حين يقرأ التوثيقُ التوثيقَ

2026/10/01

بقلم || الكاتب والباحث السياسيعدنان عبدالله سرور أحمد الجنيد

قراءةالأستاذ العزيز الكاتب والباحث السياسي/ مجاهد منعثر منشد لبحث عدنان عبدالله الجنيد: حين تتحول القراءة إلى حوارٍ معرفي بين صنعاء والبصرة

ليست كل قراءةٍ للبحث قراءةً له؛ فبعض القراءات تعيد اكتشاف النص، وبعضها يفتح في البحث أبوابًا لم تكن ظاهرة حتى لكاتبه.

وحين يكون القارئ باحثًا يحمل تجربةً موازية في التاريخ والأدب والتوثيق، فإن قراءته لا تبقى عند حدود الانطباع، بل تتحول إلى حوارٍ معرفي يضيف إلى النص بقدر ما يكشف ما فيه.

ومن هذا المنطلق، أقرأ قراءة الأستاذ والباحث والأديب والنسّابة مجاهد منعثر منشد لبحثي: «دور الإعلام المقاوم في كشف الجرائم الإنسانية للعدو الأمريكي والإسرائيلي في اليمن وفلسطين ولبنان وإيران ومدى تأثيره على الرأي العام العالمي»، باعتبارها قراءةً تجاوزت التلخيص والثناء إلى إعادة تقديم البحث من زاويةٍ معرفية تكشف بنيته وأهدافه وامتداداته.

ولعل أول ما يلفت في قراءة مجاهد أنه لم يتعامل مع عنوان البحث بوصفه عنوانًا عابرًا، بل قدّمه كاملًا بما يحمله من اتساع جغرافي وإنساني وإعلامي، ثم اتجه مباشرةً إلى الأساس القيمي الذي انطلق منه البحث، فقال:

««استند الباحث في دراسته إلى المرجعية القرآنية والهدي النبوي في قيم الصدق والأمانة ونصرة المظلوم، متناولاً دور المشروع القرآني في ترسيخ مفهوم "إعلام الرسالة" وتعزيز الوعي بقضايا الأمة».»

وهنا أصاب مجاهد أحد المفاتيح الأساسية للبحث؛ فالمرجعية القرآنية والهدي النبوي فيهما ليسا إطارًا شكليًا أو استهلالًا نظريًا، وإنما يمثلان منطلقًا قيميًا يحدد وظيفة الإعلام ومسؤوليته.

فالإعلام، وفق هذا التصور، لا تُقاس قيمته فقط بمدى الانتشار وسرعة الوصول، وإنما بقدرته على حمل الحقيقة، وصيانة الأمانة، والانحياز الأخلاقي لقضايا المظلومين.

ومن هذه النقطة تنتقل القراءة إلى فهم الإعلام باعتباره ميدانًا للصراع على الوعي، لا مجرد وسيلة لنقل الأخبار، ولذلك يلتقط مجاهد جانبًا مركزيًا من البحث حين يقول:

««واستهلَّ الباحث دراسته بالإشارة إلى أن الإعلام شكّل عبر التاريخ أحد أخطر ميادين الصراع بين قوى الحق والباطل؛ إذ لم تقتصر المواجهة على السلاح، بل امتدت إلى الكلمة والخطاب، ومحاولات بناء الوعي أو تضليله».»

وهنا تلتقي قراءة مجاهد مع إحدى الركائز المركزية في البحث؛ إذ لم تعد المواجهة الحديثة محصورة في ميدان القوة المادية، وإنما امتدت إلى ميدان تشكيل الإدراك ذاته. فالصراع لا يدور فقط حول ما يحدث على الأرض، بل حول كيفية تفسير ما يحدث، ومن يملك صياغة الرواية، ومن يستطيع أن يحدد المفردات والصور والسياقات التي يتلقى الجمهور من خلالها الحدث.

ولهذا كان استحضار مجاهد للآية القرآنية التي استند إليها البحث لافتًا، إذ يقول:

««مستشهداً بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، مبيناً أن هذه الآية تكشف أن أخطر أدوات المواجهة ليست القوة العسكرية، بل الأفواه؛ أي الخطاب المضلل، وقلب الحقائق، وتزييف الوعي الجمعي».»

وهنا تفتح القراءة نافذة أعمق على مفهوم الصراع؛ فالمواجهة ليست صراعًا على القوة وحدها، بل صراع على الحقيقة وعلى الوعي الذي يستقبلها.

ومن ثم فإن مواجهة التضليل الإعلامي لا تمثل وظيفة هامشية، بل تصبح جزءًا من حماية الوعي من قلب الحقائق وتزييفها وإعادة إنتاجها بصورة تخدم الرواية الأقوى إعلاميًا.

ثم تنتقل قراءة مجاهد من الأساس النظري إلى البنية الداخلية للبحث، فيقول:

««ويناقش البحث الأسس القرآنية والقيمية للإعلام المقاوم، وآليات التضليل الإعلامي وصناعة الرواية الموجهة، وتوثيق الجرائم الإنسانية، واستراتيجيات تفكيك السرديات المعادية، وأثر الإعلام في الرأي العام العالمي، إلى جانب أبرز التحديات التي تواجه الإعلام المقاوم، وفي مقدمتها استهداف الصحفيين».»

وتكشف هذه الفقرة أن مجاهد لم يقف عند العنوان أو الفكرة العامة، وإنما أعاد تركيب البحث أمام القارئ؛ فجمع بين مرجعيته القيمية، وأدوات التضليل، وآليات صناعة الرواية، والتوثيق، وتحليل السرديات، والتأثير في الرأي العام، والتحديات التي تواجه العمل الإعلامي.

وهنا تحديدًا تظهر القيمة العلمية للقراءة؛ لأنها تكشف أن البحث لا يتعامل مع الإعلام باعتباره نشاطًا منفصلًا عن بقية عناصر الصراع، بل باعتباره منظومة تبدأ من المرجعية والقيم، وتمر بإنتاج المعلومة وتوثيق الحدث وتحليل الخطاب، وتنتهي بالتأثير في الوعي العام.

وعند الحديث عن الحروب الحديثة، تلتقط قراءة مجاهد تحولًا جوهريًا في وظيفة الإعلام، فيقول:

««يؤكد الباحث أن الإعلام بات من أبرز ميادين الصراع في الحروب الحديثة؛ إذ لم يعد دوره مقتصراً على نقل الأحداث، بل تحول إلى أداة أساسية في معركة الوعي وكشف التداعيات الإنسانية والسياسية والاقتصادية للصراعات».»

وهذه العبارة تختصر انتقال الإعلام من وظيفة النقل إلى وظيفة التأثير؛ فالخبر لم يعد غايةً نهائية، والصورة لم تعد مجرد تسجيل، والمعلومة لم تعد منفصلة عن السياق الذي تُقدَّم فيه.

وكل عنصر من هذه العناصر أصبح قادرًا على الإسهام في تشكيل الوعي العام وفهم طبيعة الصراع ونتائجه الإنسانية والسياسية والاقتصادية.

ثم يذهب مجاهد إلى قلب الفكرة حين يقول:

««فالحروب اليوم لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أصبحت الكلمة والصورة والمعلومة ركناً جوهرياً في الصراع على الرواية وتشكيل الرأي العام. ومن هنا، يبرز دور إعلام المقاومة في توثيق الانتهاكات، ومواجهة التضليل، وتفكيك السرديات المعادية، وتحليل أثر الخطاب الإعلامي في توجيه الرأي العام العالمي».»

وهنا أجد أن مجاهد التقط مركز الفكرة التي يقوم عليها البحث: أن معركة الرواية أصبحت جزءًا من معركة الواقع نفسه.

 فالحدث الميداني لا يكتمل أثره في الوعي العام بمجرد وقوعه، وإنما يتشكل جزء كبير من أثره بالطريقة التي يوثَّق ويُفسَّر ويُقدَّم بها.

ومن هنا جاءت عناية البحث بتحليل المضمون وتحليل الخطاب؛ ليس باعتبارهما أداتين أكاديميتين مجردتين، وإنما باعتبارهما وسيلتين لفهم كيفية صناعة الروايات الإعلامية، والكشف عن المفردات والسياقات والانتقائية التي يمكن أن تؤثر في تشكيل الصورة الذهنية للأحداث.

