ترامب: عندما يصبح استمرار الحرب أغلى من إيقافها

2026/04/11

إيران لن تدخل مفاوضات تجعلها "دولة معزولة" بلا حلفاء. هي تفضّل العودة إلى "حافة الهاوية" وإغلاق المضيق على أن تضحّي بحليفها اللبناني في هذه اللحظة الحرجة.

بقلم|هدى رزق||| باحثة في الشأن التركي والإقليمي

لم يتبقَ سوى القنبلة الذرية لم يستخدمها ترامب في حربه ضدّ إيران، وبعد تهديدات غير سوية شكر رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ورئيس الأركان العامّة عاصم منير على الوساطة لتحقيق وقف إطلاق النار، واعتبر ترامب أنّ الخطة الإيرانية المكوّنة من 10 نقاط التي قدّمتها طهران "قابلة للتنفيذ".. وادّعى البيت الأبيض إنه "يمكن العمل عليها".

استخدمت إيران ورقة الجغرافيا وهي إغلاق المضيق كورقة ضغط الأمر الذي حوّل "النصر الأميركي" إلى أزمة طاقة عالمية. مما جعل حلفاء أميركا (الأوروبيين والآسيويين) يضغطون على واشنطن للتوقّف فوراً لأنّ اقتصاداتهم لا تتحمّل الأسعار الجنونية للسلع.

تضمّنت النقاط احتفاظ إيران بسيطرتها على مضيق هرمز مقابل إبقائه مفتوحاً. تريد طهران رسوماً لم تكن موجودة من قبل تتقاضي بموجبها مبلغ 2 مليون دولار لكلّ سفينة (نصفه سيقسم مع عمان)؛ ويستمر البرنامج النووي المدني الإيراني، بما في ذلك توليد الكهرباء، أما شرط التدمير الكامل لبرنامج إنتاج الصواريخ الإيراني فقد تمّ تخفيفه كشرط لتحديد المدى الدفاعي.

لكن بمجرّد أن أعلن ترامب وقف إطلاق النار، تحوّلت كلّ الأنظار إلى بنيامين نتنياهو الذي اعترض على وقف الهجمات على لبنان. خيّل أنّ السباق المحموم بين الدبلوماسية الأميركية والتصعيد العسكري الإسرائيلي قد بدأ للتو. تمّت التساؤلات هل وضع نتنياهو الاتفاق المعلن بين الرئيس ترامب وإيران في مأزق حقيقي عبر استراتيجية "الفصل بين الجبهات"، وقد أعلن نتنياهو صراحة أنّ وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب مع إيران لمدة أسبوعين لا يشمل لبنان.

تزامناً مع إعلان الهدنة، نفّذ "الجيش" الإسرائيلي ما وصفه بـ "أكبر ضربة منسّقة" استهدفت أكثر من 100 موقع في بيروت والبقاع والجنوب في غضون 10 دقائق فقط، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا، هدف نتنياهو منع حزب الله من الاستفادة من أيّ تهدئة إقليمية، معتبراً أنّ المعركة في لبنان  منفصلة وهي حرب  يجب استكمالها حتى القضاء على التهديد الذي يشكّله الحزب.

وكانت مفاجأة ترامب لوسائل إلاعلام أنّ لبنان ليس جزءاً من الصفقة، ردّدها جي دز فانس نائبه بأنّ الإيرانيين اعتقدوا أنّ لبنان مشمول بالهدنة، وكان ترامب قد وصف ما يحدث بأنه "صراع منفصل" سيتمّ التعامل معه لاحقاً. إلا أنّ تقارير كشفت أنّ نتنياهو وترامب اتفقا في مكالمة هاتفية قبيل إعلان الهدنة على أنّ "القتال في لبنان يمكن أن يستمر".

جرى رمي الكرة في ملعب طهران، إنه الاتفاق الهشّ للغاية، حذرت إيران رسمياً من أنها ستعتبر استمرار العدوان على لبنان خرقاً للهدنة، وهدّدت بالانسحاب من الاتفاق وإعادة إغلاق مضيق هرمز. أما استمرار الاتفاق فهو يعتمد على قدرة ترامب على كبح جماح نتنياهو .

يتأرجح الموقف على حافة الهاوية، والاتفاق بعد ساعات فقط من إعلانه، أكد رئيس الوزراء الباكستاني أنّ مسوّدة الاتفاق التي تمّ التوصّل إليها في إسلام آباد كانت تشمل صراحة وقف إطلاق النار في لبنان كجزء من التهدئة الإقليمية الشاملة، اعتبرت طهران ما قام به ترامب "خديعة أميركية" لتمرير هدنة تحمي "إسرائيل" من الصواريخ الإيرانية بينما تطلق يدها في تدمير حزب الله.

إعادة إغلاق مضيق هرمز، والقبول بهدنة تستثني لبنان يعني "انتحاراً استراتيجياً" وتخلّياً عن أهمّ حلفائها. ترامب يواجه أوّل اختبار حقيقي لـ "فنّ الصفقة" فإذا فشل في إلزام نتنياهو بالهدنة، سيفقد مصداقيته الدولية وسيعود العالم لمواجهة شبح إغلاق مضيق هرمز وقفزة أسعار النفط التي قد تتجاوز 150 دولاراً.

الاتفاق يترنّح الآن، إيران تدرك أنّ القبول بشروط ترامب التي "تفكّك" جبهة المقاومة (خاصة في لبنان) ليس مجرّد مفاوضات، بالنسبة لطهران، لبنان والعراق واليمن ليسوا مجرّد "أدوات نفوذ"، بل هم شركاء والتخلّي عنهم يعني نقل المعركة إلى داخل المدن الإيرانية، وفقدان القدرة على تهديد المصالح الأميركية في المنطقة عند أيّ أزمة مستقبلاً.

الإيرانيون هم من طوّروا لعبة الشطرنج فكيف يمكن التخلّي عن الجنود وهم يحدّدون شكل المعركة واستراتيجيتها بناءً على توزيعهم، سقوط الجنود يعني فقدان الردع وأنّ الملك أصبح مكشوفاً مما يسهّل على الخصم محاصرته يعني "كش ملك".

تكتيك ترامب ونتنياهو الحالي هو محاولة تحقيق هدنة لإيران مقابل تدمير حلفائها. ردّ الفعل الإيراني اليوم كان حاسماً "لا أمن لإيران من دون أمن حلفائها".

هذا المبدأ هو ما دفع الإيرانيين إلى التهديد بالعودة لإغلاق مضيق هرمز فوراً إذا استمر استفراد "إسرائيل" بلبنان. الإيرانيون لديهم "عقدة ثقة" مع ترامب تحديداً، هم يعتقدون أنّ أيّ تنازل عن "أوراق القوة" أي الحلفاء سيتبعه طلب تنازلات عن (البرنامج الصاروخي) ثمّ (النظام نفسه). لذا، البدء بمفاوضات تضعفهم هو خيار مرفوض داخل أروقة القرار في طهران.

بينما يضغط ترامب عبر العقوبات ، تضغط إيران "جغرافياً" عبر مضيق هرمز. إيران لن تدخل مفاوضات تجعلها "دولة معزولة" بلا حلفاء. هي تفضّل العودة إلى "حافة الهاوية" وإغلاق المضيق على أن تضحّي بحليفها اللبناني في هذه اللحظة الحرجة، لأنها تعرف أنّ الدور سيأتي عليها بعدها مباشرة.

لا ترى في حلفائها مجرّد "أوراق تفاوض" يمكن استبدالها بمكاسب اقتصادية أو ضمانات دولية، بل تراهم "عمقاً دفاعياً" لا غنى عنه. تدرك أنّ قوتها العسكرية التقليدية لا تقارن بالتفوّق الجوي الأميركي والإسرائيلي. لذا، فإنّ "حلفاءها" في لبنان والعراق واليمن هم من يحقّقون "توازن الرعب". التخلّي عنهم يعني تجريد إيران من قدرتها على ضرب "إسرائيل" أو القواعد الأميركية من دون الدخول في حرب مباشرة ومدمّرة على أراضيها.

تجارب إيران السابقة مع القوى الكبرى خاصة انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018 جعلت "مركز القرار" في طهران لا يثق بأيّ وعود ورقية، الحلفاء الوحيدون هم الذين يقاتلون على الأرض فعلياً؛ لذا فهم "الضمانة الحقيقية" الوحيدة في نظر حرس الثورة.

المحللون في طهران يرون أنّ ترامب يريد "تفكيك المحور" قطعة قطعة. البدء بلبنان اليوم يعني أنّ الدور سيأتي على العراق غداً، ثم البرنامج الصاروخي، وصولاً إلى تغيير النظام. لذا، فإنّ الصمود في جبهة لبنان الآن هو دفاع عن طهران نفسها.

تقاطع الطموحات بين ترامب ونتنياهو

يرى نتنياهو في "تفكيك حزب الله" وضرب البنية التحتية اللبنانية فرصته التاريخية لتأمين الجبهة الشمالية وإطالة أمد بقائه في السلطة، بعيداً عن الملاحقات القضائية والضغوط الداخلية. أما ترامب فيريد أن يثبت لناخبيه وللعالم أنه "الرئيس القوي" الذي أخضع إيران وحلفاءها من دون الدخول في "حرب أبدية"، هو يريد "نتائج سريعة" ليقدّمها كإنجاز تاريخي في فترته الرئاسية الثانية أمام هذا "التحالف المصلحي" .

لا تملك إيران وحلفاؤها سوى ورقة "الألم الاقتصادي". إغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة هو "العمل" الوحيد الذي قد يجبر ترامب على كبح جماح نتنياهو. ترامب حسّاس جداً بالنسبة لأسعار البنزين في أميركا؛ فإذا وصلت لـ 7 أو 8 دولارات للغالون، سينقلب طموحه الرئاسي إلى كابوس انتخابي، مما سيضطره للضغط على "إسرائيل" للتوقّف.

يعتمد حزب الله وإيران على مبدأ "من يصرخ أولاً". إذا استطاع الحزب الصمود ميدانياً ومنع "إسرائيل" من تحقيق "نصر حاسم وسريع"، فإنّ التكلفة البشرية والمادية لـ "إسرائيل"، والضغط الدولي على ترامب، قد يفرضان العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أفضل.

العمل الدبلوماسي تقوده دول مثل تركيا وعُمان، لمحاولة إقناع ترامب بأنّ نتنياهو يجرّه إلى "فخّ إقليمي" سيقضي على وعوده بالازدهار الاقتصادي.

المشكلة أنّ نتنياهو "مقامر" بطبعه، وهو يعلم أنّ ترامب لن يجرؤ على قطع الدعم عنه في بداية ولايته الرئاسية. لذا، هو يستغلّ "الضوء الأخضر" الأميركي لأقصى مدى، محاولاً فرض واقع جديد في لبنان قبل أن تضطر أميركا إلى التدخّل لوقف الحرب بسبب ضغوط أسعار النفط.

الحل رفع تكلفة الحرب عسكرياً في الميدان واقتصادياً في المضائق. فمن دون "ثمن باهظ" تدفعه المصالح الأميركية، سيستمر نتنياهو في استثمار "الغطاء الترامبي" لتنفيذ أجندته.

وعد ترامب الأميركيين بخفض التضخّم، وبارتفاع أسعار النفط سيتحوّل إنجاز ترامب الاقتصادي إلى كارثة. عندها فقط، سيتحرّك ليس حبّاً في السلام، بل لحماية "رصيده السياسي" بالضغط العنيف على نتنياهو لوقف الحرب. ترامب يعتقد حالياً أنّ التهديدات الإيرانية قد تكون "مجردّ كلام"

ترامب لن يلجم نتنياهو بالكلمات، وإيران لن تحمي لبنان بالتصريحات. المحرّك الوحيد للتغيير هو "صدمة اقتصادية" تجعل استمرار الحرب أغلى من ثمن إيقافها بالنسبة لترامب.

أما "الحرب الشاملة" في القواميس العسكرية اليوم فهي خيار "الشمشون" الذي يرفضه الجميع سراً رغم التهديد به علناً، وذلك لعدة أسباب تجعلها غير قابلة للتطبيق، وإيران صمّمت استراتيجيتها العسكرية على مبدأ "الردع غير المتماثل".

هي لا تحتاج للانتصار في معركة دبابات، بل يكفيها نشر الفوضى في آبار النفط، وضرب الملاحة، وتحريك الجبهات في وقت واحد. هذا النوع من الحروب "لا رابح فيه"، وهو ما يجعل القوى الكبرى تبتعد عنه. ما نعيشه هو ضغط عسكري إسرائيلي عنيف في لبنان، يقابله تهديد إيراني بالمضائق، مع محاولات أميركية للابتزاز السياسي. الجميع يتحرّك تحت سقف "الحرب الشاملة" من دون مقاربتها لكنّ ترامب يدرك أنّ لبنان هو مفتاح التهدئة مع إيران.

 

أخترنا لك
قراءة في رواية (القابضة على الجمر) تأليف الأديبة ولاء إبراهيم حمود

(ملف)عاشوراء : انتصار الدم على السيف

المكتبة