التدخل الصيني في الأزمة الإيرانية تجلّى بشكل واضح أيضاً في استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروع قرار تقدمت به البحرين يتعلق بمضيق هرمز.
بقلم|تمارا برو||محاضرة في الجامعة اللبنانية وباحثة في الشؤون الصينية والآسيوية.
بينما كان العالم يترقب بقلق بالغ انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران من أجل فتح مضيق هرمز وإبرام اتفاق مع واشنطن، كانت الوساطات تلقي بثقلها لوقف الحرب. وما زاد من القلق العالمي التهديدات الأميركية التي سبقت وقف إطلاق النار والتي لوّحت بالقضاء على الحضارة الإيرانية وقصف الجسور ومحطات الطاقة في إيران، وفي المقابل، توعّدت طهران بقصف المصالح الأميركية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز وباب المندب.
وإزاء هذه الأوضاع المشحونة التي كادت أن تؤدي إلى حرب إقليمية وتعطل إمدادات الطاقة، برزت بكين كلاعب محوري لم يكتف بدور المراقب من خلف الستار، بل تقدمت كقوة توازن قادرة على صياغة معادلة التهدئة مقابل الاستقرار.
سعت الصين إلى التدخل لإقناع إيران بوقف إطلاق النار والقبول بهدنة لمدة أسبوعين والدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية. ولم يكن هذا التدخل مجرد استجابة دبلوماسية طارئة، بل كان تعبيراً عن لحظة فارقة في الاستراتيجية الصينية حيث تقاطع أمن الطاقة القومي مع الطموح الصيني في تقديم نفسه كبديل موثوق للهيمنة التقليدية في الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى المتتبع للعلاقات الصينية- الإيرانية والمراقب لتحركات الصين منذ بدء العدوان الأميركي- الإسرائيلي على طهران، لم يكن هذا التدخل مفاجئاً له، إذ إن بكين دعمت طهران، دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، بصورة غير مباشرة وأمدتها بالمعلومات الاستخبارية، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى ضمان مصالح الصين الكبيرة في إيران. لم تضغط بكين منذ بداية العدوان لوقف العمليات العسكرية، بل اعتمدت أسلوباً حذراً وهادئاً. ومع ذلك، قامت بسلسلة خطوات من أجل تهدئة الأوضاع وعدم انزلاقها لتطال المنطقة بأكلمها من دون أن تمارس ضغوطاً جدية على أي من الأطراف المعنية بالصراع، وربما يعود ذلك إلى عدم تأثر الصين بشكل كبير من جراء العدوان على إيران.
ولكن، مع ارتفاع منسوب التوتر في المنطقة، وتهديدات ترامب بتدمير البنى التحتية للطاقة وفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، ومع الهجمات المتبادلة من أطراف النزاع والتي استهدفت محطات الطاقة في إيران ودول الخليج و"إسرائيل"، وجدت الصين نفسها مضطرة إلى التدخل لتأمين الاستقرار إذ رأت أن الأوضاع تتجه نحو الانفلات، وبدأت تمس مصالحها، وأن الوقت مناسب لتدخلها.
لعبت بكين دوراً في الكواليس لإقناع طهران بقبول وقف إطلاق النار المؤقت، وذلك بالتنسيق مع إسلام آباد التي كان لها دور كبير في حثّ الصين على التدخل. فبعد الاجتماع الرباعي الذي عقد في باكستان وضمّ وفوداً من السعودية ومصر وتركيا وباكستان لإجراء محادثات تنهي الحرب في المنطقة، توجّه وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار إلى بكين والتقى نظيره الصيني وانغ يي، وأعلن الجانبان عن مبادرة مكوّنة من 5 بنود من أجل استعادة السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وتقوم المبادرة على الوقف الفوري للأعمال العدائية، وبذل أقصى الجهود لمنع امتداد النزاع والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، وأجراء محادثات "سلام" في أقرب وقت ممكن، وضرورة ضمان أمن الأهداف المدنية وحماية المدنيين، وضمان أمن الممرات الملاحية، وبذل الجهود لتطبيق التعددية وتعزيز مكانة الأمم المتحدة.
كانت باكستان التي تولت عملية الوساطة، إضافة إلى أطراف إقليمية أخرى، تدرك جيداً أن الصين هي الدولة الوحيدة القادرة على إقناع إيران بإبداء المرونة وتهدئة التوترات بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين البلدين، فبكين هي شريان الحياة لطهران في ضوء العقوبات المفروضة عليها. لذلك، يبدو أن إسلام آباد طلبت من بكين التدخل لإقناع طهران، وهذا العامل يضاف إلى عامل قلق بكين من تضرر مصالحها.
والملاحظ أن زيارة إسحاق دار إلى بكين لم تتناول فقط مسألة إيقاف الحرب على إيران، بل سعت بكين أيضاً إلى التوسط لإنهاء الحرب بين أفغانستان وباكستان، وبذلك تكون الصين قد ضربت عصفورين بحجر واحد لإظهار نفسها كوسيط سلام، سواء بإقناع طهران بالتهدئة والدخول في مفاوضات مع واشنطن، أو بالتوسط بين أفغانستان وباكستان حيث جرت مفاوضات بين البلدين في مدينة أورومتشي، عاصمة إقليم شينجيانغ الصيني، واتفق الطرفان على عدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها التصعيد بينهما.
كما وجدت الصين الوقت مناسباً للتدخل بعد أن جنّ جنون ترامب من أجل فتح مضيق هرمز وطلبه مساعدة الصين في ذلك. إلا أن الأخيرة لم تضغط على إيران لفتح مضيق هرمز ووقف إطلاق النار، إلا بعد أن مورست ضغوطات شبيهة على الولايات المتخدة للقبول بشروط طهران. واللافت هو الاعتراف الأميركي الصريح بالدور الصيني، فقد قال ترامب بعد قبول الهدنة من الجانبين إن بكين قد تكون قد دفعت طهران للتفاوض، وأكد البيت الأبيض إجراء محادثات رفيعة المستوى بين مسؤولين أميركيين وصينيين.
أما الصين، من جانبها، فلم تؤكد أو تنفي مشاركتها في الوساطة، وصرّحت بأنها عملت بنشاط في إنهاء الصراع منذ بدء القتال.
والتدخل الصيني في الأزمة الإيرانية تجلى بشكل واضح أيضاً في استخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار تقدمت به البحرين يتعلق بمضيق هرمز. وربما أرادت الصين من ذلك توجيه رسالة إلى دول الخليج بأن بكين لا تتهاون بأمن الشرق الأوسط ومضيق هرمز حتى لو كانت تربطها بهذه الدول علاقات وثيقة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تتدخل فيها بكين لتأمين الاستقرار في الشرق الأوسط . ففي عام 2023، توسطت بين المملكة العربية السعوية وإيران. وفي عام 2024، استضافت قادة الفصائل الفلسطينية وصدر إعلان بكين اتفقت فيه الفصائل على تشكيل حكومة وحدة وطنية.
تدخل الصين لوقف إطلاق النار بين إيران وأميركا يشي بأنها لاعب أساسي في المنطقة ولديها القدرة على إحلال السلام والاستقرار فيه، ولكنها لا تتدخل بقوة إلا من أجل حماية مصالحها وأمنها القومي.
من مصلحة الصين تجنب حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط قد تعطل إمدادات الطاقة وتؤدي إلى ركود عالمي، فضلاً عن إلحاق الضرر بدول الخليج التي تربطها بها علاقات وثيقة. لقد ربحت الصين من وراء تدخلها بتعزيز صورتها كقوة مسؤولة قادرة على حل النزاعات التي يعجز الغرب عن إخمادها، وبأنها تمكنت من المساهمة في حل أزمة بدأتها الولايات المتحدة وعجزت عن إنهائها.
ومساهمة الصين في الهدنة بين إيران وأميركا قد تعزز من موقفها في المباحثات التي من المفترض أن يجريها الرئيس الأميركي مع نظيره الصيني شي جين بينغ خلال الزيارة التي سيجريها ترامب إلى الصين الشهر المقبل.
تدخل الصين أيضاً كان ضرورياً لثني الولايات المتحدة الأميركية عن مواجهتها في مناطق أخرى بعد فنزويلا وإيران. فلو لم تتدخل لظهرت بمظهر الضعيف وكانت واشنطن ستقوم بتقليص نفوذها في بلد آخر. كما أن نجاح وساطة الصين إشارة واضحة إلى أن هناك قدرة لتحوّل النظام العالمي إلى عالم متعدد الأقطاب.
ومع ذلك، لا يُتوقع من الصين التدخل لحلّ نزاعات عالمية أخرى، إلا إذا كانت تمس بشكل كبير مصالحها الحيوية، لاسيما تلك التي تتعلق بأمنها الطاقوي. وإذا كانت بكين قد نجحت في أن تكون طرفاً في وقف إطلاق النار وأثبتت دورها كضامن للأمن في الشرق الأوسط ، إلا أن دورها لم ينتهِ، فما زالت بحاجة إلى التدخل لإنجاح المفاوضات وثني "إسرائيل" عن زعزعة استقرار المنطقة.