بقلم || مجاهد منعثر منشد || باحث وكاتب
عاصر بطش وقمع بعض ملوك بني أمية، واثنين من ملوك بني العباس؛ خليفتهم الأوّل (أبا العباس) سُمِّي بالسفّاح لكثرة ما أراق من الدماء، وأبي جعفر المنصور حتى قضيا على الإمام (عليه السلام) بالسم.
كان عميد أهل البيت ومحط أنظار المسلمين تحت رقابة هؤلاء الملوك وملاحقة جواسيسهم؛ يحصون عليه حركاته واتصالاته.
لقد واجه الإمام عدة ظواهر منها:
1.انتفاضات العلويين والزيديين والقرامطة والزنج وسواهم من طالبي السلطة.
2.ظهور الانحرافات الزنادقة والملاحدة في مكة والمدينة، وانتشار فرق مستجدة في البلاد، فتوزع الناس بين أشاعرة ومعتزلة وقدرية وجبرية وخوارج. وقد تسرّبت التفسيرات والتأويلات المنحرفة إلى علوم القران الكريم وطالت مباحث التوحيد والصفات والنبوة وحقيقة الوحي والقضاء والقدر والجبر والاختيار.. ولم تسلم السنة النبوية بدورها من التحريف ووضع الأحاديث المكذوبة والمنسوبة إلى نبي الإسلام.
* الانتفاضات
عند الاطلاع على المصادر التاريخية وتحليل نصوصها، نجد أنَّ صادق أهل البيت كان مؤيداً لثورة عمه زيد الشهيد، الذي انتهل العلم من أخيه الإمام الباقر (عليه السلام)، وقال فيه: «هذا سيد أهل بيته والطالب بأوتارهم، لقد أنجبت أمٌّ ولدتك يا زيد». وفي حينها كان الإمام يثقف لثورة زيد؛ إذ جهر بذلك في عهد عمر بن عبد العزيز الأموي. وبعد شهادة الباقر على يد هشام بن عبد الملك، رثاه زيد الشهيد مصرحاً:
ثوى باقر العلم في ملحدٍ *** إمام الورى وطيب المولد
فمن لي سوى جعفرٍ بعده *** إمام الورى الأوحد الأمجد
أبا جعفرٍ الخيرِ أنت الإمام *** وأنت المرجى لبلوى غد.
والإمام الصادق (عليه السلام) على معرفة بحديث جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزيد، إذ قال للإمام الحسين (عليه السلام): يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخلون الجنة بغير حساب.
وهنا يعلم الإمام باسم زيد وثورته وشهادته من خلال خبر النبي إلى الأئمة المعصومين، ولذلك أذن لعمه زيد بالثورة الذي كان يعلن وسط أصحابه: (جعفر إمامنا في الحلال والحرام). فهذه الانتفاضة هي الثورة الوحيدة التي أيدها إمامنا جعفر بن محمد الباقر.
لقد كان الصادق على دراية بما تؤول إليه نتائج كل الانتفاضات، ومن بينها دعوة العباسيين، وهو على يقين من تحريف الإسلام على يد الحكام الجدد.
ولهذا نرى الإمام يرفض دعوة أبي سلمة الخلال في الكوفة الذي أرسل كتاباً يدعوه لتسلم الخلافة، وذلك بعد أن نزل أبو العباس السفاح في دار أحد شيعة بني هاشم، وكتم خبر وصوله عن القواد وأنصار الدعوة العباسية.
وكان رد الإمام على الرسالة: ما أنا وأبو سلمة؟ وأبو سلمة شيعة لغيري. ثم قرأ الكتاب ، ثم وضعه على النار حتى احترق ، فقال الرسول إلا تجيبه ؟ ، إجابه الإمام (سلام الله عليه ) : قد رأيت الجواب ، عرف صاحبك بمارأيت.
وذهب الرسول بكتاب مشابه إلىعبد الله المحض ودفع إليه كتاب أبي سلمة ، فقرأه وقبله وذهب في الحال إلى الإمام الصادق (عليه السلام) . وقال له هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الخلافة وقد وصل إلي على يد بعض شيعتنا من أهل خراسان . فقال له الصادق (سلام الله عليه ) ، ومتى صار أهل خراسان شيعتك ؟ أأنت وجهت إليهم أبا مسلم ؟ هل تعرف أحداً منهم باسمه أو بصورته ، فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم وهم لا يعرفونك ؟
فقال عبد الله: كأن هذا الكلام منك لشيء. فقال الصادق (عليه السلام): قد علم الله أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم فكيف أدخره عنك؟ فلا تمنِّ نفسك الأباطيل؛ فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء، وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك. فانصرف عبد الله من عنده غير راضٍ.
هكذا كان الإمام ينصح العلويين منذ بداية الدعوة العباسية، ومضت الأيام بعد توليهم الحكم حتى قام أحد قادة الدعوة (أبو مسلم الخراساني) بقتل العلوي عبد الله بن معاوية في سجن خراسان. وأيضاً قُتل محمد النفس الزكية حفيد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) من قبل أبي جعفر المنصور الدوانيقي.
ولذلك لم يُعَرِّض الإمام المجتمع الإسلامي إلى الخطر؛ كونه يعلم بأن أي انتماء لأي حركة كان مصيره الإخفاق، فابتعد عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء المقاومة بناءً علميّاً وفكريّاً وسلوكيّاً يحمل روح الثورة، ويتضمّن بذورها؛ لتنمو بعيدةً عن الأنظار وتولد قويّةً راسخة.
*معالجة الانحرافات بالثورة الفكرية
كرّس الإمام الصادق (عليه السلام) جهوده لترسيخ الأصول الفكرية والعلمية، مستنداً إلى دوره الرسالي كأحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، مما أدى إلى ازدهار الحركة العلمية في المدينة والكوفة. وقد خطط سليل الدوحة المحمدية بوعي للثورة الفكرية عبر نشر العلوم الإسلامية وتنشئة جيل من العلماء؛ فكان (عليه السلام) معيناً لا ينضب وبحراً زاخراً بالمعارف، تخرّج على يديه فطاحل العلماء وأئمة المذاهب. وبفضل علمه، تحولت الكوفة إلى حوزة علمية كبرى استمر أثرها لقرون. وتشير المصادر التاريخية والرجالية -مثل رجال النجاشي، وفهرست الطوسي، ورجال الكشي، وتاريخ بغداد- إلى وجود مائة وسبعة وخمسين عالماً ومحدثاً في الكوفة وحدها خلال القرن الثاني الهجري. كما نقل الحسن بن علي بن زياد الوشاء شهادته برؤية تسعمائة شيخ في مسجد الكوفة يروون عن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام). وعلى الرغم من تركز تلامذته في الكوفة والمدينة؛ لانتشار التشيع في الأولى، ونشأته في الثانية.وهذا لايعني عدم وجود طلبه من الاقطار الإسلامية الأخرى .
إن مدرسة أو جامعة الإمام الصادق (عليه السلام) كانت في المدينة، ولها فروع في الأقاليم الإسلامية، ثم انتقلت إلى الكوفة بعد استدعائه إلى العراق من قبل سلطة الحكم العباسي. وتنقل الإمام لم يشكل عائقاً لطلبته، فإذا كان في المدينة يجلس إليه تلاميذ من الكوفة والمدينة، وكذلك العكس في الكوفة. ولكن هذه المدرسة تميزت عن باقي المدارس بأنها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب، وإنما انفتحت لتضم طلاب العلم من مختلف الاتجاهات وإن اختلف البعض منهم عن منهج الإمام. ولكن من كان مخالفاً لمنهج الإمام (عليه السلام) لا يعتبر طالباً مكلفاً أو مخصوصاً من قبل أستاذ هذه المدرسة! وإنما كان يحضر دروس الإمام من أجل هدف أو غرض يجول بخاطره، فكأنه يريد التشرف وكسب الفضيلة، كونه يرى جلالة وسيادة وإمامة الإمام الصادق.
أما بعض العلوم التي علمها الإمام ودرسها فهي كالآتي:
1.العلوم الدينية، وتشمل تفسير القرآن الكريم، علم الحديث، علم الفقه وأصوله، علم الكلام.
2.العلوم الإنسانية، وتشمل علم التاريخ، الطب، اللغات (الفارسية، النبطية)، الكيمياء، علم الهيئة والنجوم، تدوين العلوم، النظريات العلمية والتجريبية، المناظرات.