وعند المنهج تتضح قيمة أخرى لهذه القراءة؛ إذ يقول مجاهد:

««وقد كشف الجنيد في بحثه عن ازدواجية المعايير في التعامل الدولي مع قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي، مستخدماً المنهج الوصفي التحليلي النقدي، مع المزاوجة بين التحليلين الكمي والكيفي عبر أداتي "تحليل المضمون" و"تحليل الخطاب" لعينة قصدية من المواد الإعلامية الصادرة عن وسائل الإعلام المقاومة والغربية في الفترة (2020–2026)».»

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تنقل القراءة من الانطباع إلى المجال الأكاديمي؛ فمجاهد لم يكتفِ بعرض موضوع البحث، بل أشار إلى المنهج والأدوات والعينة والفترة الزمنية، وهي عناصر أساسية في قراءة أي دراسة علمية وتقييم بنيتها المنهجية.

ثم تنتقل القراءة إلى النتائج، فيقول:

««خلص البحث إلى أن الإعلام المقاوم حقق تفوقاً نوعياً في توثيق الجرائم الإنسانية وتقديم رواية بديلة تتسق مع الوقائع الميدانية، كما أسهم بفاعلية في كشف التحيز وازدواجية المعايير في التغطية الإعلامية الدولية، مع تنامي تأثيره في تشكيل اتجاهات الرأي العام، لا سيما في الأوساط الشعبية والأكاديمية، في ظل التحديات التي يواجهها هذا الإعلام داخل دوائر صنع القرار الدولي نتيجة هيمنة المؤسسات الإعلامية والسياسية الغربية».»

وهنا تبرز أهمية أن مجاهد قرأ النتائج بوصفها سلسلة مترابطة: توثيق، ثم رواية، ثم كشف للتحيز، ثم تأثير في الرأي العام.

 وهي السلسلة التي تمثل أحد أهم مسارات البحث؛ إذ لا قيمة للتوثيق إذا بقي معزولًا عن الوعي، ولا قيمة للرواية إذا لم تستند إلى الوقائع والوثائق، ولا يكتمل أثر الإعلام إذا لم يصل إلى المجال العام ويؤثر في طريقة فهم الأحداث.

أما الجانب المستقبلي، فقد التقطته قراءة مجاهد بوضوح حين يقول:

««يوصي البحث بتطوير البنية المؤسسية للإعلام المقاوم، وتوظيف الإنتاج الإعلامي متعدد اللغات، وتأهيل كوادر متخصصة تجمع بين المهنية الإعلامية والالتزام بالقيم القرآنية والهدي النبوي، بالإضافة إلى بناء شراكات مع المؤسسات الأكاديمية والحقوقية؛ بما يعزز مصداقية الخطاب الإعلامي المقاوم وفاعليته وتأثيره إقليمياً ودولياً».»

وهنا لا تقف القراءة عند تشخيص الواقع، وإنما تكشف البعد التطويري في البحث؛ أي الانتقال من الاستجابة الإعلامية للحدث إلى بناء مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة، وإعداد الكوادر، وتوسيع الحضور اللغوي، وتعزيز الصلات مع المجال الأكاديمي والحقوقي.

حين يقرأ الموثقُ تجربةَ التوثيق

ولعل القيمة الأعمق في قراءة مجاهد أنها جاءت من باحث لا يقف خارج عالم التوثيق، بل يحمل تجربةً جعلت من حفظ الشهادة مسؤولية تجاه التاريخ.

فهو باحث وأديب ونسّابة، له اهتمام بالتاريخ الإسلامي والوطني وأنساب القبائل والعشائر، وارتبط نشاطه بالتوثيق والكتابة عن الشخصيات والأحداث والتضحيات.

ومن هنا فإن قراءته لبحث يجعل من توثيق الجرائم والانتهاكات ومواجهة الرواية المضللة جزءًا من معركة الوعي، تكتسب بعدًا إضافيًا؛ لأن القارئ هنا لا يتعامل مع الوثيقة بوصفها مادةً جامدة، بل يدرك أن الوثيقة هي إحدى أهم وسائل مقاومة النسيان وحماية الذاكرة.

وتزداد دلالة ذلك حين نستحضر تجربته في توثيق تضحيات الحشد الشعبي وما ارتبط بها من شهداء وتضحيات وتجارب؛ فالباحث الذي جعل من التوثيق وسيلة لحفظ الذاكرة وكتابة التجربة، يقرأ اليوم بحثًا يجعل من الإعلام والتوثيق أداتين لحماية الحقيقة من المحو والتزييف.

وهنا يصبح التقاطع بين تجربتينا أعمق من مجرد تشابه في الاهتمام؛ إنه تقاطع بين تجربتين في تحويل الحدث إلى شهادة، والشهادة إلى وثيقة، والوثيقة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى معرفة قابلة للبحث والدراسة.

وهذه هي النقطة التي تمنح عنوان البحث معناه الكامل: حين يقرأ التوثيقُ التوثيقَ.

فمجاهد لم يقرأ فقط ما كُتب عن الإعلام المقاوم، بل قرأ من داخل تجربة تعرف قيمة أن يُحفظ الحدث قبل أن يبتلعه النسيان، وأن تُجمع الشهادة قبل أن تتبدد تفاصيلها، وأن تتحول الذاكرة إلى مادة يمكن للأجيال أن تعود إليها.

 

من صنعاء إلى البصرة

في هذا السياق، يتحول البحث إلى أكثر من دراسة إعلامية؛ يصبح جسرًا معرفيًا بين صنعاء والبصرة، وبين اليمن والعراق، وبين الإعلام والتاريخ، وبين الوثيقة والشهادة.

فالمسافة الجغرافية بين الباحثين لم تمنع التقارب الفكري، بل جعلت من القراءة نفسها مساحةً للحوار العربي الذي تتكامل فيه الخبرات وتتلاقى الأقلام حول قضية مركزية: كيف نحفظ الحقيقة من التزييف، وكيف نحمي الذاكرة من النسيان، وكيف نمنح الشهادة قدرتها على البقاء؟

إنني أعتز بهذه القراءة لأنها لم تتعامل مع البحث باعتباره نصًا مغلقًا، وإنما فتحته على أسئلة أوسع: سؤال الحقيقة، وسؤال الذاكرة، وسؤال الرواية، وسؤال مسؤولية الباحث والإعلامي أمام التاريخ.

ولهذا أقول إن مجاهد منعثر منشد لم يقرأ بحثي فحسب؛ بل قرأ ما وراء البحث.

قرأ الفكرة التي يقف خلفها، والرسالة التي يحملها، والسؤال المعرفي الذي ينطلق منه، وأعاد تقديمه في سياق يجعل من الإعلام والتوثيق وجهين لمهمة واحدة: أن تبقى الحقيقة حاضرة في مواجهة التزييف، وأن تتحول الشهادة إلى ذاكرة قادرة على مقاومة النسيان.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للباحث: ليست فقط فيما يكتبه، وإنما فيما يوقظه ما يكتبه في أقلام الباحثين الآخرين.

 وقراءة مجاهد كانت من هذا النوع؛ لم تكن خاتمةً للبحث، بل ولادةً ثانيةً له في قلم آخر؛ ولم تكن تعليقًا على الفكرة، بل حوارًا معها؛ ولم تكن مجرد قراءة للنص، بل قراءة لما يمكن أن يظل منه في الذاكرة.

ومن صنعاء إلى البصرة، أبعث إلى الأستاذ مجاهد منعثر منشد تحية تليق بقلم جمع بين البحث والأدب والتوثيق، وأقول له:

شكرًا لأنك لم تقرأ كلماتي بعين القارئ فقط، بل قرأتها بعين الباحث الذي يعرف قيمة الوثيقة، وبعين الأديب الذي يدرك قوة الكلمة، وبعين الموثق الذي يعرف أن ما لا يُكتب اليوم قد تضيع معالمه غدًا.

ومن اليمن إلى العراق، ومن صنعاء إلى البصرة، تبقى المعرفة جسرًا، والتوثيق أمانة، والبحث مسؤولية، والكلمة شهادة على عصرها.

فالوقائع قد تنتهي، والأحداث قد تتغير، لكن الكلمة الموثقة تستطيع أن تهزم النسيان.

الكاتب والباحث السياسي

عدنان عبدالله سرور أحمد الجنيد

أخترنا لك
*( توبة)

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة