إعادة الهندسة الجيوسياسية لغرب أفريقيا.. التوترات في مالي وحصار الجزائر ونيجيريا

2026/05/11

لجوء الإدارة الأميركية في هذا التوقيت إلى محاولة مواجهة الوجود الروسي في أفريقيا، ولا سيما بين دول الساحل والشمال الأفريقي، يشير بوضوح إلى أن الأميركيين قد استسلموا بالفعل لواقع الهيمنة الإيرانية على مضيق هرمز.

بقلم|أحمد صبري السيد علي

بطريقة أقرب إلى النموذج السوري، وبإمكانيات عسكرية غير متوقعة، فوجئ العالم بهجمات مجموعات سلفية جهادية وانفصاليين طوارق من إقليم أزواد في شمال مالي على الجيش والمقار الحكومية، وتمكنت من الاستيلاء على عدد من المدن الشمالية واغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا، في الوقت الذي ظهر فيه رئيس المجلس العسكري عاصمي غويتا بعد ثلاثة أيام من هذه الأحداث ليعلن أن الأمور تحت السيطرة.

الصراع بين الحكومة المركزية في مالي وإقليم أزواد ليس جديداً، فقد بدأ منذ استقلال مالي عن فرنسا عندما طالبت قيادات الإقليم بعدم الانضمام إلى دولة مالي وتأسيس دولة مستقلة إلا أن الاحتلال الفرنسي أصر على ضم الإقليم إلى الدولة الوليدة، ويرى بعض الباحثين أن هذا الضم كان نوعاً من العقاب لنضال قادة الإقليم ضد الاحتلال الفرنسي، وخلقاً لمشكلة تسمح لفرنسا بالتدخل في مالي لاحقاً.

ومنذ ذلك التاريخ، خاضت المجموعات المنتمية للإقليم عدداً من التمردات ضد الحكومة المركزية في باماكو. والتي سعت بدورها إلى محاولة الفصل بين ولاءات المجموعات العرقية التي يضمها الإقليم (الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي). بحيث تمكنت من استقطاب بعضها، بل تمكنت كذلك من استقطاب مجموعات من الطوارق (الأكثر تشدداً في مساعي الانفصال) الأمر الذي ينفي عن المجموعات الحالية فكرة التعبير عن إرادة كل سكان الإقليم بصورة فعلية.

هنا يبرز التساؤل: ما  خلفيات القضية الأزوادية؟

إن هذا التمرد الأزوادي هو سلوك متكرر من هذا الإقليم منذ 1963 وحتى الآن، وكانت الجزائر دائمة التدخل بهدف المصالحة بين قادة التمردات الأزوادية وبين الحكومة المركزية في باماكو، في محاولة لتجنب التدخلات الغربية (الفرنسية على الأخص) في هذه القضية.

وبغض النظر عن الفشل الغربي في القضاء على ظاهرة الإرهاب، بل واستغلالها في ابتزاز هذه الدول الأفريقية للتخلي عن ثرواتها لمصلحته، فإن قضية إقليم أزواد لها أسبابها الاقتصادية. فنحو 45% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، ومن الغريب أن تصنف مالي ضمن أفقر دول العالم رغم ما تحويه من ثروات، الأمر الذي يثير غضب المجتمعات المحلية في الإقليم، والتي تشتكي من عدم استفادتها من ثروات الذهب، حيث تذهب العوائد للنخبة أو للشركات الخارجية، ما يغذي الشعور بالظلم الاجتماعي.

وألقت الصراعات بظلالها على الواقع الحياتي للسكان إذ يواجه أكثر من 5.1 مليون شخص حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية في 2026. وتتعرض مناطق في الشمال مثل ميناكا لمخاطر المجاعة بسبب الحصار المفروض من الجماعات المسلحة وفشل الحكومات المركزية المتتالية في التعامل معه. وزادت مشكلة النزوح من مناطق الصراع إلى المدن الكبرى من الأزمة، حيث سُجل نزوح مئات الآلاف داخلياً، ما ساهم في تزايد الضغط على هذه المدن خاصة مدينة تمبكتو. ويواجه النظام التعليمي والصحي بدوره مشاكل كبرى نتيجة هذه الصراعات التي أدت إلى إغلاق أكثر من 2,300 مدرسة، ما حرم قرابة 700 ألف طفل من التعليم، وتفشي أمراض مثل حمى الضنك والالتهاب السحائي.

في عام 2015، تمكنت الجزائر من التوسط بين قادة الإقليم وبين الحكومة المالية، وعقدت اتفاقية مصالحة بين الطرفين، وكان تدخل الجزائر لعقد هذه المصالحة بين الطرفين تعبيراً عن رفضها التام والثابت: 1- انفصال إقليم أزواد. 2- التدخل الأجنبي في مالي. هذان الثابتان في السياسة الجزائرية عبّر عنهما رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى في تصريحه لصحيفة المجاهد: "أي تدخل أجنبي في مالي يشكل تهديداً أمنياً مباشراً للجزائر" ووزير الخارجية الجزائري في  الحكومة نفسها عبد القادر مساهل: "الوحدة الترابية لمالي غير قابلة للتفاوض".

لكن في الفترة من 2020 وحتى 2023 شهدت دول النيجر وبوركينا فاسو ومالي من الساحل الأفريقي عدداً من الانقلابات العسكرية، والتي استهدفت بالأساس الوجود الغربي (الفرنسي) في المنطقة، مستبدلة به علاقات عسكرية قوية للغاية مع روسيا وقوات فاغنر ولاحقاً قوات الفيلق الأفريقي.

ومن المؤكد أن هذه الانقلابات العسكرية المعادية للوجود الغربي الفرنسي قد أضرت كثيراً بالنفوذ والاقتصاد الفرنسيين، إذ كانت فرنسا تعتمد في اقتصادها على الكثير من موارد هذه الدول وخاصة اليورانيوم (النيجر) والذهب (مالي)، لكن خطاب السيادة الوطنية والانفصال عن أفريكوم (القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا) وإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا) وبالتالي توتر العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أدى إلى فقدان الدعم والتنسيق الغربي في مواجهة الإرهاب (القاعدة وداعش) بمنطقة الصحراء وتعقيد حركة التجارة والخدمات المالية مع دول الجوار كنتيجة للعقوبات التي فرضت عليها كتجميد الأصول، إغلاق الحدود، وتعليق العضوية. وفي المقابل، سعت هذه الدول إلى توثيق علاقاتها مع الثلاثي الرافض للهيمنة الغربية (الصين وروسيا وإيران). والتوحد تحت مسمى كونفدرالية دول الساحل، وهو تحالف يهتم بالتعاون الأمني والعسكري.

ثمة عامل آخر أسهم في زيادة تعميق المشكلة في مالي، فقد تمكن الاستعمار الفرنسي من ترسيخ النعرات العرقية، وسمح بهيمنة قبائل البامبارا على الدولة، وانتشرت أفكار القومية الأفريقية بين بعض مثقفي البامبارا ما دفعهم إلى النظر بعداء لما يسمونه "العرق الأبيض"، وهو ما عبّر عنه المثقف القومي الأفريقي من مالي دوبي سيللا: "إن وجود العرق الأبيض بيننا كوجود الجرثومة في صندوق التفاح، ولحمايته لا بد من قطع الجزء المتعفن منها"، وهذا الاستعلاء العرقي الأسود، من أهم الأسباب التي أسهمت في انتشار النزعات الانفصالية بين الطوارق، والدعايات للتنظيمات المتطرفة.

ومع ذلك، فهناك ملاحظتان على هذه الفصائل التي تشكلت بإقليم أزواد:

الأولى، أنها اتخذت شكلاً عرقياً كرد فعل على العداء العرقي من قبل بعض المثقفين الأفارقة، بالرغم من شعاراتها الليبرالية أو الدينية. فكتائب ماسينا بقيادة أمادو كوفا (دينية-القاعدة) وجبهة تحرير ماسينا تعبّران عن عرقية الفولاني، والحركة الوطنية لتحرير أزواد ومجموعة أنصار الإسلام (دينية-القاعدة) تعبّران عن قبائل الطوارق خاصة قبائل إيفوغاس، وميليشيات غاتيا تعبّر عن السونغاي وقبائل إمغاد من الطوارق وهي مدعومة من الدولة المركزية، أما الحركة العربية للأزواد وتنظيم المرابطون (ديني-القاعدة) فيعبّران عن العرب.

