بقلم: مجاهد منعثر منشد
هو السيد محمد جواد بن خلف بن جاسم بن محمد بن جبر بن حمود بن نوح، وينتهي نسبه العلوي إلى الشهيد يحيى الأول بن الحسين ذي العبرة بن زيد الشهيد بن الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) بن الإمام الحسين (عليه السلام) بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)(1).
أعقب السيد محمد جواد ولدين هما السيد مرتضى والسيد عبد الرحمن، وهو ابن عم كل من السيد مهدي بن صالح بن جاسم، والسيد جبر، والسيد محمد بن صالح الياسري. وتعد هذه الذرية العلوية الطاهرة سادة قبيلة خفاجة أباً عن جد.
منذ أن وعيت على الدنيا وبدأت ملامح من حولي تلتصق بذاكرتي، كانت عيناي تتجهان إليه ولساني يلهج بكلمة "يا عم"؛ هكذا كنت أنادي السيد محمد جواد الياسري منذ طفولتي، فظننته شقيقاً لوالدي وأعمامي حتى بلغت سن الصبا.
لقد رافقته ووالدي في بعض زيارات العتبات المقدسة؛ إذ كانا لا يفترقان أبداً. وكان من الثلة المؤمنة التي أسهمت في بناء وتشييد مسجد وحسينية الرسول في منطقة الدورة ببغداد عام 1970م(2).
وما شدني للإعجاب به طوال تلك السنوات هو وفاؤه وتواصله المستمر، حتى بعد أن افترق عن والدي؛ إذ انتقلنا نحن إلى ذي قار بينما انتقل هو إلى النجف الأشرف.
كان حميد السجايا، لا غموض يكتنف حياته؛ فظاهره كباطنه تماماً. كان نفحة إيمان تعبق برائحتها كل من عرفه، وقبساً يتوهج بأسلوب فريد. كان يأبى الانصياع لمظاهر النفاق والرياء، متمسكاً بالمبادئ قولاً وفعلاً، معتزاً بكرامته وغنياً بمواهب نفسه. وما كان يدهش كل من لقيه هو وقاره الممزوج بخفة روحٍ تطير بك إلى فضاءات من الخيال الجميل، تنسيك متاعب الحياة ومصائبها.
بعد وفاة والدي عام 2020، استمر تواصلي معه في موعدنا الثابت كل يوم جمعة من الساعة الثامنة والنصف حتى التاسعة والنصف صباحاً؛ فإذا تأخرتُ بادر هو بالاتصال. وكنا نتبادل الحديث، بعد الاطمئنان على أحوال الجميع، في آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
وفي يوم 14 أب 2026، سمعتُ صوته وكأنه يكابد المرض، إذ رنَّ في مسامعي بلهجته الدارجة: "عمي، أنا تعبان".
تلعثمتُ ودعوتُ له بالشفاء.
فجر يوم 18 أب، تلقيتُ ببالغ الأسى والحزن نبأ وفاته؛ فذهل عقلي وشرد ذهني، وفزعت روحي لأساه، وأطبق الحزن على صدري. انبلج الفجر حاملاً سعيراً من الألم، إيذاناً بفراق أبديّ لا لقاء بعده في الدنيا. حين رفعوا نعشه والدموع الغزار تملأ العيون، شعرتُ بهيبة الموت ووجع الفقد، وأحسستُ وكأنني فقدتُ والدي مرة أخرى في تلك اللحظة.
رحل الفقيد، لكن مشاعره ومواقفه وكلماته باقية لا تموت. لقد وفد إلى ربه طاهر النفس، يحمل سجلَّ حسناته وتاريخه المشرّف، ليرقد في جنات الخلد بين روح وريحان، وتلك عقبى المتقين المشتاقين إلى برد المقيل في ظلاله.
اللهم لك الحمد مِسكَباً، فلا المال ولا البنون باقون، ولا النفس مخلّدة. ربِّ اجعل أذنه واعية، ولسانه سامعاً لتلقين الملائكة، وطيب ضميره. اللهم لا تجعله في الحساب عارياً، وارحم مَن أحببنا، واجعل قلبه في رفقة حبيبك محمد، وروحه في كنف آل بيت النبي، وافتح له أبواب الجنان، وآمِنه من الفزع الأكبر بحق الأنبياء والمرسلين.
اللهم أعطه من المغفرة ما لم تُعطِ أحداً، وجدّد ظلَّ رحمتك الواسعة على روحه، وارزق أهله وذويه صبراً وسلواناً بقدر ما ابتُلِيَ به، إنك سميع مجيب، وبالإجابة جدير.
...................
الهوامش
(1) راجع للكاتب مقال السيد ناصر الياسري, نسبه, كرامته, قبره ,منشور على الشبكة العنكبوتية.
(2) راجع للكاتب مقال تاريخ حسينية الرسول (ص)ومنطقة الدورة ببغداد , منشور على الشبكة العنكبوتية.