تعني عسكرة الاقتصاد العالمي تزايد ارتباط النشاط الاقتصادي بالاعتبارات العسكرية والأمنية، بحيث تصبح الدول والشركات وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والطاقة، وحتى التجارة الدولية، خاضعة بشكل متزايد لمنطق المنافسة والصراع بين القوى الكبرى.
بقلم|زياد ناصر الدين
لم يعد الاقتصاد العالمي قائماً فقط على مبدأ الكفاءة والربح، بل بات في العصر الحديث يعمل ضمن بُعد يرتبط بالأمن القومي. وتشير البيانات الاقتصادية لعام 2025 إلى أنّ هذا التوجّه يضع الاقتصاد العالمي على حافة صدمات محتملة، نتيجة التوترات في المناطق الحيوية، بما يعزّز هيمنة الاعتبارات الأمنية على الأولويات الاقتصادية.
ومع تصاعد هيمنة الاعتبارات الأمنية على القرارات الاقتصادية، برز مفهوم يُعرف بـ"عسكرة الاقتصاد العالمي"، وهو مفهوم يعكس تداخل الاقتصاد مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية.
ما المقصود بعسكرة الاقتصاد العالمي؟
تعني عسكرة الاقتصاد العالمي تزايد ارتباط النشاط الاقتصادي بالاعتبارات العسكرية والأمنية، بحيث تصبح الدول والشركات وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والطاقة، وحتى التجارة الدولية، خاضعة بشكل متزايد لمنطق المنافسة والصراع بين القوى الكبرى.
كيف ظهرت عسكرة الاقتصاد؟
بعد الحرب الباردة، ساد نموذج العولمة القائم على فتح الأسواق، وحرية التجارة، والاعتماد المتبادل بين الدول، إضافة إلى سلاسل توريد عالمية متوافرة بسهولة.
لكن خلال العقد الأخير بدأت التحوّلات الكبرى تظهر في المشهد الاقتصادي العالمي، مع مجموعة من التطوّرات أبرزها:
1- صعود الصين اقتصادياً
2- الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة
3- جائحة كورونا
4- حرب روسيا وأوكرانيا
5- التوترات بين الهند وباكستان
6- التوترات بين الصين وتايوان
ومع هذه التطوّرات، بدأت الدول تنظر إلى الاعتماد الاقتصادي باعتباره نقطة ضعف يمكن تحويلها إلى سلاح، وبات الاقتصاد يُدار تدريجياً بمنطق القوة والنفوذ.
ما هي مظاهر عسكرة الاقتصاد العالمي؟
تظهر عسكرة الاقتصاد العالمي اليوم في عدد من السياسات والتحوّلات الكبرى التي باتت تربط الاقتصاد مباشرة باعتبارات النفوذ والصراع الدولي، سواء عبر العقوبات، أو التكنولوجيا، أو الطاقة، أو حتى سلاسل التوريد والتجارة الدولية.
1- العقوبات الاقتصادية
أصبحت العقوبات الاقتصادية أداة من أدوات الحرب الحديثة، عبر تجميد أصول الدول، ومنع التصدير، والعزل المصرفي، والحظر التكنولوجي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك العقوبات الغربية على روسيا بعد غزو أوكرانيا، والعقوبات الأميركية المفروضة على إيران وشركات صينية.
2- حرب التكنولوجيا
تحوّلت التكنولوجيا إلى قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي، وخصوصاً في مجالات الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات، والأمن السيبراني.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك القيود الأميركية على تصدير الرقائق المتقدّمة إلى الصين، إضافة إلى الضغوط التي مورست على شركات مثل "هواوي".
3- إعادة تشكيل سلاسل التوريد
أصبحت سلاسل التوريد تعتمد على مفاهيم ذات بُعد سياسي واقتصادي، مثل "الصديق الموثوق" بدلاً من "المورد الأرخص".
ويعني ذلك نقل سلاسل التوريد والاستثمارات إلى دول حليفة أو صديقة سياسياً واقتصادياً، بدلاً من الاعتماد على دول منافسة أو معادية.
وأصبحت الفكرة الأساسية تقوم على أنّ الدولة لا تختار المورد الأرخص، بل تختار "الأمن السياسي".
فعلى سبيل المثال، تتجه الولايات المتحدة إلى نقل جزء من إنتاجها من الصين إلى المكسيك، وفييتنام، والهند، أو إلى دول حليفة أخرى.
ومن هنا ظهر مفهوم "سلاسل توريد الحلفاء"، إلى جانب مصطلحات جديدة مثل "الاقتصاد الآمن".
4- عسكرة الطاقة والغذاء
يُقصد بعسكرة الطاقة والغذاء استخدام الطاقة، مثل النفط والغاز والكهرباء، والغذاء، مثل القمح والحبوب والأسمدة والمياه، كأدوات ضغط سياسي واستراتيجي بين الدول، بدلاً من التعامل معها كسلع اقتصادية فقط.
أي إنّ الدول باتت تستخدم مواردها الحيوية لتحقيق أهداف سياسية أو لإضعاف خصومها.
أ- كيف تتحوّل الطاقة إلى سلاح؟
يمكن للدول المنتجة للطاقة أو المسيطرة على طرق النقل أن تستخدم الطاقة للضغط السياسي عبر قطع الإمدادات، رفع الأسعار، فرض الحظر والتحكّم بخطوط الأنابيب والممرات البحرية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- أزمة الغاز الروسي مع أوروبا
- النفط في حروب الشرق الأوسط
- السيطرة على الممرات البحرية، مثل مضيق هرمز، وقناة السويس، وباب المندب
وتُعدّ هذه المناطق نقاطاً استراتيجية، وأيّ اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
ب- كيف يصبح الغذاء سلاحاً؟
يمكن استخدام الغذاء كسلاح من خلال منع التصدير، احتكار الحبوب، التحكّم بالأسمدة، حصار الموانئ، والضغط على الدول المستوردة للغذاء. فالتحكّم بالمياه يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والطاقة والزراعة.
ويعود تصاعد عسكرة الطاقة والغذاء في السنوات الأخيرة إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها الحروب الجيوسياسية، والتغيّر المناخي، واضطراب سلاسل التوريد، إضافة إلى احتدام التنافس بين القوى الكبرى.
وفي النظام العالمي الحالي، لم يعد النفط والغاز مجرّد مصادر للطاقة، كما لم تعد الحبوب والأسمدة مجرّد سلع زراعية، بل تحوّلت إلى أدوات قوة ونفوذ تستخدمها الدول في الصراع الجيوسياسي والاقتصادي، تماماً مثل العقوبات أو القوة العسكرية.
5- تصاعد الإنفاق العسكري
وصل الإنفاق العسكري العالمي عام 2025 إلى 2.84 تريليون دولار، بزيادة بلغت 2.9%. وأدّت الحروب والتوترات الدولية إلى رفع الإنفاق الدفاعي عالمياً، ما ساهم في:
- نمو الصناعات العسكرية
- توسّع شركات السلاح
- زيادة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي العسكري
- تصاعد سباق التسلّح في مجال الذكاء الاصطناعي
كما تشير موازنة الولايات المتحدة العسكرية لعام 2027 إلى أرقام قد تصل إلى 1.4 تريليون دولار
في ظلّ هذا التحوّل، تبدو التجارة والطاقة والتكنولوجيا اليوم جزءاً من توازنات الردع والصراع بين القوى الكبرى، لا مجرّد أدوات للنمو والربح. ومع اتساع استخدام الأدوات الاقتصادية في النزاعات الدولية، باتت المواجهة بين الدول تُدار بوسائل مالية وتجارية وتقنية، بقدر ما تُدار بالقوة العسكرية.
وهنا يبرز السؤال الأهمّ: هل دخل العالم مرحلة عسكرة الاقتصاد تمهيداً لحروب لا تنتهي؟