وبالتالي، فكل تنظيم يستند إلى هوية عرقية، ويستخدم الدين أو الانفصال كغطاء سياسي. كما أنها غير متفقة على مشروع موحد، فالتنظيمات الجهادية ترغب في تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي وخاصة الشمال، بينما تطالب بعض التنظيمات بالحكم الذاتي وتتطرف تنظيمات أخرى كالحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى درجة المطالبة بالانفصال. إذاً، الصورة الواقعية تعبّر عن تحالفات ومنافسات قبلية/عرقية سوف تؤدي حتماً إلى نوع من الفوضى وليس مشروعاً سياسياً موحداً.

الملاحظة الثانية، أن كل هذه التنظيمات تأسست عقب سقوط نظام العقيد القذافي في ليبيا سنة 2011، والذي كان يمثل ما يشبه الحاجز بين دول الصحراء والشمال الأفريقي، وكنتيجة لتفكك الوحدات الصحراوية الخاصة التي أسسها القذافي وشملت غالبية من الطوارق وبعض العرب من النيجر ومالي، فقد تسربت أسلحة ثقيلة من مخازن الجيش الليبي وانتعشت ممرات التهريب الصحراوية، وتم نقل هذه الأسلحة مصحوبة بقيادات عسكرية مدربة إلى دول الساحل، وأسهمت هذه القيادات في التأسيس لحركات سياسية لها مطالب وتحالفات مع دول المحيط بالإضافة إلى فرنسا وتركيا، مثل: إياد آغ غالي، العباس آغ إنتالا، وكلاهما من قبائل الإيفوغاس. كما استفادت القيادات المتطرفة من فوضى تهريب السلاح وقامت بالتأسيس لتنظيماتها مثل أمادو كوفا ومختار بلمختار.

من الممكن الآن التأكيد  أن إسقاط نظام القذافي في ليبيا، كان من بين أهم أهدافه إعادة الهندسة الجيوسياسية لغرب وشمال أفريقيا، فتاريخياً كانت هذه المناطق في بعض الفترات تابعة (معنوياً واقتصادياً عبر الطريقة السنوسية) لولاية طرابلس الغرب في ليبيا، وما زالت بعض القبائل العربية والأمازيغية الليبية موجودة في مالي والنيجر وتشاد كنتيجة لهذه التبعية، وبالفعل كان سقوط النظام الليبي في 2011، عاملاً من عوامل تسارع الفوضى، وفتح المجال أمام انفجار مشكلة الطوارق والذين يمتد وجودهم من موريتانيا وحتى مصر (قبائل هوارة في صعيد مصر والصحراء الغربية)، الأمر الذي أدى بأعراق أخرى إلى التسلح كالعرب والتبو وغيرهم، على غرار نموذج دول الساحل.

هنا يبرز التساؤل الثاني: ما  الهدف من تحريك كل هذه الفوضى الآن؟

 في أكتوبر 2025، وجّه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هجوماً حاداً لدولة الإمارات العربية المتحدة، متهمًا إياها بـ "التدخل في أمور الجزائر"، وإثارة الفتنة، وتخريب دول الجوار، ومحاولة التدخل في شؤون داخلية تفوق ما قامت به دول عظمى.

وتكرر هذا الهجوم في فبراير 2026. تضاف هذه الاتهامات إلى اتهامات جزائرية للمغرب بدعم حركة ماك التي تطالب بحق تقرير المصير لمنطقة القبائل، والتهديدات الصهيونية للجزائر عقب حرب ال12 يوماً على إيران، وكان من نتائجها عودة العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني، أو ما أطلقت عليه الصحافة الجزائرية محور الرباط – "تل أبيب".

من الواضح أن أحد أهم أسباب هذه التطورات هو محاولة الضغط على الجزائر لإجبارها على التخلي عن موقفها الثابت من القضية الفلسطينية، والعلاقات مع كل من روسيا والصين وإيران، والدخول ضمن نطاق التحالف الأميركي، عبر محاصرة نفوذها في مجالها الحيوي، وإثارة الاضطرابات على حدودها ومع وجود امتداد للطوارق داخل أراضيها فهي معرضة للاستهداف كذلك. وقد ظهرت بالفعل اتهامات إعلامية ودبلوماسية من جانب أطراف جزائرية تؤكد وجود دور إماراتي ومغربي في تأجيج الأزمة في مالي ضد النفوذ الجزائري، لا سيما بعد إلغاء باماكو اتفاق الجزائر للسلام في عام 2024.

من أبرز مظاهر محاولات حصار الجزائر، تبرز قضيتان: الأولى هي خط الغاز النيجيري، والمتوقع أن يمر بدول الساحل الأفريقي، حيث تلقى المغرب دعماً إماراتياً في مواجهة المنافسة الجزائرية حول نقطة النهاية لهذا الخط قبل أن يتجه إلى أوروبا. والثانية، مبادرة المغرب "الوصول إلى الأطلسي" المدعومة أيضاً من الإمارات، والتي قدمت لدول الساحل منفذاً إلى الأطلسي عبر ميناء الداخلة من خلال طرق برية وسكك حديدية. في الوقت الذي قدمت الجزائر مشروعها بتوفير منفذ لهذه الدول على البحر المتوسط عبر ميناء جن جن بجيجل. ويرى بعض المحللين أن التوترات الأخيرة قد تحسم الأمور لمصلحة المغرب.

لكن الجزائر ليست المستهدف الوحيد من هذه الفوضى، فهناك نيجيريا كذلك والتي تعاني من مشكلات كثيرة مع المجموعات المتطرفة، ومنذ فترة تعاني نيجيريا من الاستهداف الأميركي والذي زاد كثيراً مع اقتراب الاعتداءات الأمريكوصهيونية على إيران في فبراير الماضي، وواجهت الحكومة النيجيرية اتهامات باضطهاد المسيحيين من قبل الإدارة الأميركية، ورغم محاولة الحكومة النيجيرية التعامل بمرونة مع الضغوط التي تمارسها أميركا، إلى درجة السماح بهجمات أميركية على مواقع للتنظيمات المتطرفة في الشمال النيجيري، إلا أن الأمور تزداد سوءاً كما يبدو، خاصة عقب بداية أحداث مالي، حيث شهدت ولاية بورنو في الفترة الأخيرة هجمات مكثفة استهدفت القوات النيجيرية، وقد أدت الهجمات الأخيرة إلى نزوح آلاف المدنيين الجدد، ما زاد من عبء الأزمة الإنسانية التي تعاني منها نيجيريا أصلاً.

إن مشكلة الصراع مع المجموعات الانفصالية والمتطرفة ليست كل ما يواجه مالي ومعها دول الساحل الأفريقي، فهناك التحركات الجماهيرية التي بدأت في البروز منذ العام الماضي، حيث شهدت العاصمة المالية باماكو في 2025 بوادر احتجاجات مؤيدة للديمقراطية ومتأثرة بالتظاهرات التي قام بها جيل Zفي المغرب.

من الغريب أن هذه الاضطرابات في دول الساحل جاءت عقب محاولاتها التخفيف من حدة عدائها للغرب، تحت الضغوط الاقتصادية والأمنية، بل أن مالي استجابت للضغوط المغربية وقامت في عام 2024 بإلغاء المبادرة الجزائرية للتصالح بينها وبين الأزواديين والتي وقعت سنة 2015، كما ألغت اعترافها بجمهورية الصحراء المغربية ودعمت مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب، واصفةً إياها بأنها "الأساس الوحيد والجدي وذو المصداقية" لتسوية هذا النزاع.

إن النشاط المغربي الواضح في محاولة عزل الجزائر واحتواء التغيرات في دول الساحل، لا ينبع فقط من رغبتها في إعادة هذه الدول للهيمنة الغربية مرة أخرى، وخاصة في ما يتعلق بإقليم أزواد، فقد خضع هذا الإقليم سابقاً للسيطرة المغربية في القرن ال16 في عهد الأشراف السعيديين، واستمر حتى أواخر القرن ال19 عندما قامت فرنسا باحتلاله، وسواء كان المغرب يطمح لإعادة الإقليم لنفوذه أو يرغب فقط في استعادة هيمنته الثقافية على سكانه، فإن مخاوف الجزائر من التمدد المغربي في الإقليم، والذي يحظى بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، هي مخاوف مشروعة بكل تأكيد.

خاصة بعد أن وقعت الدولتان اتفاقية خارطة طريق التعاون عسكري (2026-2036) التي تمتد لعشر سنوات، ومذكرة التفاهم بشأن المعادن الاستراتيجية والتي تم توقيعها في فبراير الماضي، وتتجلى هذه الشراكة ميدانياً في مناورات "الأسد الأفريقي 2026"، وهي أضخم تمرين عسكري في أفريقيا بمشاركة أكثر من 40 دولة (من بينها الكيان الصهيوني). كما تعززت الروابط الدبلوماسية بافتتاح مجمع قنصلي أميركي جديد في الدار البيضاء بتكلفة 350 مليون دولار في مايو 2026. ومع الدعم الأميركي يأتي كذلك دعم كل من الإمارات والكيان الصهيوني.

ويمتد هذا النشاط المغربي، المدعوم من الثلاثي سالف الذكر، إلى الجانب الديني، حيث تقوم المغرب بمحاولة نشر تصور صوفي للدين الإسلامي عبر دعم الطرق الصوفية المنتشرة في الغرب الأفريقي وتتبنى التصوف السني الأشعري والمذهب الفقهي المالكي، بما يؤدي إلى تحويل المغرب (الحليف الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة خارج الناتو) إلى مركز استقطاب اقتصادي وديني لدول المنطقة، في مواجهة الدور الجزائري.

وفي ما يتعلق بالاستقطاب الديني الذي تريد المغرب تحقيقه، تبرز المشكلة مع إيران، فمؤخراً عزز المجلس العسكري الحاكم في مالي علاقاته مع الجمهورية الإسلامية، من خلال اتفاقيات في مجالات الطاقة والتكنولوجيا المسيرة، وزودت إيران مالي بطائرات مسيرة لمواجهة الحركات الانفصالية والمتطرفة، وامتدت العلاقات إلى الجانب الديني كذلك، فالمذهب الشيعي يحظى بانتشار متسارع في مالي والنيجر وبلغت نسبة الشيعة 5% في مالي و7% في النيجر من السكان. وبالرغم من أن التعاون الاقتصادي والعسكري بين إيران ودول الساحل بشكل عام لا يقارن بنظيريه مع روسيا والصين، فإن هذا الانتشار للتشيع يمثل استفزازاً هائلاً للمجموعات المتطرفة وبعض المؤسسات الدينية التقليدية كالطرق الصوفية، كما يزعج المغرب (والدول الداعمة له) حيث يصطدم بمحاولاتها لفرض رؤيتها الدينية على المسلمين في المنطقة.

ترافق هذا النشاط المغربي والإماراتي مع نشاط أميركي داعم، لكنه يتجاهل المطالبات السابقة بالديمقراطية، ويهتم بالأمن والموارد (اليورانيوم، الليثيوم). وتسعى واشنطن لمحاولة استثمار ما يبدو أنه فشل روسي وملء الفراغ عبر عرض شراكات أمنية وتجارية على دول الساحل تعتمد على دعم الدول لتقوم هي بالمهام القتالية لكن تحت مظلة تعاون أميركي.

إن هذه المعطيات تشير إلى أن ما يستهدفه هذا التحرك الأخير، ليس إسقاط دول الساحل وإنما ممارسة الضغوط عليها (من تشاد إلى موريتانيا) وعلى كل من الجزائر ونيجيريا بهدف إعادة الهيمنة الغربية على ثروات المنطقة المعدنية والنفطية، وإخراجها من دائرة التعاون الأمني والعسكري مع روسيا، والاقتصادي مع الصين، والقوة الناعمة الإيرانية. بل وإعادة هندسة وتشكيل وضع المنطقة بما يخدم المصالح الأميركية في الفترة القادمة والتي تستهدف إيقاف التوغل الصيني في القارة الأفريقية.

ويمكن إضافة أسباب أخرى مثل القلق من انتشار نموذج الانقلابات العسكرية المتعاطفة مع روسيا والمعادية للغرب بين دول غرب أفريقيا، وسقوط الأنظمة الموالية للولايات المتحدة الأميركية، خاصة نيجيريا التي أعلنت عن إحباط محاولة انقلاب ضد الرئيس النيجيري في أكتوبر 2025، كما تدخلت نيجيريا ذاتها لإحباط انقلاب عسكري في بنين في ديسمبر 2025، في الوقت الذي نجح فيه انقلاب عسكري بغينيا بيساو أدى إلى الإطاحة بالرئيس أومارو سيسوكو إمبالو في مطلع عام 2025، وجاء ذلك بعد فترة من التوتر السياسي والاحتجاجات.

ما علاقة أحداث مالي بالاعتداءات التي تشنها أميركا على إيران؟

تحظى منطقة الساحل الأفريقي بالإضافة إلى الجزائر ونيجيريا بقدر كبير من الثروات المعدنية كالحديد واليورانيوم والذهب والليثيوم، بالإضافة إلى الطاقة الأحفورية من نفط وغاز طبيعي وهيليوم (تنتج الجزائر6% من الإنتاج العالمي للهيليوم، كما تمتلك ثالث أكبر احتياطي عالمي من الهيليوم يقدر بـ 8.2 مليار متر مكعب)، وهو ما يشكل جزءاً من البديل الذي تراه الولايات المتحدة الأميركية للنتائج السلبية التي خرجت بها من الاعتداءات التي شنتها على إيران، وانتهت بهيمنة إيران على مضيق هرمز بشكل كامل، واعتراف كل من الصين وروسيا علناً بهذه الهيمنة، بالإضافة إلى توسع النشاط العسكري الصيني في بحريها الشرقي والجنوبي وسيطرة غير المعلنة على حركة المرور في مضائق كوريا وتايوان وملقا. وبالتالي، كان على الولايات المتحدة الأميركية أن تقوم بنقل الصراع إلى منطقة أخرى تحاول فيها إزاحة النفوذ الصيني والروسي والإيراني، بحيث تتمكن من تأمين مصالحها عبر التعاون مع الدول الحليفة كالمغرب.

 

إن القارة الأفريقية هي الملعب الذي سيحدد بوضوح من هو الطرف الذي سيتمكن من قيادة العالم في الفترة القادمة، وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تعاني من فشل واضح في آسيا وحتى شرق أوروبا، فإن سيطرتها على الأوضاع في أفريقيا ستؤدي إلى نفخ قدر من الروح فيها للاحتفاظ بلقب قوة كبرى على الأقل. وربما لهذا ترافقت هذه الأحداث مع إعلان دولة الإمارات العربية الانفصال عن منظمتي أوبك وأوبك+ وزيادة إنتاجها من النفط، وبالتالي كان من الضروري إعادة تشكيل هذه المنطقة (الغنية بالثروات سالفة الذكر) بما يناسب الأوضاع الجديدة للأميركيين، وكل القارة الأفريقية عموماً.

على أن لجوء الإدارة الأميركية في هذا التوقيت لمحاولة مواجهة الوجود الروسي في أفريقيا وخاصة بين دول الساحل والشمال الأفريقي، يشير بوضوح إلى أن الأميركيين قد استسلموا بالفعل لواقع الهيمنة الإيرانية على مضيق هرمز، واحتمال انتقال هذه الهيمنة إلى مضيق باب المندب كذلك عبر حلفاء إيران اليمنيين، وبالتالي فإن المشاغبات التي يقومون بها من محاولة حصار مضيق هرمز أو التهديد بتوجيه ضربات جوية مدمرة إلى إيران يدركون بالفعل أنها لن تفيد كثيراً في فك الهيمنة الإيرانية على واقع حركة الملاحة في الخليج الفارسي، لا تعدو أن تكون محاولة لتحسين شروط التفاوض.

الواقع أن التمرد الأزوادي في مالي لم يتمكن حتى الآن من إسقاط الحكومة المالية والمجلس العسكري الحاكم، كما رفضت روسيا دعوات الأزواديين إلى التخلي عن الحكومة المالية والخروج من الصراع مع وعود بعلاقات مستقبلية، وبالرغم من نجاح الأزواديين في السيطرة على الشمال ومحاصرتهم العاصمة باماكو، لكن يبدو أن الصراع لن ينتهي بهذه البساطة، وسوف يستمر لفترات أخرى، مع وعي حكومات دول الساحل بأن بروز هذا الحراك في اللحظة ذاتها التي حاولوا فيها التعامل المرن مع النفوذ الأميركي والمغربي يشير إلى تورط الأخيرين فيه وبدعم إماراتي، الأمر الذي قد يؤدي مستقبلاً إلى تغيرات أكثر عمقاً في التوجهات السياسية لهذه الحكومات، وإلى تماسك واستمرار النفوذ الروسي الأمني والعسكري في دول الساحل، في حال نجح الروس في دعم حكومة مالي لتجاوز هذه الأزمة.

 

 

 

أخترنا لك
الاعتذار عن تحقيق نسب القطب أحمد الرفاعي

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة