بقلم: وائل الغول- باحث مصري متخصص في الشؤون "الاسرائيلية"
في "إسرائيل"… الحرب لا تدور على الجبهات فقط، بل داخل الاقتصاد نفسه.
منذ 7 أكتوبر 2023، ومع توسع المواجهات إلى أكثر من جبهة، دخل الاقتصاد "الإسرائيلي" مرحلة مختلفة: ليس انكماشًا تقليديًا… بل إعادة تشكيل قسرية تحت ضغط الحرب.
⸻
ضغوط تتجاوز ساحة القتال
مع دخول عام 2026، تقف إسرائيل أمام مفترق اقتصادي حاسم.
تكلفة الحرب وحدها تجاوزت 110 مليار دولار حتى نهاية 2025، وفق تقديرات بنك "إسرائيل".
نحن نتحدث عن ما يعادل تكلفة عدة حروب كبرى في تاريخ "إسرائيل".. خلال أقل من ثلاث سنوات فقط.
ومع تصاعد المواجهة مع إيران بين فبراير وأبريل 2026، أضيفت مليارات جديدة بوتيرة متسارعة، إذ قُدّرت التكلفة في بعض الفترات بنحو 1.5 مليار شيكل يوميًا.
الاقتصاد الإسرائيلي لم ينهَر… لكنه لم يعد كما كان.
فبعد انكماش حاد بلغ 19.4% في الربع الأخير من 2023، دخل في حالة من التذبذب بين انتعاشات مؤقتة وتراجعات مفاجئة.
ورغم توقعات بنمو يصل إلى 3.8% في 2026، فإن هذا الرقم يظل مشروطًا بانتهاء التصعيد مع إيران ولبنان.
أما في حال استمرار التوتر، فقد ينخفض إلى نحو 3.3%، ما يعكس هشاشة التعافي.
الأهم من ذلك، أن نصيب الفرد من الناتج المحلي لم يعد إلى مستوياته السابقة، ما يعني أن “النمو” لا ينعكس فعليًا على مستوى المعيشة.
وفي الخلفية، لا تبدو الأرقام مجرد مؤشرات… بل واقع يومي.
شركة صغيرة في الجليل أغلقت أبوابها بعد استدعاء صاحبها للخدمة الاحتياطية، وعائلة في تل أبيب تعيد ترتيب حياتها بين الضرائب المرتفعة وتكاليف المعيشة والتحول الأعمق يظهر في بنية المالية العامة.
الدين العام ارتفع من نحو 60% إلى قرابة 69% من الناتج المحلي، مع توقعات ببلوغه نحو 70.5% خلال 2026.
وفي المقابل، بلغ الإنفاق الدفاعي ذروته في 2024 عند 8.8% من الناتج المحلي—وهي من أعلى النسب عالميًا—وظل مرتفعًا في 2025 و2026.
ميزانية الجيش لعام 2026 وحدها وصلت إلى 143 مليار شيكل (مع إضافات تتراوح بين 30 و39 مليار شيكل مرتبطة بالتصعيد)، ضمن ميزانية إجمالية قياسية بلغت نحو 850 مليار شيكل.
هذا التوسع في الإنفاق يضع المالية العامة تحت ضغط مباشر، مع عجز متوقع يصل إلى نحو 5.3% من الناتج المحلي.
ولتغطية هذه الضغوط، تم رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 18%، مع تقليص الإعفاءات، ما زاد العبء على الطبقة الوسطى، وأبطأ الاستهلاك المحلي.
النتيجة:
اقتصاد يموّل الحرب… على حساب المجتمع.
⸻
سوق العمل… في قلب الأزمة
ما يُعرف في "إسرائيل" بـ“جيش المواطنين”، تحوّل إلى عبء اقتصادي ثقيل بعدما كان ركيزة أمنية.
استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط—خصوصًا من قطاعات التكنولوجيا والخدمات—خلق فجوة حادة في سوق العمل.
في الوقت نفسه، أدى استمرار منع العمال الفلسطينيين إلى شلل شبه كامل في قطاعي البناء والزراعة، بينما فشلت العمالة الأجنبية في سد الفجوة.
النتيجة كانت مباشرة:
• توقف مشاريع الإسكان
• ارتفاع أسعار العقارات رغم الفائدة المرتفعة
• إغلاق شركات صغيرة، خصوصًا في المناطق الحدودية
الاقتصاد هنا لا يعاني فقط من نقص العمالة… بل من فقدان التوازن الهيكلي.
وفي خلفية هذه الأرقام، تتشكل كلفة أخرى أقل ظهورًا وأكثر عمقًا.
عائلات كاملة تعيد حساباتها يوميًا تحت ضغط الغلاء واستدعاءات الاحتياط، وشباب يغادرون الكيان بحثًا عن استقرار لا توفره الجبهات الممتدة، بينما تتحول قرارات الحياة الأساسية—من العمل إلى السكن—إلى رهانات مرتبطة بمسار الحرب لا بالاقتصاد وحده.
⸻
ازدهار تكنولوجي نحو الحرب
رغم كل الضغوط، لا يزال قطاع التكنولوجيا المتقدمة يمثل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، حيث يشكل أكثر من 50% من الصادرات.
لكن المفارقة أن الحرب لم تُضعف هذا القطاع… بل أعادت توجيهه.
في عام 2025، شهدت "إسرائيل" موجة استثمارات وعمليات استحواذ قياسية تراوحت بين 58.8 و80 مليار دولار (مع صفقات عملاقة مثل Wizبقيمة 32 مليار دولار وCyberArkبنحو 25 مليار دولار)، مدفوعة بمجالات الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة.
نجاح يبدو لافتًا… لكنه يحمل تحولًا أعمق:
هل هو مسار نمو طبيعي مدفوع بالابتكار؟
أم إعادة تموضع قسري لاقتصاد يُعاد تشكيله تحت ضغط الحرب، حيث يُوجَّه الابتكار نحو الأمن والدفاع أكثر من الأسواق المدنية؟
ومع تزايد اشتراط المستثمرين نقل مقرات الشركات إلى الخارج، تظهر “مخاطر سمعة” حقيقية، قد تؤدي إلى تسرب الملكية الفكرية، وتآكل القاعدة الضريبية على المدى الطويل.
⸻
مخاطر داخلية وضغوط خارجية
إلى جانب الضغوط الداخلية، تواجه إسرائيل بيئة دولية أكثر تعقيدًا:
• استمرار “علاوة المخاطر” المرتبطة بإيران، ما يرفع تكلفة الاقتراض.
• رسوم جمركية أمريكية (15%) أثّرت على قطاعات حيوية مثل الأدوية والرقائق.
• توترات داخلية متصاعدة حول توزيع أعباء الحرب.
ما يعني أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يواجه حربًا واحدة، بل ضغوطًا متعددة الطبقات في الداخل والخارج.
وهنا الانقسام لم يعد سياسيًا فقط… بل اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا.
⸻
هل يصمد الاقتصاد؟
حتى الآن، أظهر الاقتصاد "الإسرائيلي" قدرًا ملحوظًا من الصمود.
لم ينهَر، واستقر الشيكل نسبيًا، وتراجع التضخم إلى حدود 2%.
لكن هذا “النجاح” يحمل مفارقة خطيرة:
الاقتصاد لم يعد اقتصاد نمو… بل اقتصاد حرب.
اقتصاد يعتمد على:
• إنفاق عسكري مرتفع
• ضرائب أعلى
• ضغوط مستمرة على المجتمع
⸻
تحول اقتصادي عميق
إسرائيل لا تواجه فقط حربًا متعددة الجبهات… بل تحوّلًا اقتصاديًا عميقًا.
والانتقال من نموذج نمو مدني إلى آخر تُهيمن عليه اعتبارات الأمن والحرب لم يعد احتمالًا… بل واقعًا يتشكل بالفعل.
وأخطر ما في اقتصاد الحرب… أنه قد ينجح في التكيف مع الصراع… لكنه ينسى كيف يعيش بدون صراعات.