طريق عادل للسلام؟

فاستمرار الحرب لم ينتج سلامًا، كما أن الضغط على الشعب اليمني لم يصنع أمنًا مستدامًا.

 

من «مقبرة الغزاة» إلى عاصفة الحزم

حين يُقال إن اليمن «مقبرة الغزاة»، فذلك يعكس ذاكرة تاريخية متراكمة من مقاومة القوى الخارجية.

 فقد واجه الوجود العثماني مقاومات يمنية متكررة منذ عام 1872، وانتهى الوجود العثماني في اليمن مع انهيار الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى.

وفي عام 2015 جاءت «عاصفة الحزم» ثم «عاصفة الأمل»، لكنها لم تحقق الحسم الذي بشرت به بدايات الحرب، وتحولت المواجهة إلى صراع طويل ومعقد.

ثم انتقلت إلى البحر الأحمر، حيث أطلقت الولايات المتحدة وشركاؤها عملية «حارس الازدهار» في ديسمبر 2023، قبل أن تتوسع العمليات العسكرية ضد اليمن.

ورغم التفوق العسكري الغربي، استمرت الهجمات اليمنية على السفن والأهداف البحرية، واضطرت شركات شحن إلى تغيير مساراتها، بما يؤكد أن القوة البحرية وحدها لم تستطع إنهاء المعادلة الجديدة في البحر الأحمر.

وعليه، فإن التحالف الجديد لا يمثل بالضرورة معادلة مختلفة؛ فإذا كان هدفه إعادة إنتاج التجارب العسكرية السابقة، فإنه سيواجه الجغرافيا اليمنية والإرادة والتراكم العسكري ذاتهما.

 

تحالف مكة.. من الردع إلى سؤال الوظيفة

اتفاق الدفاع المشترك السعودي–التركي–الباكستاني، الذي وُقّع في مكة، يقوم على مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُنظر إلى الاعتداء على إحدى الدول بوصفه اعتداءً على الجميع.

وفي الخامس من أكتوبر أُعلن تفعيل إجراءات الدفاع الجماعي واتخاذ خطوات لتوفير قدرات عسكرية ونشرها سريعًا في السعودية.

والاتفاق، وفق النصوص والتصريحات الرسمية المتاحة، لا يحدد دولة بعينها باعتبارها «العدو المشترك».

لكن توقيت التفعيل بالتزامن مع التصعيد في اليمن يفتح أسئلة سياسية مهمة: إذا كان الهدف هو الأمن الإسلامي، فلماذا لا تكون فلسطين في مقدمة هذا الأمن؟

 وإذا كان المقصود حماية الدول الإسلامية، فكيف يمكن تجاهل غزة؟

 وهل يمكن أن يؤدي توسيع المواجهة مع اليمن إلى تخفيف الضغط عن الاحتلال الإسرائيلي؟

هذه الأسئلة لا تعني أن التحالف أعلن رسميًا حربًا شاملة على اليمن، كما أن طبيعة المشاركة التركية والباكستانية المباشرة لا تزال موضع نقاش، لكنها تفرض قراءة سياسية لتداعياته المحتملة.

 

الأسباب والأهداف.. من المعلن إلى النتائج

تقول الرياض إن التحالف يرتبط بمواجهة التهديدات الصاروخية والمسيّرات وحماية المدن والمنشآت والممرات الحيوية.

لكن من منظور صنعاء، فإن المعالجة الأكثر عقلانية تبدأ برفع القيود والحصار ومعالجة أسباب التوتر، لا بتوسيع المظلة العسكرية.

أما تركيا، فتسعى إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي وتعاونها الدفاعي مع السعودية وباكستان، بينما يطرح تاريخ موقفها من إسرائيل والحرب على غزة أسئلة حول موقعها في المعادلة الإقليمية.

ولا ينبغي تحويل هذه الأسئلة إلى حقائق مثبتة، لكن الاختبار الحقيقي لأنقرة يبقى: هل تستخدم قوتها ونفوذها لنصرة فلسطين، أم تصبح طرفًا في استنزاف دولة إسلامية أخرى؟

وبالنسبة إلى باكستان، فإن موقف برلمانها عام 2015 الرافض للمشاركة العسكرية في حرب اليمن يجعل ترتيباتها الدفاعية الجديدة مع السعودية موضع مراجعة، خصوصًا أن إسلام آباد دولة إسلامية كبرى ذات ثقل عسكري وسياسي.

وفي البحر الأحمر وباب المندب، يبرز القلق من «كماشة البحار»، أي تزامن الضغط في باب المندب مع اضطراب مضيق هرمز، بما يرفع المخاطر على الطاقة والتجارة العالمية. وهنا لا يتعلق القلق باليمن وحده، بل بقدرة القوى المناهضة للهيمنة على التأثير في عقدتي البحر الرئيسيتين.

 

من المستفيد؟

إذا تحولت الموارد العسكرية والسياسية الإسلامية من فلسطين إلى صراع داخلي، فقد تكون النتيجة الموضوعية في مصلحة إسرائيل، حتى لو لم يكن ذلك الهدف المعلن للتحالف. فكلما اتسعت دائرة الصراع الإسلامي–الإسلامي، تراجعت وحدة الجهد الموجه نحو الاحتلال.

ولهذا يصبح السؤال: هل أمن الملاحة المقصود هو أمن الملاحة العالمية، أم حماية مسارات مرتبطة بالموانئ الإسرائيلية؟

 وهل تقليص مساحة المناورة أمام صنعاء يعني فقط تحييد قدرة عسكرية، أم الضغط على موقف يعلن أن نصرة غزة جزء من معادلته السياسية؟

 

آفاق المستقبل

أي رهان على إخضاع اليمن عسكريًا يواجه الجغرافيا، وتراكم الخبرة العسكرية، واحتمال امتداد المواجهة إلى البحر والممرات الاستراتيجية، فضلًا عن اختلاف حسابات أطراف التحالف.

وقد يفشل المشروع ليس بالضرورة بهزيمة عسكرية مباشرة، وإنما بعدم تحقيق أهدافه السياسية وتحوله إلى استنزاف طويل وأزمة إقليمية أوسع.

أما الطريق الآخر فهو الحوار، ورفع القيود، ومعالجة الملف الاقتصادي، واحترام السيادة، وضمان أمن الجوار، وربط الاستقرار الإقليمي بوقف العدوان على فلسطين.

الخاتمة.. حين تُختبر البوصلة

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس تعدد التحالفات، بل ضياع البوصلة؛ فتركيا وباكستان والسعودية دول وازنة، والقضية التي تستطيع جمعها ليست اليمن، بل فلسطين، والطاقات الإسلامية ينبغي أن تتجه إلى مواجهة الاحتلال والعدوان، لا إلى اقتتال داخلي.

أما صنعاء، فتعلن أن كثرة الخصوم لا تغير موقفها، وأن السلام العادل لا يعني الاستسلام، وأن الأمن الحقيقي لا يولد من الحصار والتحالفات وحدها، بل من العدالة والسيادة والاحترام المتبادل.

ويبقى المعيار القرآني: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36].

فالمعركة الحقيقية ليست معركة كثرة في العدد، ولا تحالفات في البيانات، وإنما معركة بوصلة وحق وعدالة وموقف؛ ومن يملك وضوح البوصلة، يملك القدرة على الثبات حتى تتغير موازين القوة.

 

 

 

أخترنا لك
في فعالية إحياء ذكرى شهادة الإمام زيد بن علي بن الحسين عليه السلام

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة