زواج النورين

2026/05/19

أصبح الفتى شابا مكين البنيان, حافظا لتكوينه المكين حتى ناهزالستين . شاب ربع أميل إلى القصر, أسمر, أصلع مبيض الرأس واللحية طويلها, واضح البشاشة,أغيد كأنما عنقه أبريق فضة, عريض المنكبين لهما مشاش كمشاش السبع الضاري لايتبين عقده من ساعده كأنها أدمجت أدماجا . أبجرالبطن يميل إلى السمنة في غيرإفراط, ضخم عضلة الساق دقيق مستدقها, ضخم عضلة الذراع  دقيق مستدقها, شثن الكفين, يتكفأ في مشية كأنها مشية النبي . تمنى خطبة الزهراء إلا أنه لايملك شيئا يليق بمقام العروس ومقام والدها الحبيب .

فاطمة الزهراء بلغت مبلغ النساء, برزت شخصيّتها وتبوُّأت مكانة مرموقة في المجتمع الإسلاميّ, وجهها كوجه القمر والشمس الضاحية, مشكاة كأنها كوكب دري, جمالها وحسنها لايضاهي الحسن والجمال .

استنارت في سماء الرسالة شمس جمالها، وتم في أفق الجلالة بدركمالها، امتدت إليها مطالع الأفكاروتمنّت النظر إلى حسنها أبصارالأخيار، وخطبها سادات المهاجرين والأنصار,, يسألها الرسول رأيها؟

شدّة أدبها تجعلها تولّي وجهها عندما يسألها أبوها, تبدوعليها الكراهة والرفض.

النبي يقبل هجعةَ الغيثِ في قلب الغَمام في جبينها, يفهم رفضها . أعرض عن كلّ من خطبها بقوله: أنتظرأمرالله فيها .

الشاب يعلم, لكنه لايستطيع يفعل شيئا؛  لقلة حيلته اكتفى بالصبروالألم الذي أدمى قلبه.  شجعه الأنصار: تقدم لخطبتها, تملك حبك لآبيها, لم تعبد الأصنام ,أول من أسلم , فديته بنفسك, نزلت في كرائمك بعض الآيات, أعلم المسلمين بالقران وتفسيره, أقضى الآمة, الحق معك أين ما درت, ماذا تنتظر؟

تقدّم الشاب طالبًا يدها, كان قليل المال, دخل على الرسول, نطق باستحياء : قَدْ أَحْبَبْتُ‏ مَعَ مَا (قَدْ) شَدَّ اللَّهُ مِنْ عَضُدِي بِكَ أَنْ يَكُونَ لِي بَيْتٌ وَأَنْ تَكُونَ لِي زَوْجَةٌ أَسْكُنُ إِلَيْهَا وَقَدْ أَتَيْتُكَ خَاطِباً رَاغِباً أَخْطُبُ إِلَيْكَ ابْنَتَكَ فَاطِمَةَ.

تهلّل وجه النبي فرحًا وسرورًا,حرك شفتيه بابتسامة سعيدة, نطق بصوته الشجي : أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ عزّوجلّ قَدْ زَوَّجَكَهَا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُزَوِّجَكَهَا مِنَ الْأَرْضِ. أردف : عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ.

دخل الرسول على ابنته, سألها رأيها؟

سَكَتَتْ حياءً وخجلًا في حضرة أبيها , لَمْ تُوَلِّ وَجْهَهَا ولَمْ يَرَفِيهِ رَسُولُ اللَه كَرَاهَةً، نهض من عندها وَهُوَيَردد ويسمعها: اللَّهُ أَكْبَرُسُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا.

خرج زفًّ خبرالموافقة إلى الشابّ معلنًا مباركته زواجهما . سأله الرسول: فَهَلْ مَعَكَ شَيْ‏ءٌ أُزَوِّجْكَ بِهِ؟

ـ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِي شَيْ‏ءٌ أَمْلَكُ سَيْفِي وَدِرْعِي وَنَاضِحِي وَمَا أَمْلَكُ شَيْئاً غَيْرَهَذَا. 

قال النبي: أما سيفك فلا غنى لك عنه، تجاهد به في سبيل الله، وتقاتل به أعداء الله، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكني قد زوجتك بالدرع ورضيت بها منك، بِع الدرع وائتني بثمن!!

باعه وجاء بأربع مئةٍ وثمانين درهمًا صداق فاطمة . دفع النبي قسمًا من مال الصداق إلى بعض أصحابه ليجهّزوا بيت فاطمة، قسم تركه مع بعض زوجاته ثمن وليمة العرس, خصّص قسمًا من المال لشراء الطيب لفاطمة .

أمّا جهاز منزل فاطمة والشاب, الأشدّ تواضعًا وزهدًا، قَمِيص بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ‏، خِمَار بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، قَطِيفَة سَوْدَاءَ خَيْبَرِيَّةٍ، سَرِيرٍ مُزَمَّلٍ بِشَرِيطٍ، فِرَشَينِ حَشْوُ أَحَدِهِمَا لِيفٌ، الْآخَرِ مِنْ جَزِّالْغَنَمِ، أَرْبَعِ مَرَافِقَ مِنْ أَدَمِ الطَّائِفِ حَشْوُهَا إِذْخر، سِتْرٍ مِنْ صُوفٍ، حَصِيرٍهَجَرِيّ، رَحَى الْيَدِ، مِخْضَبٍ‏ مِنْ نُحَاسٍ، سِقْيٍ مِنْ أَدَمٍ، قَعْبٍ لِلَّبَنِ، شَيْ‏ءٍ لِلْمَاءِ، مِطْهَرَةٍ مُزَفَّتَةٍ، جَرَّةٍ خَضْرَاءَ، كِيزَانِ خَزَفٍ.

بعد شهرًواحد , أخبره أخوه من أبيه: مَا فَرِحْتُ بِشَيْ‏ءٍ كَفَرَحِي بَتَزْوِيجِكَ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ, يَا أَخِي فَمَا بَالُكَ لَا تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُهَا عَلَيْكَ!

بدت ملامح السروروالخجل على وجهه, أجابه : وَاللَّهِ يَا أَخِي إِنِّي لَأُحِبُّ ذَلِكَ وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ مَسْأَلَتِهِ إِلَّا الْحَيَاءُ مِنْهُ.

 اصطحبه لزوجة الرسول, طلبا منها أن تتولى المهمة. تلعثمت هنيهة, أخبرت النبي , تبسم وخرج للشاب قائلا : نَعَمْ وَكَرَامَة أَدْخِلْهَا عَلَيْكَ فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ أَوْفِي لَيْلَةِ غَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

أمر الرسول نساءه بفرش البيت وتزيينه, تطيبت العروس انصرمت شمس الغروب, أقام النبي الوليمة بما تبقّى من دراهم الصداق, أكل عموم المسلمين من الوليمة ببركة الرسول.

زفت فاطمة الحوريّة على بغلة الرسول الشهباء, الصحابي سلمان يجرها, النبيّ يسوقُها, أخوته وأهل البيت يمشون خلفها مشهرين سيوفهم, نساء النبي قدامها, يَرْجُزْن‏ وينشئْن الأشعارويُردّدنها، والرجال تقول الله أكبر.

وصلوا المنزل نادى النبي أم سلمة : هَلُمِّي فَاطِمَةَ .

أنزلتها ,أَتَتْ بِهَا تَسْحَبُ أَذْيَالَهَا, الزهراء تَصَبَّبَتْ عَرَقاً حَيَاءً مِنْ رَسُول اللَّه, عثرت, نظرالنبي إليها قائلا : أَقَالَكِ اللَّهُ الْعَثْرَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَشَفَ الرِّدَاءَ عَنْ وَجْهِهَا حَتَّى رَآهَا الشاب, أَخَذَ يَدَهَا وَضَعَهَا فِي يَدِ الشاب, وَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ نِعْمَ الزَّوْجَةُ فَاطِمَةُ، وَيَا فَاطِمَةُ نِعْمَ الْبَعْلُ انْطَلِقَا إِلَى مَنْزِلِكُمَا .

 أنطلق الشاب معها يد بيد, جَلَسَتْ فِي جَانِبِ الصُّفَّةِ وَجَلَس فِي جَانِبِهَا, أطرقت رأسها حياء منه , أطرق رأسه حياء منها , أصبحا وحدهما, بكت فاطمة!

أستغرب الشاب بكاء حبيبته, ضمها لصدره, سمعت ضربات قلبه تذكر الله وصداها يدخل أذنها الصاغية أحبك, همس بصوت منخفض : ما الذي يبكيك با ابنة العمّ؟! هلّا رضيتني بعلًا؟ هدأت وكفكفت دموعها, ابتسمت, أجابت استغرابه بصوتها العذب : نِعمَ البعل أنت يابن العمّ. قام العروسان ليلتهما يتهجّدان لله عزّوجلّ ويتعبّدان ويشكرانه على نعمه وعلى نعمة اجتماعهما.

.................................................

بقلم | مجاهد منعثر منشد , رواية مقاتل في التنزيل وعلى التأويل , الطبعة الأولى , منشورات دار جسد (بغداد 2021 ) ,ص 23 25.

أخترنا لك
الكاظمي يوجِّه بوضع خطة سريعة لمعالجة المنظومة الكهربائية

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة