بقلم نبيل محي الدين .. المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
مع دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حرجة، تتصاعد التحذيرات من احتمالية لجوء واشنطن إلى خيار عسكري أقصى في حال تكبدها خسائر عسكرية سياسية استراتيجية في الحرب.
وبينما ترسم التصريحات المروّعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمناورات العسكرية المكثفة خارطة طريق مقلقة، يتساءل مراقبون، هل يمكن أن تشهد الساحة الدولية استخداماً نووياً مفاجئاً يطوي حقبة بأكملها في "يوم وليلة".
وفي تطور يعكس عمق الأزمة، يرى محللون أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى خيار التصعيد المفاجئ باستخدام السلاح النووي في حال وجدت نفسها على شفا هزيمة استراتيجية في حربها ضد إيران. هذا السيناريو الذي كان بالأمس القريب ضرباً من ضروب الخيال السياسي، بات اليوم مادة للنقاش الجاد في أروقة مراكز الأبحاث، في ظل تعثر المسار الدبلوماسي وتباعد المواقف بين البلدين بشكل غير مسبوق .
"تصفية حضارة بأكملها".. تهديدات ترامب تتجاوز الخطاب التقليدي
لم تعد التهديدات الأمريكية مجرد مناورات سياسية، بل تحولت إلى ما يشبه "الوعد المعلن". فقد صعّد الرئيس دونالد ترامب من حدة خطابه ضد إيران بشكل لافت، مهدداً بإبادة "حضارة بأكملها" في غضون ليلة واحدة.
تصريحات ترامب، التي أدلى بها مؤخراً وأثارت موجة استنكار عالمية واسعة، باتت تشكل دليلاً دامغاً على تحوّل في العقيدة العسكرية الأمريكية تجاه طهران. ويرى خبراء في القانون الدولي أن مثل هذا الخطاب الذي يستهدف البنية التحتية المدنية الحيوية، يتجاوز التهديد العسكري ليقترب من "النية المبيتة للإبادة"، مما يثير تساؤلات عميقة حول مدى استعداد واشنطن لخرق كل المحرمات النووية إذا ما شعرت بأن خياراتها التقليدية قد استنفدت .
"رسائل ردع أمريكية".. مناورات نووية في المحيط الهادئ
بالتوازي مع التصعيد اللفظي للقيادة الأمريكية، ترسل واشنطن إشارات عسكرية لا لبس فيها. كثّفت القوات الأمريكية مناوراتها الاستراتيجية في المحيط الهادئ، وهي تحركات تؤكد أنها لا تقتصر على مجرد استعراض للقوة أمام الصين أو كوريا الشمالية، بل هي بمثابة اختبار جاهزية ورسالة ردع متعددة الاتجاهات.
حيث صرح قائد القيادة المركزية الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ بأن "الضربات السابقة على إيران عززت الردع في المنطقة عبر إظهار القدرات والإرادة". هذا التكثيف التدريبي يعني أن الآلة العسكرية الأمريكية تتهيأ لأسوأ الاحتمالات، وأن الخيار النووي لم يعد مستبعداً ضمن سيناريوهات التخطيط الاستراتيجي للبنتاغون.
مفاوضات إسلام آباد.. عندما يتحوّل الفشل لمقدمة للانفجار
تبخرت الآمال المعلقة على مفاوضات إسلام آباد الأخيرة، حيث انتهت الجولة الأحدث من المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران إلى طريق مسدود بعد 21 ساعة من النقاشات الشاقة. كما برزت نقاط خلافية جوهرية يصعب تجاوزها، أبرزها، رفض إيران القاطع لنقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، وتمسكها بمتابعة برنامج تطوير الصواريخ الباليستية ورفضها إيقافه، بالإضافة إلى بقاء ملف "مضيق هرمز" الشائك أحد أكبر العوائق. حيث تصر طهران على حقها في تحصيل رسوم مرور وعبور السفن، وهو ما تعتبره واشنطن بمثابة إعلان حرب اقتصادية على الملاحة العالمية.
هذا الفشل الدبلوماسي يدفع بمحللين إلى الاعتقاد بأن الرئيس ترامب، الذي بنى صورته على القوة وعدم قبول الهزيمة، قد يجد نفسه مضطراً للجوء إلى الخيار الأكبر لإثبات أنه لم يخسر الحرب .
ما بعد "الزر النووي".. آثار مدمرة على الجميع
في سياق متصل، حذر بعض الخبراء الاستراتيجيين من أن استخدام السلاح النووي في الحرب الأمريكية الإيرانية، حتى لو كان تكتيكياً ومحدوداً، لن يكون مجرد خطوة عسكرية عابرة، بل زلزالاً جيوسياسياً يمتد تأثيره لعقود.
فعلى المستوى الإنساني، سيكون الأمر كارثياً بكل المقاييس، حيث أن استهداف المنشآت النووية الإيرانية أو أي بنية تحتية أخرى بأسلحة نووية سيؤدي إلى تلوث إشعاعي هائل وخسائر بشرية لا توصف . أما على الصعيد الاستراتيجي، فإن كسر الحاجز النووي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية سيدفع منطقة الشرق الأوسط إلى فوضى غير مسبوقة، وقد يشعل سباق تسلح نووي إقليمي. وبالنسبة لواشنطن، فإن العواقب ستكون وخيمة، حيث ستخسر ما تبقى من مصداقيتها الأخلاقية والقانونية على الساحة الدولية، وقد تواجه عزلة عالمية وتداعيات اقتصادية عنيفة نتيجة انهيار الاستقرار في ممرات الطاقة الحيوية .
ويبقى العالم في حالة ترقب حذر، فمع تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق، يزداد الغموض حول "الخيارات الصعبة" التي تحدث عنها الرئيس ترامب. الأيام القادمة وحدها ستكشف إن كانت تهديدات "فناء الحضارة" مجرد أداة ضغط نفسي في لعبة الأمم، أم أنها كانت نبوءة تتحقق ببطء نحو كارثة إقليمية وعالمية محتومة.