بقلم | مجاهد منعثر منشد
مياهُ الفراتِ تَتَلألأ تحتَ أَشعةِ الشَّمسِ تدعو كلَّ ظامئ ليرتوي منها.
الرَّضيعُ بعمرِ الزُّهورِ بحِجرِ أُمِّهِ , جَفَّ حَليبُ الأُمِّ، غارتْ عَيناهُ ,أَرهَقَهُ الظَّمأ !
هَل هذا الظَّمأ سَبَبُهُ شُحُّ الماءِ أَو شُحُّ المُروءةِ ونُبلُ الأَخلاقِ وتجرُّدٌ من الإنسانيَّة؟
ياتُرَى أَمياهُ الفراتِ محرَّمة على سِبطِ سيِّدِ الخَلقِ وأَهلهِ؟
دخلَ الحسينُ يودِّعه الوداعَ الأَخير , التصقَ بحُضن أَبيهِ, وسعَهُ من شَفتيهِ الذَّابلَتينِ تَقبيلاً , تمايلَ بينَ يَديهِ يَشيحُ بوجِهِهِ وَهْنًا وعَطَشًا, أُغمِي عليه .
ظَلَّلَهُ الإمامُ بردائِهِ من حَرارةِ الشَّمسِ , حَمَلَهُ إلى القومِ , يَستَدرُّ عَواطفَهم , لعلَّ بذرةً إنسانيَّةً متبقيةً تُخرجهم من بينِ دَهاليزِ القَسوةِ والوَحشيَّةِ , صاحَ الأَبُ المكلومُ : إن كانَ ذَنبٌ للكبارِ فما ذَنبُ الصِّغارِ؟ اتَّقوا اللهَ في الطفلِ، إنْ لم تَتَّقوا اللهَ فينا.
تبددَ صوتُهُ في فضاءٍ مُظلمٍ لايُرى غيرَ حُمرةِ الدِّماءِ , استشفقَ أَحدهم على ذاكَ الرضيعِ الذي يحتضرُ عطشًا؟
تناثرتْ هَمهَمَاتُ القومِ ,تَعلَّقَ بعضُهم بأَهدابِ الإنسانية, تَساءلوا :ما علاقةُ الطفلِ ببيعَةِ يَزيد , ماذا يضيرُنا إنْ سَقَيناهُ؟
انبَرَى حَرمَلَةُ بنُ كَاهِلٍ الأَسَديُّ , سَدَّدَ لهُ سهماً , ضَحِكَ مُفتَخِراً بينَ أَصحابهِ وهو يلفظُ : خُذْ هذا فَاسْقِهِ .
اختَرَقَ السَّهمُ رَقبةَ الملاكِ الصَّغيرِ، تفجَّرَ نبعُ الدَّمِ الطاهرِ، رَفرَفَ كفَراشةٍ بَجَناحَيها، انحَنَى الرَّضيعُ رافعاً رأسَهَ لخالِقِه .
نظرَ إليه الحسينُ, رفعَ يديه المملوءتينِ من الدَّمِ الطاهرِ رَمَى بهِ نحوَ السَّماءِ , لم تَسقطْ قطرةٌ على الأَرضِ , نَاجى رَبَّه : هَوِّنْ مَا نَزَلَ بِي إنَّهُ بعينِ اللهِ تَعَالى , اللَّهم لا يَكُن عليك أَهْوَنُ مِن فَصِيلِ نَاقةِ صَالح ، الهي إنْ كنتَ حَبِستَ عنَّا النَّصرَ فَاجعلهُ لمَا هو خَيرٌ منهُ ,وانتَقِمْ من الظَّالمينَ ,واجعَلْ ما حَلَّ بنا في العَاجلِ ذَخيرةً في الآجِلِ , اللَّهم أَنتَ الشَّاهدُ على قومٍ قَتَلوا أَشبَهَ الناسِ برسولِكَ محمَّدٍ .
نزلَ الإمامُ الحسينُ من جَوادهِ وحَفَرَ لطفلِهِ بجفنِ سَيفِهِ حُفرة ودَفَنَهُ مُرَمَّلاً بدمائِهِ الزَّكيَّةِ .