بقلم: الإعلامية أمل المالكي العراق
منذ نشأة البلدان، وتحول البنية السياسية من الحالة المتخلفة المبنية على الإثنيات إلى حالة الحدود الرسمية والعلاقات الدولية، نشأت النظرية السياسية الحديثة القائمة على مفهومٍ سياسي يستند إلى الموروث الحضاري والثقافي للبلد، ويُصطلح عليه بـ«النظرية السياسية في الحكم».
تارةً تكون هذه النظرية فرديةً، تستجدّ مع كل حاكم أو نظام حكم، وتارةً تكون استراتيجيةً ثابتة، رغم التغييرات؛ لكن ثباتها ونجاحها يُقاسان بمقدار تعبيرها عن فلسفة الدولة وجذرها الثقافي.
وحين نراجع ما تعيشه الأنظمة السياسية في البلدان العربية، نجد عُريًا فكريًا واضحًا لدى عددٍ منها، وفقرًا سياسيًا لدى عددٍ آخر. والمقصود هنا بالفكر: الفكر السياسي.
فكيف لأنظمة سياسية تعتقد أن ارتماءها في أحضان الدول الاستعمارية سيادةٌ وتقدّم؟
لقد سُوّقت هذه الفكرة لعشرات السنين عن السعودية والإمارات وباقي دول الخليج (الفارسي)، لكن الأمر افتضح إبان الحرب المفروضة حاليًا على الجمهورية الإسلامية؛ ليشاهد سَدَنة هذه الأنظمة بأنفسهم أن العالم بأجمعه ينظر إليهم بمنظار التبعية، أو بوصفهم «حكّامًا بأمر المحتل» لا أكثر.
والسؤال: كيف غاب عن شعوب هذه الدول — إن صحّ التعبير عنها بدول — أن أنظمتها السياسية لا تمتلك نظريةً سياسية بمفهوم الدولة؟
وأن ما تُسوّقه ليس إلا نظرية حكمٍ متخلفة، تتلخّص في تقديم فروض الطاعة والولاء لدولةٍ محتلة، والعمل لديها شرطياً وسجّانًا لأبناء جلدتك، مقابل توليتك حكمًا لا يخلّد اسمك إلا في الفصول السيئة من التاريخ، وتلك التي تختص بالتجارب الفاشلة والقصص المخيّبة للظن، إن لم نصفها صراحةً بقصص العمالة لا أكثر.
وعلى الجانب الآخر، كشفت الحرب فقرًا واضحًا في النظرية السياسية لبناء الدولة، كما في العراق ومصر وبلدان المغرب العربي؛ حيث اتّضح أن معظمها فاقدٌ للبوصلة كنظام سياسي، لا يستطيع أن يركن إلى جانبٍ على حساب آخر، فيستجدي الحياد، ولا يمتلك شجاعة الحق ومنطق الدولة كاملة السيادة.
وحين نراجع المواقف، نجد أن كثيرًا من البلدان الأوروبية كان موقفها الشعبي والسياسي أكثر وضوحًا وشجاعةً من أنظمةٍ وشعوبٍ عربيةٍ وإسلامية؛ فيا للمفارقة!
نجح الحوثيون في صناعة موقف الدولة، وأخفقت ممالك وإمارات البترول.
وحين تُعدّ خسائر يمن عبد الملك في هذه الحرب مقارنةً بمملكة آل سعود، ستجد فارقًا يدهشك، ويعزّز لديك مقولة: إن المقاومة أقل كلفةً من الاستسلام.
مليارات الدولارات تُدفع سنويًا تحت عنوان «الحماية»، لتُفضَح عند أول اختبار.
والسؤال مجددًا: ماذا لو كانت هذه الدول تمتلك نظريةً سياسية حقيقية، تستند إلى موروثها الإسلامي، على اختلاف فرقها العقدية، أو إلى جذرها القومي الجامع؟
لماذا فرّطت بالأصل الذي تُبنى عليه النظرية السياسية، وهرولت لتجترّ نظريات سلطةٍ متخلفة؟
حتى العراق، كان المشهد صادمًا حين أيقن الناس — على حين غرّة — أن أموال نفطهم بيد أمريكا، وسلاحهم بيد أمريكا، ولا ولاية لهم على مالٍ أو سلاحٍ أو أجواء.
وحين يختار أحدهم طريق الحرب، تنهال عليه ماكينات الإعلام الخليجي، وكأنها تسعى إلى وضع عصابةٍ على عينيه وتقوده من يده، مصوّرةً أن بلدان الخليج (الفارسي) تهتدي إلى طريق الخلاص، وكأن التاريخ قد عقم عن ولادة قرارٍ إسلامي أو عربي أو عراقي مستقل، وكأن القدر المحتوم هو أن تكون نسخةً خليجية أو عربية، في وقتٍ يجري فيه تغييب كل التجارب العالمية الأخرى.