مصارع آل عقيل وآل الحسن

2026/06/16

بقلم | مجاهد منعثر منشد

تقدَّمَ عبدُ الله بنُ مسلم وجَعفرُ وعبدُ الرحمنِ وعليّ وعبدُ اللهِ الأَكبر أَولادُ عَقيل, ومحمَّدُ بنُ أَبي سعيد بن عقيل ومحمَّدُ بنُ مسلم , كأَنَّهم صقورٌ كَواسِرٌ , يقاتلونَ قتالَ الأُسُودِ وتَلهَجُ أَلْسِنَتُهُم بالأَراجيز حتَّى استُشْهِدوا .

وتقدَّمَ أَبناءُ جعفرٍ, عَونُ , محمَّدُ , عبدُ الله . وأَبناءُ عبدِ اللهِ بنِ جعفر أَولادِ العقيلةِ زينب, فقتلوا جميعًا .

وتقدَّمتْ الفتيةُ في غَضَارةِ العُمرِ وريعانِ الشَّبابِ من أَبناءِ الإمام الحَسَنِ, عبدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ , برزَ للحربِ فتَنَاهبتْ جسمَهُ السيوفُ والرِّماحُ , خَرَّ إلى الأرض صَريعًا.

والحسنُ المثنى , أُصيبَ وحملَهُ أَسماءُ بنُ خَارجةَ الفَزَاريّ وأَخفاهُ يُعالِجُ جراحَهُ , فَلَحِقَ إلى يَثربَ.

يرنو القاسمُ بنُ الحَسَنِ كالقَمرِ لعمِّهِ الحسينِ في مِحنَتِهِ , وصلَ مسامَعهُ في يوم العاشر من محرم نداءُ عَمِّه وصوتهُ: واغُربَتَاهُ ... واقِلَّةَ نَاصِرَاه ... أَما مِنْ مُعينٍ يُعينُنَا؟ أَمَا مِنْ نَاصرٍ يَنصُرُنَا؟ أَما مِنْ ذابٍ يَذبُّ عن بَنَاتِ رَسولِ اللهِ؟ فَصَرَخَ : لايُقتَلُ عمِّي وأَنا أَحمِلُ السَّيفَ .

هرولَ الفتى وانكبَّ على قَدَمَي عمِّهِ يُقبلهما ويَتَوسَّلُ إليه أَنْ يأذنَ لهُ في القتالِ . وضعَ الإمامُ الحسينُ يديهِ على كتفَي القاسمِ ورفَعَهُ وقَبَّلهُ في جبينِهِ وهَمَسَ في أُذنيه: أَنتَ البقيَّةُ من أَخي الحَسنِ. دخلتْ اللوعةُ في قلبِ الصَّبي وكأَنَّه يكلِّمُ نفسَهُ : عَمِّي يَخشَى أَن أُقتَلَ وربَّما يَرَاني صغيرًا , عادَ إلى الخَيمةِ مَكسورَ الخَاطِرِ .

نظرتْ أُمُّهُ (رَملَة) لوجهِهِ بعد أَنْ سمعتْ جوابَ عمِّهِ إليه , فأَخرجَتْ صندوقَ زوجِها الحَسنِ , ثم نادتْ ولدَها : ولدي قاسم أدنُ منِّي . اقتربَ منها ولدُها وقد غلبَ الحُزنُ على مُحيَّاه , فدفعت الصندوقَ ووضعَتهُ بينَ يديهِ قائلةً : هذا ارثُ أَبيكَ إليكَ, وقد أَوصاني أَنْ أَدفَعَ إليكَ لباسَهُ فأَلبَسَتْهُ ثوبَ الحَسَنِ. وأَخذتْ مَنطقةَ الحَسَنِ وشدَّتها في وسطِ القاسمِ ورفعتِ الثَّوبَ قليلًا ثمَّ أَخذتْ قَميصَ أَبيهِ فأَلبَسَتْهُ ثمَّ أَلبَسَتْهُ عمامَةَ أَبيهِ.

 وقفَ أَمامَها فأَخذتْ تَبكي بحرقةٍ وأَلمٍ ولوعةٍ, دفعتْ إليهِ كتاباً مختوماً من أَبيه قالتْ لهُ بُنَي قاسم: هذهِ وصيةُ أَبيكَ الحَسَنِ إليكَ كتبَها إليكَ يوماً وهو يبكي . تلقَّفَها القاسمُ متلهفاً وفيها خط والده فتحَها فاذا فيها: بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم بُنَي قاسم أَنَا أَبوكَ الحَسَنُ إذا رَأَيتَ عَمَّكَ الحُسين يُجيرُ ولا يُجَارُ ويَطلِبُ النُّصرَةَ فلا يُنتَصَرُ له وحيداً فريداً بِلا ناصِرٍ ولامُعِينٍ فَابُذلْ مُهجَتَكَ دونَهُ فَإنْ أَبَى وامتَنَعَ فَأَرهِ خِطابِي هذا فإنَّهُ لنْ يَردَّكَ أَبداً .

سالتْ دموعُ القاسمِ على خدَّيهِ وبَكَى بلوعةٍ وحرقةٍ, وأَظنُّ قد دارَ في خَلَدِهِ: شَعَرَ باليُتمِ, وعَظيمِ الفاجعَةِ , والمُصابُ الذي حَلَّ بعمِّهِ ذَهَبَ مسرعاً إلى إمامِهِ الحسينِ رافعاً الكتابَ بكفِّهِ, أَخذَهُ  الإمامُ منهُ. وكانَ يعرفُ خَطَّ أَخيهِ , قبَّلَهُ وقرأَ ما فيه فَأَجهَشَ بالبكاءِ، ثمَّ ضمَّ القاسمَ لصَدرهِ, فبكيَا معاً حتَّى أُغشي عليهما. انتبهَ الفتى ليطرقَ مَسَامعَ عمِّه: ياعمَّاهُ لاطاقةَ لي على البقاء  وأَرى أُخوتي وبَني عمومتي مُجَزرينَ على الرَّمضاء، وأَراكَ وحيداً فريداً.

ردَّ الحسينُ: يا ولدي أَتَمشِي برجلِكِ للموت؟

وكيفَ لا يا عَمّ وأَنَت بينَ الأَعداءِ وحيداً فريداً لم تَجِدْ ناصراً ولامعيناً. روحي لروحِكَ الفداء ونفسي لنفسِكَ الوقاء .

أَردَفَ عمُّه بسؤال: بُنًي قاسم كيفَ تَجِدُ الموتَ؟

أَجابهُ الغلامُ كصاحبِ بصيرةٍ: في سَبيلكَ ياعمُّ أَشهَى من العَسلِ .

 أَذِنَ لهُ بالقتالِ بعدَ سَمَاعِهِ إجابةَ القاسمِ التي وجدَ فيها النضوجَ والبصيرةَ , , ناداهُ: حبيبي قاسم هَلُمَّ إليَّ , دَنَا منهُ فأَخذهُ الحسينُ وضمَّه إلى صَدرهِ وقَبَّلَ ما بينَ عَينيهِ, تناولَ الحسينُ عَمَامةَ القاسم قَسَمَها نِصفَينِ وأَدلاها على وجهِهِ, وأَخذَ ثوبَ القاسم فشقَّهُ وأَدالَهُ على ابنِ أَخيه كهيئةِ الكَفَنِ و كأَنَّ الحسينَ تَيقَّنَ أَنَّ القاسمَ مقتولٌ لامحالةَ . فما لبثَ إلَّا وثارَ ثورةَ الضِّرغامِ بيدهِ السَّيف وعليه قَميصٌ وإزارٌ وفي رجليهِ نعلانِ ، جعلَ يمشى بينَ صفوفِ الأَعداءِ ويَضربُ بسيفِهِ، مُستخفّاً بالموتِ غيرَ آبهٍ بالجَمعِ كما يَفعَلُ الرِّجالُ الصَّناديدُ , غير أَنَّ شِسْعَ نَعلِهِ اليُسرى تعرَّضَ للقطع فَأَنِفَ أن يَحتَفيَ في الميدانِ وهو ابنُ أَعظمِ الأَنبياءِ, فوقفَ يَشُدُّ الشِّسعَ، وهو يرتجزُ :

إنْ تُنْكِرُوني فأنا نجلُ الحسَنْ‏

                   سِبطِ النَّبيِّ المصطـفى والمؤتمَنْ

 

حسينٌ كالأَسيرِ المرتهَنْ

                   بينَ أناسٍ لا سُقُوا صَوبَ المُزُنْ‏

 

أَنِفَ سليلُ النبوةِ والإمامةِ أَن تكونَ إحدى رجليه بلا نَعلٍ فوقفَ يشدّهُ متحدياً لهم، واغتنم هذه الفرصةَ كلبٌ من كلابِ ذلك الجيشِ وهو عَمرو بن سعدٍ الأزْديّ قائلاً: واللهِ لأشدّنَّ عليه! ، فأَنكرَ عليهِ ذلك حميدُ بنُ مسلمٍ، وقالَ له : سُبحانَ الله، وما تُريد بذلك؟! واللهِ لو ضَرَبَني ما بَسَطتُ إليه يدي، يكفيه هؤلاءِ الذين تَراهُم قد احتَوَشُوه،... فلم يَعِنْ الخبيثُ بهِ، فشدَّ عليه، فما ولَّى حتَّى ضَرَبَ رأسَهُ بالسَّيفِ , فَهَوى إلى الأَرضِ كما تَهوي النُّجومُ صريعاً يتخبَّطُ بدمِهِ القاني.

نادى الغلامُ بأَعلَى صوتِه ِ: ياعَمَّاهُ أَدركني. سمعَ الإمامُ هذا النِّداءَ فتقطَّعَ قلبُهُ وفاضتْ نفسُهُ أَسَى وحسرات، انثنَى نحو ابنِ أَخيهِ يضمُّهُ , يَشمُّهُ , ويتملَّى في جسدِهِ المُثخَنِ , رونقَ الزهور!

عمدَ إلى قاتلِهِ فضربَهُ بالسَّيفِ، فاتقاها بساعدِهِ فقطعَها من المِرفَقِ، وطرحَهُ أَرضاً، وحملتْ خيلُ أَهلِ الكوفةِ لاستنقاذِهِ إلَّا أَنَّ الأَثيم هلكَ تحتَ حوافرِ الخَيل.

عادَ الإمامُ يوسعُهُ تقبيلاً والفتى يَفحَصُ بيديهِ ورجليهِ كالطيرِ المَذبوحِ ، خاطبَهُ الإمامُ بذَوبِ روحِهِ : بُعداً لِقَومٍ قَتَلوكَ ! ومَن خَصمُهُم يَومَ القِيامَةِ جَدُّكَ وأبوكَ، عَزَّ وَاللَّهِ عَلى‌ عَمِّكَ أن تَدعُوَهُ فَلا يُجيبَكَ ، أو أن يُجيبَكَ وأنتَ قَتيلٌ جَديلٌ فَلا يَنفَعَكَ ، هذا وَاللَّهِ يَومٌ كَثُرَ واتِرُهُ وقَلَّ ناصِرُهُ.

 وحملَ الإمامُ ابنَ أَخيه بينَ ذراعيهِ، وهو يَفحَصُ بيديهِ ورجليهِ، حتَّى فاضتْ نفسُهُ الزكيةَ بين يديه، وجاءَ بهِ فَأَلقاهُ بجوار ولدهِ عليٍّ الأَكبر، وسائرِ القتلى المُمَجَّدينَ من أَهلِ بيتِهِ، أَخَذَ يطيلُ النظرَ إليهم , تَصدَّعَ قلبُهُ، أَخَذَ يدعو على السَّفاكينَ المجرمينَ الذين استباحوا قتلَ ذريَّةِ نَبيِّهم، قائلاً : ( اللهم احصِهِمْ عَدَدا، ولا تُغادِرْ منهم أَحداً، ولاتَغفِرْ لهم أَبداً، صَبراً يا بَنِي عُمُومَتِي ، صبراً يا أَهل بَيتِي، لارأيتم هَواناً بعدَ هذا اليومِ أبداً).

أخترنا لك
بين الغدير وكربلاء

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة